عام على جماعة الكالوتي – جك

June 2nd 2011 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

2/6/2011

 

شماغ وكوفية، حمراء وسوداء، عبر الصيف والشتاء، وقفوا معاً على رصيف مسجد الكالوتي في الرابية احتجاجاً على وجود سفارة للكيان على أرض عمان، وللمطالبة بإعلان بطلان معاهدة وادي عربة. 

 

وقد سبقتهم احتجاجات كثيرة على رصيف الكالوتي، منذ العام 2000، عندما انطلقت الانتفاضة الثانية، وصولاً للاعتصام المفتوح إبان العدوان على غزة عام 2009، ناهيك عن احتجاجات أقل بروزاً قبلهم وبعدهم، هم بالضرورة استمرارٌ لها، وهي إرثٌ لهم، لكن الاعتصام الدوري الذي بدأ في 31/5/2010، أي قبل عام بالضبط، هو الأطول حتى الآن، والأكثر انتظاماً وتنظيماً، مع أنه من عمل “جماعة الكالوتي” (جك)، التي لا تنتسب إلى حزب أو منظمة، وهي وإن كان يغلب على تكوينها المستقلون، ترحب بكل من يتفق معها على المربع الأول أردنياً: 1) إغلاق السفارة الصهيونية على الأرض الأردنية، و2) إعلان بطلان المعاهدة مع الكيان.

 

تتألف “جماعة الكالوتي” (جك)، بهذا المعنى، من كل ملتزم بالاعتصام الدوري على رصيف الكالوتي، بغض النظر عن انتمائه الحزبي أو العقائدي، أو عدم انتمائه، وما دام يؤمن بأسس المربع الأول سابقة الذكر..  ف”جك” موقف وممارسة، وليست جماعة هرمية، ولا هي محسوبة على أحد، وبالرغم من ذلك فقد أشرفت على إنجاز ظاهرة جديدة ومتميزة في العمل السياسي في الساحة الأردنية هي ظاهرة حضارية في هيئتها وأدائها واستمراريتها.

 

وقبل “جك”، كانت الأجهزة الأمنية هي التي أطلقت في البداية صفة “جماعة الكالوتي” على ذلك الخليط المتنوع من الناشطين الذين كانوا ينجذبون تلقائياً للاحتجاج أمام مسجد الكالوتي على مقربة من السفارة الصهيونية في عمان. 

 

وبعد وقوع جريمة مجزرة سفينة مافي مرمرة أراد الجمع أن يعتصموا أمام السفارة الصهيونية احتجاجاً، واحتاروا باسم من يعلنون المسؤولية عن ذلك الاعتصام غير المرخص، وكان ذلك في 31/5/2010 قبل أشهرٍ طويلةٍ من تغيير قانون الاجتماعات العامة في الأردن، وقبل الانفراج الذي فرضته الثورات العربية، فوقع اختيارهم على اسم “جك” نسبة ل”جماعة الكالوتي”،  فذهبت مثلاً، وسار المثل عاماً، أو بالأحرى ثلاثةً وستين اعتصاماً في عام (بدأ الاعتصام يومياً وأصبح أسبوعياً)، فالمهم ليس الزمن بل ما يملأه، وقد انسابت في مجرى الزمن أحداثٌ كثيرة، وانشغل الناس بالإصلاح تارةً وبالديموقراطية طوراً، وابتعدوا عن الكالوتي واقتربوا، و”جك” منتظمة أسبوعياً كدقات القلب على جدران الخزان، لكي تؤكد أولاً وأخيراً أن بطلان وادي عربة وإغلاق السفارة أساس التغيير.

 

إنجاز “جك” المستمر منذ عام ليس بالضرورة أعظم إنجاز في العمل الوطني في الساحة الأردنية، لكنه يبقى إنجازاً ليس بقليل… لأنه كان عملاً منهجياً ذا ديمومة بلا ضوضاء. 

 

وكان رأي “الجكيين” منذ البداية أن الفزعات العفوية تأتي وتزول، وأنها تذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، فالأساس هو الاستمرارية: في حر الصيف وفي عز الصوم، وفي عواصف الشتاء والزمهرير، تدوم القلة المثابرة أكثر من الكثرة المتبددة. 

 

وقد وقف “الجكيون” عبر الشهور والفصول، وقفوا رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً، وقفوا عائلات، ووقفوا فرادى، لكنهم وقفوا معاً… وقفوا بصبرٍ وابتسامة عندما تلقوا الطعنات في الظهر من بعض الجهلة والمقصرين والحاقدين، ووقفوا بتواضعٍ وازداد شعورهم بعبء المسؤولية عندما نوه بعض الكتاب الوطنيين الشرفاء بجهود الجكيين ودأبهم. 

 

لقد وقفوا عندما كان الوقوف صعباً ومحفوفاً بالخطر، ووقفوا لما كان السكون العام يدعوهم للدعة ولعدم الوقوف، المهم أنهم نسوا أنفسهم على ذاك الرصيف ذات ربيعٍ ليصنعوا ربيعاً عابراً للفصول.. 

 

وقفوا من أجل العودة، ضد الوطن البديل، دوماً على رصيف الوحدة الوطنية في مواجهة العدو المشترك دفاعاً عن الأردن ومن أجل فلسطين، من أجل العرب، والمسلمين، وأحرار العالم، بغض النظر عن الحالة الجوية أو السياسية.

 

ومنذ أشهر يستضيف اعتصام “جك” شخصيات وطنية وشعبية أسبوعياً، وقد تعاقب من تلك الشخصيات  عشرات الضيوف الكرام من المتضامنين مع “جك” ممن لا يتسع المقام هنا لتعدادهم جميعاً، رغم علو مقامهم، ولأننا لا نريد أن نغفل منهم أحداً، وهم من خلفيات متنوعة ومختلفة بالمناسبة، إسلامية وقومية ويسارية ووطنية مستقلة وحزبية، وبينهم مناضلون وكتاب وشعراء، وبينهم أردنيون وعرب ومتضامنون أجانب، وبينهم من جاء من أمريكا الشمالية أو الخليج العربي أو الجزائر، وكلهم شرفوا الاعتصام بمشاركتهم ويتطلع الجكيون لعودتهم دوماً. 

 

ولو شاركتَ في اعتصام “جك” مرة لسمعت، غير ترديد الهتافات المناهضة للسفارة والمعاهدة، قصائدَ وأغانٍ وطنية يصدح بها شبابٌ وأطفال.  أما اليافطات فترسل رسالة واحدة لا مطرح لأي لبسٍ فيها:  أغلقوا السفارة، أعلنوا بطلان المعاهدة. 

 

في الذكرى الأولى لميلاد “جك”، نحيي كل من شارك بالاعتصام يوماً وندعوه للعودة لمكانه الطبيعي على رصيف الكالوتي، كما نحيي كل الأخوة والأخوات الذين شاركوا في “جك” ردحاً من الزمن ثم انقطعوا عنها،  ونذكرهم أن ثمة رصيفاً لهم ينتظرهم، ولسنا نحن من يدعوهم إليه لأنهم أصحاب الموقف معنا وقبلنا.  أما الجكيون الأكثر مواظبة، وبعضهم حضر أغلبية اعتصامات “جك” الثلاثة والستين على مدار العام المنصرم، إن لم يحضرها جميعاً، فلأولئك كل التحية والتقدير، لأنهم يصنعون تاريخاً وموقفاً لن ينساه لهم الوطن، وثمة من يراقب (من غير الأجهزة الأمنية) ويعرف ويقدر… 

 

نراكم على رصيف الكالوتي يوم الخميس الساعة السادسة والنصف مساء حتى السابعة والنصف.

 

 

    

 

   

الموضوعات المرتبطة

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]

وثيقة حماس الجديدة

بمناسبة صدور وثيقة حماس الجديدة التي تتبنى فيها رسمياً فكرة "الدويلة" ضمن حدود الـ67، نرى أن الخلل في برنامج حماس لم يبدأ مع هذه الوثيقة، بل سبقه خطاب خالد مشعل في دمشق عام 2009، رداً على خطاب [...]
2017 الصوت العربي الحر.