المسيرة إلى فلسطين 2

June 9th 2011 | كتبها

د. إبراهيم علوش 

9/6/2011

 

كانت “المسيرة إلى فلسطين 2” رحلة إلى ضريح الجندي المجهول في الشونة الجنوبية في غور الأردن قام بها مئات ممن أقاموا هناك اعتصاماً حضارياً منظماً لمدة ساعتين يوم 5 حزيران 2011.   وكانت تلك المسيرة متممة لحراك اللاجئين في دول الطوق، واستمراراً للمسيرة السابقة لها في 15 أيار، وكان بود المعتصمين، وكثيرٌ ممن لم يشاركوا بالاعتصام، أن يسمح لهم بالمسير إلى فلسطين فعلاً، كما سمح لأخوتهم في أمكنة أخرى.. 

 

لكنهم أوصلوا رسالة وأعلنوا موقفاً، وهو إنجاز، الإنجاز الذي تسمح به ظروف وإمكانات مجموعات من المستقلين، ولم يحدث قط أن حدث حراك كهذا في ذكرى 15 أيار أو 5 حزيران، ولم يكن من المقبول أن تتحرك مسيرات العودة إلى فلسطين حولنا، وأن يبقى أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في العالم، هنا في الأردن، هامداً بلا حراك… 

 

فتحية للأخوات والأخوة الذين قاموا على تنظيم “المسيرة إلى فلسطين 2″، في ذكرى 5 حزيران الرابعة والأربعين، بعد المسيرة الأولى التي نظمت بذكرى 15 أيار الثالثة والستين. 

 

التحية بالأخص للأخت المناضلة عبير الجمال، وللأخوات والأخوة في “ائتلاف شباب الانتفاضة الفلسطينية الثالثة – الأردن”، ولشبيبة جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية، ولكل من شارك في الرحلة إلى نصب الجندي المجهول وفي الاعتصام مقابله، وكل من أسهم بإنجاح الفعالية وإيصال رسالتها التي لمعت كالنجم المتوهج في هذا الضباب العربي: إن أي بوصلة تحيد عن التناقض مع العدو الصهيوني هي بوصلة مخترقة أو مشبوهة أو مكسورة.  

 

تحية خاصة لعشيرة العدوان التي رحبت بالمعتصمين أمام نصب الجندي المجهول، وقدمت لهم الماء البارد والعصائر في حر الغور الصيفي المتأجج، وشمسه الحارقة، وأرسلت من يلقي فيهم كلمة حارة أيضاً، مفادها أن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية الأردنيين أولاً.   

 

والشهداء الذين يمثلهم ضريح الجندي المجهول، بالمناسبة، أردنيين وفلسطينيين وعرب، ومن هنا الأهمية الرمزية للمكان.

 

وتحية لسكان الكرامة، ممن شاركوا بالاعتصام، ورحبوا فيه، وبالأخص المحامي حمدي الجريري، الذي أتى إلى اعتصام الكالوتي الواحد الستين في 19/5/2011، بعيد الاعتداء الُآثم على المعتصمين بالرصاص والحجارة والضرب في 15/5/2011، لكي يؤكد أن أهالي الكرامة والشونة يرحبون بالمعتصمين، ويدينون الاعتداء عليهم، ويؤيدون مطالبهم بالعودة ورفض الوطن البديل، ويشاركونهم رفض الوجود الصهيوني على أرض الأردن.

 

ويخطئ من يظن أن اللجوء هو مجرد ذكرى يتناقلها الأبناء عن الآباء، والآباء عن الأجداد، وأن الكبار سيموتون والصغار سينسون، كما زعم الصهاينة عندما هجرونا، وأن فلسطين ستصبح ذكرى يطويها الزمن.  بل هي ذاكرة متأججة.  

 

فاللجوء أمر واقع وحقيقة راهنة لا حفنة من الذكريات.  كما أن الاحتلال الذي صنع اللجوء هو بدوره حقيقة راهنة.  وهو احتلال، وتهجير، تم على مرحلتين، عام 48 و67، ومن هنا المسيرتين.  وبما أن الاحتلال هو سبب اللجوء، فإن التحرير يصبح طريق العودة، ولا طريق غيره.  فلا عودة بلا تحرير.  ولا تحرير بمنطق التعايش، أي لا تحرير بلا رفض مطلق لوجود الكيان الصهيوني. 

 

أما الدم الذي يراق على الدرب إلى فلسطين، فلا يحق لأحد على وجه الأرض أن يسخفه أو أن يقلل من شأنه، لأنه، من بين كل الدماء المهدورة في الفتن، الدم الذي لا يذهب هدراً، فهو يزهر مشروعاً سياسياً، ويحقق إجماعاً شعبياً، ويحيي الذاكرة، ويذكي العداء للعدو الصهيوني، ويعيد طرح القضية الفلسطينية في الشارع العربي بعدما حاول البعض تغييبها.   وهو الدم الذي يعيد توجيه البوصلة الشعبية العربية باتجاه العدو المشترك، عدو الأمة، وهو الطرف الأمريكي-الصهيوني.

 

وكذلك تكتسب الاحتجاجات الموجهة ضد سفارات العدو الصهيوني في عمان والقاهرة أهمية كبيرة في إعادة توجيه البوصلة الشعبية باتجاه التناقض الرئيسي. 

 

أما أردنياً، فإن الحراك المتوجه إلى فلسطين يكتسي أهمية فوق العادة لأنه يتصدى لواحدة من أهم العقد في العلاقة الأردنية-الفلسطينية، ويسهم بإسقاط مشروع الفتنة الأهلية، وبتعميق الوحدة الوطنية، ناهيك عن أن الضفة الغربية كانت تحت حكم النظام الأردني عندما خسرها للعدو الصهيوني، مما يضعه أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية (ودستورية) لتسهيل الحراك المتوجه إلى فلسطين، سواء بشكله السلمي أو حتى العسكري المقاوم، لا بإعاقته، ولا يتم التملص من تلك المسؤولية بدسترة “فك الارتباط” مثلاً…  ولدعاة “فك الارتباط” نقول: نحن دعاة وحدة عربية ووطنية، ولكن إن كنتم مصرين، أعيدوها أولاً، أو ساعدوا على إعادتها، ثم فكوا الارتباط معها واسحبوا الجنسيات كما تشاؤون.

 

المهم، من غير المفهوم على الإطلاق أن يقال أن القيادة السورية وحزب الله يتاجران بالقضية الفلسطينية وبدماء الفلسطينيين لأنهما سمحا بالمسيرات إلى فلسطين، كما زعم بعض الكتاب المغرضين، أما هدف الأجهزة الأمنية الأردنية من منع تلك المسيرات فهو حقن دماء الفلسطينيين! 

 

فإذا كانت للقيادة السورية ولحزب الله مصلحة بالسماح بمثل تلك المسيرات، فهي بالحد الأدنى مصلحة مشتركة مع مصلحة الشعب الفلسطيني بالعودة وبإثارة قضية اللجوء في الوقت الذي تتجاوزها فيه مشاريع الحلول التصفوية، وأخرها المبادرة الفرنسية التي وافقت عليها السلطة الفلسطينية بلا تردد، وهي التي تؤجل قضية اللاجئين والقدس إلى أجل غير مسمى.. 

 

فأهلاً وسهلاً بتحقيق المصلحة المشتركة… مع العلم أن استهداف سوريا وحزب الله يأتي بسبب كونهما مشكلة عويصة للعدو الصهيوني وسياساته ومشاريعه، قبل سماحهما بمسيرات العودة بكثير، وبغض النظر عنها، لا بل بغض النظر عن أية ملاحظات أو انتقادات يمكن أن نوجهها لهما.  فإذا كان هذا رداً من سوريا ومن حزب الله على استهدافهما، فإنه يدخل ضمن صراعهما مع العدو الرئيسي، وهو صراعنا معه، قبل أن يكون صراعهما.

 

وإثارة قضية العودة بالمناسبة مصلحة مشتركة للأردن، شعباً ونظاماً، أكثر بكثير مما هي مصلحة مشتركة سورية أو لبنانية، لو كان هناك من يفكر فيها حتى إعلامياً، ولا نجرؤ أن نقول إستراتيجياً. 

 

فالعودة، كمشروع سياسي، ولو لم يكن سهل المنال هنا والآن (بسبب الوضع العربي والفلسطيني، لا بسبب قوة العدو الصهيوني)، يفترض أن تكون المشروع الرسمي للأردن، لا التوطين، أليس كذلك؟!  وبالتالي فإن منع مسيرات العودة باتجاه فلسطين، لو افترضنا جدلاً أنه يحقن الدم الفلسطيني (ويوفر الكثير من الإحراج على العدو الصهيوني طبعاً)، يرسل رسالة بأن العودة ممنوعة أردنياً، وأن الأردن هو الوطن البديل، وهو ما يؤسس لفتنة أهلية، وبدلاً من حقن الدماء، يتم التأسيس لسفك الدماء، وللتدخل الدولي بذريعة حقن الدماء، تماماً كما نرى في بلدان عربية أخرى.      

 

ومن المستغرب حقاً أن يدافع البعض عن منع مسيرات العودة باتجاه فلسطين فيما أرييه ألداد يدق أبواب السفارة الأردنية في تل أبيب ليعلن الأردن وطناً بديلاً، وفيما يعلن ساسة الصهاينة ليل نهار بأن على العرب أن يعترفوا ب”يهودية” الدولة الصهيونية، مما يؤشر، فيما يؤشر إليه، إلى موجات جديدة من اللجوء القسري.   إذن، كان ابسط رد ممكن على مثل تلك الدعوات هو إثارة قضية اللجوء الفلسطيني إعلامياً، ومسيرات العودة كان يمكن أن تحقق ذلك بشكل مثالي لو كان هناك من يفكر بمصلحته، ولا نريده أن يفكر بفلسطين ولا بتحريرها، ولا حتى بالعودة.

 

ويمكن أن ننتقد الفصائل الفلسطينية التي تتخذ من دمشق مقراً لها على الكثير من الأشياء، ولكن من غير المفهوم مطلقاً أن تتم المزايدة عليها لأنها شجعت الناس على المشاركة في مسيرات العودة باتجاه فلسطين…

 

هل سمح لها مثلاً أن تمارس العمل العسكري عبر دول الطوق، ومنها الأردن، أطول “حدود” مع العدو الصهيوني، فامتنعت؟! 

 

وهل هناك فصيل منها غير مستهدف أو لم يقدم بعض كبار قياديه شهداء في الصراع مع العدو الصهيوني، ناهيك عن المئات والآلاف من كوادره وأعضائه؟! 

 

وهل كان المطلوب منها حقاً أن تعطي الزاحفين في مسيرات العودة السلاح، كما طالب البعض أو زايدوا، لكي يجزروا جزراً فيقال أنهم ألقوا بالناس غير المدربين وغير المنظمين إلى التهلكة؟! 

 

ومع أن مسيرات العودة تتكامل مع مشروع التحرير والعمل المسلح، ولا تتناقض معه، ولا تحل محله بأية حال، هل نسينا أن هدفها سياسي وأعلامي أساساً؟!  أم أن المطلوب هو سرقة الإنجاز السياسي الرائع لمسيرات العودة إلى فلسطين؟

 

على العكس تماماً، ليس مسموحاً للفصائل الفلسطينية المقاوِمة أن تمارس العمل العسكري عبر دول الطوق، وهذا أحد أسباب أزمتها، ولا هي بمنأى عن الاستهداف الصهيوني يومياً، ولم يكن من الحكمة على الإطلاق أن تقدم السلاح عشوائياً للشباب المشاركين بالمسيرات في مجدل شمس ومارون الراس، ولو أن كل ذلك لا يعفيها من العمل على تجاوز عقبات العمل العسكري ضد العدو الصهيوني من الخارج، وهي قضية بحاجة لمعالجة أخرى.   لكن تشجيع الفصائل للناس على المشاركة في المسيرات إلى فلسطين كان عملاً موفقاً وضرورياً وصحيحاً، ولم نكن لنرضى بأقل من ذلك منها. 

 

وعلى كل حال، من شارك بتلك المسيرات كان يعرف تماماً ماذا يفعل، ولم يكن يتوقع أنه ذاهب في “شطحة” سياحية.  فلماذا يتم تعظيم من يقتلون في الفتن الداخلية المدعومة خارجياً ويتم تسخيف السائرين إلى أشرف ساحة وأجمل شهادة؟!

 

الموضوعات المرتبطة

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]

وثيقة حماس الجديدة

بمناسبة صدور وثيقة حماس الجديدة التي تتبنى فيها رسمياً فكرة "الدويلة" ضمن حدود الـ67، نرى أن الخلل في برنامج حماس لم يبدأ مع هذه الوثيقة، بل سبقه خطاب خالد مشعل في دمشق عام 2009، رداً على خطاب [...]
2017 الصوت العربي الحر.