الثورات الشعبية لا تمد اليد للقوى الاستعمارية

March 16th 2011 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

 

17/3/2011

 

ثمة ألم في مشهد استئناف ضخ الغاز المصري – بعد الثورة – للكيان الصهيوني، وثمة خلل في حراكٍ سياسيٍ يقوم في هذا الجزء من العالم، بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي، لا يشخص عدوه الرئيسي باعتباره الطرف الأمريكي-الصهيوني ومن يتحالف معه.  وثمة مشكلة في برنامج سياسي لا ينطلق من أن التناقض الرئيسي في وطننا العربي هو بين الإمبريالية والشرائح الاجتماعية والقوى السياسية والنخب الثقافية المرتبطة بها من جهة، وبين أوسع جماهير الشعب العربي من جهة أخرى.   وعندما يغيب مثل هذا التشخيص عن حراك وخطاب ومسار العمل السياسي، فإنه يصبح مفتوحاً لكافة احتمالات الانحراف والاختراق والاحتواء بأثر رجعي، حتى لو بدأنا من فرضية النقاء السياسي المقترن بنقص الوعي وقلة التنظيم.

 

خلال الأسابيع الماضية لاحظنا أن المطالب الرئيسية للحراك السياسي في الشارع في دول عربية مختلفة تركزت إما على فئة الإصلاح الدستوري والديموقراطي، أو على فئة القضايا الاقتصادية والمطلبية، وأن ملف العلاقة مع الطرف الأمريكي-الصهيوني اتخذ موقعاً خلفياً عندما تم التطرق إليه أصلاً.  ولو أخذنا مصر نموذجاً، لوجدنا أن معاهدة كامب ديفيد لم تنل حظها من الاهتمام من قبل قيادات التحرك الشعبي والشبابي، وكان من المستغرب خلال الأسابيع التي فقدت فيها الأجهزة الأمنية السيطرة على الشارع، وألقى الشعب بملايينه المظفرة في الميدان، أن لا يتم العمل على اقتلاع السفارة الصهيونية في القاهرة اقتلاعاً، وأن لا يتم تسيير التظاهرات المليونية باتجاهها على الأقل..! 

 

ما يصح على مصر ينطبق طبعاً على الحراك السياسي في تونس، وعلى بقية الدول العربية التي قام فيها حراك مثل الأردن واليمن والبحرين وغيره.  فلو قامت مثل هذه التظاهرات في الخمسينات والستينات، لتوجه بعضها على الأقل نحو السفارات الغربية التي تدعم دولها أنظمة التجزئة والحكام الذين يثور الشعب عن وجه حق ضدهم، وهو ما لم يحدث خلال الأسابيع الماضية، وقلما سمعنا هتافاً للوحدة، مع أن الثورة هي في الواقع ضد أنظمة التجزئة، ومع أن الفشل والفساد والاستبداد هو لأنظمة التجزئة القطرية، ومع أن تفاعل الشعب العربي مع ما جرى في تونس ومصر وقف شاهداً على وحدة الوجدان العربي، ولو أن ذلك لم يرتقِ لطرح شعار أو برنامج وحدوي أو مناهض علناً لارتباط الحكام والأنظمة بالطرف الأمريكي-الصهيوني وقوى الهيمنة الخارجية.

 

ولمن يحب التصيد بين ثنايا الكلمات نقول أن هذه الثغرة لا تعني أن الشعب العربي نسي التناقض مع الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه، لا بل أن الحراك الشعبي في العراق اتخذ لوناً مناهضاً للاحتلال بالتعريف لأن حراكه في الجنوب والوسط والشمال جاء ضد قوى ترتبط مباشرة بالاحتلال وتستمد قوتها منه، كما أن الشعب العربي لا يمتلك رفاهية تغييب هوية عدوه الرئيسي الذي يحتله بشكل مباشر أو غير مباشر.   ونذكر أن احتلال العراق والعدوان على غزة وقبله على جنوب لبنان ومجمل السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، وغير ذلك كثير، خلق عداء شعبياً عربياً مستحكماً للطرف الأمريكي-الصهيوني دفع الولايات المتحدة، كما هو معروف، لوضع خطط متشعبة للتصدي لسؤال: “لماذا يكرهوننا؟!”.

 

أليس من الطبيعي إذن، بعد كل هذا، أن يُطرح المطلب الجزئي والمحدود الدستوري أو الاقتصادي في سياقه الوطني والقومي؟!  فإذا لم يطرح هذا المطلب الديموقراطي والاقتصادي ضمن سياق التناقض مع الإمبريالية والصهيونية، يصبح من السهل تحويل الحراك الشعبي نحو مسارات آمنة، قابلة للاستيعاب، إن لم نقل قابلة للإجهاض، لا تهدد منظومة التبعية للإمبريالية.   

 

الناس يعرفون بوصلتهم جيداً عن ظهر قلب، لكن النقد هنا على مسار الحراك ومآله، حرصاً على إيصاله إلى نتيجة مفيدة، ولكي لا يشعر من بذلوا التضحيات بعد أشهرٍ أو أعوامٍ أنهم نالوا أقل مما يستحقون، ولكي لا يسود الإحباط بعدما تضع ثوراتنا أوزارها.  ولذلك يجب أن نركز أن التغيير الحقيقي في مصر عنوانه إسقاط معاهدة كامب ديفيد، وان التغيير الحقيقي في الأردن عنوانه إسقاط معاهدة وادي عربة، وأن التغيير الحقيقي في فلسطين عنوانه إسقاط اتفاقية أوسلو وأخواتها (وليس شعار إنهاء الانقسام)، وأن تلك المعاهدات نهج داخلي وخارجي ينبع من رحم الأنظمة، وأن التغيير الحقيقي في الوطن العربي عنوانه إسقاط التبعية لقوى الهيمنة الخارجية، وان كل المطالب الديموقراطية والمعيشية يجب أن تقاس بمسطرة التناقض مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، وأن ذلك التناقض هو الأساس، وأن الباقي مهم، ولكنه يبقى إما نوافل أو مداخل للتناقض الأساس.

 

أما خارج سياق التناقض الأساسي، فإن حراكنا الديموقراطي قد يصبح ثورة ملونة، على نمط ثورات أوروبا الشرقية، يسر حكومات حلف الناتو أن تتبناها، وحقوقنا المعيشية قد تصبح ملهاة تنسينا التناقض الرئيسي.  ويصبح من السهل على البعض أن يتصور أن التغيير يجري بدعم وتمويل من الخارج، عبر منظمات التمويل الأجنبي وبرامجها “الديموقراطية” أو عبر الدعم الاستخباري. 

 

كما أننا إذا نسينا التناقض الرئيسي لا نعود قادرين على التفريق بين ثورة وثورة مضادة.  فالأولى تحقق سيادة الشعب على أرضه وفي وطنه، ولا يمكن أن تهادن أعداء الوطن، أما الثانية فتعمق التبعية للخارج خلف لعبة تغيير الوجوه، وترتبط بالخارج تحت عناوين براقة مثل “الديموقراطية” و”حقوق الإنسان”، وهو الأمر الذي ما برح ينبه إليه الكتاب الروس والصينيون والأمريكيون اللاتينيون في تناولهم للحراك الشعبي العربي خلال الأسابيع الأخيرة، وهو أيضاً ما يدفع تلك القوى الدولية الممانعة أو المعادية للهيمنة الإمبريالية للتصدي للتدخل الأجنبي في ليبيا مثلاً.  ولحسن الحظ، فإن مجموعة كبيرة من المثقفين والمناضلين العرب أصدروا بياناً مناهضاً للتدخل الأجنبي في ليبيا بكافة أشكاله، وهي خطوة ممتازة بالاتجاه الصحيح لأن التغيير الديموقراطي في الوطن العربي لا يجري في ظل حظر جوي أمريكي ولا تحت رعاية المحاكم الدولية.

 

ونحن لا نستطيع أن نفصل المطلب الديموقراطي والاقتصادي عن مطلب التحرر الوطني، ولا أن نفصل وعي الحرية في الداخل عن وعي الحرية في الخارج، لأننا لا نستطيع فصل الفساد والاستبداد عن التبعية والتجزئة.  فهل كان من الممكن لسلطة تنسق أمنياً مع العدو الصهيوني أن تكون غير فاسدة مثلاً؟  وهل يمكن لسلطة تقوم في ظل الاحتلال في العراق أن تكون غير فاسدة؟  وهل يمكن أن تستند أنظمة تقوم في ظل الحدود التي رسمها الاستعمار، مهمتها الحفاظ على تلك الحدود المصطنعة، أن لا تكون مستبدة وفاسدة؟!  وهل يمكن أن ننسى مثلاً أن فرض قانون الصوت الواحد، لإنتاج مجلس نواب أردني موالٍ بالكامل، كان ضرورة قانونية لتمرير معاهدة وادي عربة، وأن ننسى أن بيع الثروات العامة للشركات الأجنبية في الأردن يمثل استمراراً لنهج وادي عربة والتطبيع مع العدو الصهيوني؟! 

 

كذلك لا يجوز لنا أن نجد أنفسنا في نفس المربع مع حلف الناتو وقوى الهيمنة الخارجية…  وعندما نجد أنفسنا في موقع من هذا النوع يجب أن نعيد النظر في موقفنا كثيراً، فالثورات لا تجري في فراغ بل في ميدان جغرافي-سياسي محدد، وعندما يفيد التغيير قوى الهيمنة الخارجية أكثر مما يفيد الشعب العربي، يجب أن نتروى كثيراً.  وعندما نرى قناة الجزيرة تتبنى نفس الخط الإعلامي مثل قناة العربية والبي بي سي، يجب أن نتروى كثيراً.  وعندما يعلن المسؤولون الأمريكيون أنهم على اتصال مع “ثوريين” عرب وأنهم سوف يقدمون لهم السلاح والدعم، يجب أن نتروى كثيراً.  وعندما يعترف مجلس التعاون الخليجي وفرنسا وبريطانيا بأولئك “الثوريين” فيما يتهمون بقية ثوريي العالم بالإرهاب، يجب أن نتروى كثيراً.  وعندما نرى حراكاً “سلمياً” يبدأ بمهاجمة معسكرات الجيش والمراكز الأمنية، على عكس ما جرى في تونس ومصر مثلاً، يجب أن نتروى كثيراً.  وعندما يطالب “الثوريون” بضربات جوية من حلف الناتو أو بمنطقة حظر جوي أو بوصاية دولية، يجب أن نتروى كثيراً.  فالثورات لا تمد اليد للقوى الاستعمارية.  والثورات الشعبية من حقها أن تسقط الحكام بكل تأكيد، ولكنها لا تفرط بالسيادة الوطنية.  ولهذا يجب أن نعلي الصوت: نعم للثورة الشعبية العربية، ولا للظلم والاستبداد، ولكن قبل ذلك كله لا للعمالة للخارج.

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

قراءة في قرار ترامب بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الولايات المتحدة

زعم إدارة ترامب أنها حظرت مواطني سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان وإيران من دخول الولايات المتحدة لمنع الإرهاب  يصعب أن يصدقه أي متابع عاقل بالنظر إلى أن: معظم تلك الدول (ما [...]

هراء تسووي وتطبيعي في مسودة الدستور الروسي الجديد

بالإضافة إلى نزع عروبة سورية، وتكريس نظام تمثيلي يقوم على المحاصصة الطائفية والمناطقية، يبدو أن مسودة الدستور الروسي الجديد مخترقة صهيونياً.  لاحظوا المادة الثامنة من ذلك الدستور كما [...]

أخطر ما في مخرجات “مؤتمر باريس للسلام”

لم تترجم معظم وسائل الإعلام العربية، على ما رأيت، العنوان الحرفي الذي انعقد تحته ما يسمى بـ"مؤتمر باريس للسلام"، فقد كان Conference pour la paix au Proche-Orient، أي مؤتمر من أجل السلام في "الشرق الأدنى"، وهي [...]

النشاط التطبيعي يتصاعد في المغرب

خاص لصفحة حملة استحِ لمقاطعة المنتجات الصهيونية شُهد الأسبوع الماضي مُشاركة وفد مغربي في مؤتمر "ماتروز" الذي أقيم في القدس العربية المحتلة تحت إشراف ما يُسمى بـ "جمعية الصداقة اليهودية – [...]

حول القصف الصهيوني لمطار المزة العسكري

القصف الصهيوني لمطار المزة وجواره، مثل القصف الصهيوني الشهر الفائت، والقصف الصهيوني خلال كل المرات الماضية، يأتي دوماً لـ: 1) دعم العصابات التكفيرية المسلحة في حربها ضد سورية جيشاً وشعباً [...]
2017 الصوت العربي الحر.