استشهاد بن لادن يعيد إذكاء العداء للولايات المتحدة في المنطقة

May 5th 2011 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

 

5/5/2011

 

بعض القوم يضعفون عن التعبير عن موقف أو قناعة يحملونها حتى لا يحسبوا على “فلان” المغضوب عليه في دوائر السلطة أو الإعلام العربية أو العالمية، ولذلك لا بد من التنويه بشجاعة القائد الحمساوي إسماعيل هنية في إدانته لعملية اغتيال بن لادن، وجرأته على قول الحق عندما قال أن حماس تعتبر عملية الاغتيال استمراراً للسياسة الأمريكية القائمة على الاضطهاد وإراقة دماء المسلمين والعرب،  وقد أنصف هنية الشهيد بن لادن عندما وصفه بأنه مجاهد عربي، على الرغم من الخلافات الحادة القائمة بين التيارين الإخواني والسلفي الجهادي، ونحن بدورنا لا نملك إلا أن نشيد بموقف هنية وحماس في هذا المضمار على الرغم من خطوتهما الأخيرة في التفاهم مع تيار التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني تحت عنوان باهت هو “المصالحة الوطنية”، ولعل هذه الصلابة وهذا النقاء المبدئي في الدفاع عن ذكرى الشهيد أسامة بن لادن دون أن تضطر لذلك، لا بل حيث يكون ذلك مكلفاً من الناحية السياسية، يبقي لدينا أملاً بأن حماس لن تنجرف تحت يافطة “الوحدة الوطنية” في المسار الذي سبقتها إليه حركة فتح.

 

لن اصغر نفسي في لحظة الاستشهاد العظيمة بتعداد كل الملاحظات ونقاط الخلاف مع بن لادن سياسياً وفكرياً سعياً لشهادة حسن سلوك من معسكر أعداء الأمة، وبن لادن شيء متميز عن القاعدة بالرغم من ارتباطه بها.  وعندما تقع الواقعة، إما أن يكون المرء مع هذا المعسكر أو ذاك، وليس في خضم المعركة إلا فسطاطان، فاختر فسطاطك ولا تخف في الحق لومة لائم.  أما الخلاف والخيارات البديلة، الثالثة… والرابعة والخامسة الخ…، فمكانها من قبلُ ومن بعدُ، أي فقط خارج المعركة الميدانية عندما تقوم.   فوقوف الناس مع المقاومة اللبنانية عام 2006 في مواجهة العدو الصهيوني مثلاً لا يعني بالضرورة تأييد موقفها في العراق.  ووقوف الناس مع حماس في صمودها في غزة، أو أبان العدوان الصهيوني على غزة عام 2009، وهو حق لها على الأمة، لا يعني بالضرورة تأييد “وثيقة الوفاق الوطني” مثلاً التي وقعتها والتي تحصر هدف النضال الوطني الفلسطيني بتأسيس دولة في حدود عام 67، وتطرح “تركيز المقاومة”، دون تعريف ماهيتها وما إذا كانت تلك المقاومة سياسية أم عسكرية أم ماذا، ضمن تلك الحدود، وتتبنى قرارات “الشرعية الدولية” (المعترفة بالكيان الصهيوني) وقرارات “الشرعية العربية” (أي مبادرة السلام العربية المأفونة).

 

نحن العرب أمة تحب الشهداء، ويحركها بالأخص استبسال القادة الشهداء، ولعل من أسطع الأمثلة على ذلك وقفة القائد الشهيد صدام حسين فوق رؤوس جلاديه على حبل المشنقة. 

 

وعندما يقاتل الشيخ أسامة بن لادن وتلك الحفنة الصغيرة من المقاتلين الأشاوس القوات الخاصة للبحرية الأمريكية حتى الاستشهاد، فإن كل شرفاء الأمة يتحرك في داخلهم شيءٌ لا تفهمه النفوس الصغيرة سواء اتفقوا مع بن لادن أو اختلفوا.  وقد تجد من أعداء الإمبريالية الأمريكية حول العالم من يعتبرون تلك المعركة معركتهم، حتى لو كانوا من غير العرب أو المسلمين، ولهذا لم يعكر فرحة الإمبريالية الأمريكية شيء، ولم يجبرها على التحفظ في إبداء السرور المفرط، إلا إدراكها الفوري أنها فتحت على نفسها “مدبرة” لن تتمكن من السيطرة عليها قريباً.

 

نعم، لقد مارست القاعدة التكفير في كثير من المواضع، وارتكبت أخطاء سياسية فاحشة في العراق وغيره، فضيقت معسكر أنصارها وحلفائها وقدمت دعاية مجانية لأعدائها وأعداء الإسلام.  لكنها عبرت، في حدود مقاومتها للاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان، عن مصلحة كل شعوب الأرض المناهضة للإمبريالية، وعن المصلحة الوطنية في الدول الخاضعة للاحتلال.  كما أنها عبرت، في حدود صدامها المعولم مع الإمبريالية الأمريكية وحلفائها، بغض النظر عن طريقة إدارتها للصراع وأية ملاحظات عليها، عن ردة فعل طبيعية، غريزية، عمياء أحياناً، ضد طغيان الإمبريالية وتجبرها في الأرض، مما منحها تعاطف عشرات آلاف الشبان العرب والمسلمين على الأقل، خاصة في ظل غياب البدائل. 

 

وقد اندفعت القاعدة في قطيعة جذرية ونهائية مع الأمر الواقع، وهو ما يعبر عن خيار ثوري في الأساس، ولو أن ذلك تبلور بأشكال طائفية مقيتة ومنغلقة أحياناً ضد غير السنة، وضد القوى الإسلامية وغير الإسلامية المناصرة للمقاومة لكن التي لا توافق على نهج القاعدة، وهو الأمر الذي وظفته الولايات المتحدة وإيران جيداً لمصلحتيهما في العراق.  والنقد هنا يصب طبعاً في سياق تصويب العمل المناهض للإمبريالية، لا في سياق تأييد “الحرب ضد الإرهاب” وإدانة “التطرف”، وبالتالي في سياق إدانة القاعدة لمصلحة الإمبريالية وحلفائها.

 

لكننا لسنا هنا في مجال تقييم تجربة تنظيم القاعدة وما له وما عليه، وعلينا أن نميز إلى حدٍ ما، دون نسيان الروابط، ما بين: 1) الشيخ أسامة بن لادن كأيقونة ورمز سياسي، 2) القاعدة كتنظيم وشبكة، 3) ونهج القاعدة كنموذج عقائدي وعملياتي تمخضت عنه تنظيمات كثيرة لا ترتبط بالقاعدة أو بن لادن تنظيمياً. 

 

المطروح الآن إذن هو معركة باسلة بين قوات أمريكية تحتل أفغانستان وتتدخل في باكستان كما تشاء وتنفذ عملية عسكرية في موضعٍ يبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة، وبين بن لادن الذي يرتبط بالمقاومة الأفغانية، والذي أصبح رمزاً للعداء للإمبريالية الأمريكية حول العالم، بغض النظر حتى عن علاقته بتنظيم القاعدة، وهو ما دفع بعض الأمريكيين اللاتينيين مثلاً لارتداء قمصان قطنية عليه صورته بعيد ضربات 11 سبتمبر.

 

بن لادن كان يعرف أنه مستهدف ومطارد، وأنه كان يمكن أن يستشهد في أي لحظة، ولكنه لم يضعف أو يستسلم، وفي الوقت الذي ينسى فيه بعض “الثوار” اليوم أن الصراع الأهم في عالمنا المعاصر يجب أن يكون مع الإمبريالية والصهيونية، فإن معركة بن لادن مع القوات الخاصة للبحرية الأمريكية تأتي لتذكر من نسي بالاتجاه الذي يجب أن تتوجه نحوه البوصلة السياسية.

 

وفي معركة ميدانية مباشرة مع الإمبريالية من هذا النوع، لا يمكن إلا أن نكون مع الشيخ أسامة بن لادن بلا تحفظ، فهي معركة نظيفة مع العدو الرئيسي تشرفه وستطبعه في ذاكرة العرب والمسلمين وأحرار العالم إلى الأبد.

 

وهي معركة خسرت فيها الإمبريالية الأمريكية طائرة هليوكوبتر، حسب اعترافها، وهو ما يناقض الزعم الواهي أن القوات الخاصة للبحرية الأمريكية لم تخسر أي عنصر في القتال، وأن السوبرمان الأمريكي يقتل ولا يُقتل. 

 

وبالمناسبة لم تحاول القوات الأمريكية أن تلقي القبض على بن لادن ومن معه أحياء، بل كان القرار بالتصفية الجماعية، وقد سعت القوات الأمريكية، على ما يبدو، لقتل كل من في المجمع (الذي قرروا أن ثمنه مليون دولار!) بلا تمييز.

 

وهي معركة تذكر من نسي أن الإمبريالية ليست مجرد كلمة، بل مشروع هيمنة عالمي، وسطوة عسكرية وأمنية تمتد أذرعها كالأخطبوط على مدى آلاف الأميال خارج الحدود الوطنية. 

 

ولو خاض حسن نصرالله أو أي نقيض أخر لبن لادن مثل هذه المعركة مع العدو الصهيوني مثلاً لوقفنا معه بلا تردد أيضاً، فما دامت البوصلة تشير بلا اهتزاز للطرف الأمريكي-الصهيوني وحلفائه، لا يسعنا إلا أن نقدم دعمنا اللفظي على الأقل لمن جاد بحياته ودمه وعمره في مواجهة أعداء الأمة، وهو أضعف الإيمان.

 

ومن الملفت للنظر أن عملية اغتيال بن لادن في باكستان ترافقت مع محاولة اغتيال أخرى في طرابلس أودت بحياة ابن القذافي، سيف العرب، وثلاثة من أحفاده.  وليحذر كل من يصفق الآن من القادة والزعماء لاغتيال بن لادن، أو لاستهداف القذافي في طرابلس، لأن هذا النمط الإمبريالي في الاستهداف والتصفية للقادة والزعماء لن يقتصر على هذين الاثنين.

الموضوعات المرتبطة

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]

بعد التعديلات الدستورية في تركيا…

هل سينزل أردوغان عن حصانه الخشبي العثماني إلى أرض الواقع ومعادلاته؟! تشرين السورية 19/4/2017 د. إبراهيم علوش تقدَمَ مؤيدو تحويل النظام السياسي في تركيا إلى رئاسي، على المعارضين، بنسبة 51،3 [...]

بالشام أهلي وبالفسطاط إخواني

  د. إبراهيم علوش معذرةً من أبي تمام، لكن قصيدته (ما اليوم أولَ توديعٍ ولا الثاني) تعبر، قبل ألفيةٍ وربع الألفية تقريباً، عن وحدة الحال في وطننا العربي الكبير اليوم حين قال: (بالشام أهلى [...]

حركة تسلل أمريكية في شرق سورية

تزايد زخم الاندفاعة الميدانية للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية، عبر البوابة الكردية المشرعة، باتجاه الرقة، أوضح أخيراً بعض معالم الاستراتيجية الأمريكية في سورية.  وقد بات من [...]

ضوء في نهاية النفق السوري؟

لعل أهم مخرجات القمة العربية، على تواضعها، هو تبريد الموقف الخليجي من سورية، لتصبح الأولوية الحل السياسي بين جميع الفرقاء، مما يتضمن اقراراً رسمياً ببضرورة التعامل مع الدولة العربية السورية [...]
2017 الصوت العربي الحر.