حول تخفيض التصنيف الائتماني للدينار الأردني

December 8th 2011 | كتبها

د. إبراهيم علوش

العرب اليوم 8/12/2011

 

 

بعد أن خفضت مؤسسة ستاندرد أند بور التصنيف الائتماني للدينار الأردني في 24/11/2011، سارعت بعض وسائل الإعلام المحلية لطمأنة الجمهور بأن ذلك لن يؤثر على سعر صرف الدينار الأردني أو استقراره، بل سيؤثر فقط على قدرة الحكومة على الإقراض والاقتراض. 

 

ولأن النهج السائد هو المعالجة بالإبر التخديرية، فلا بد من نظرة أكثر واقعية مبنية على تقييم موضوعي لمثل هذه الأنباء ومعناها وأبعادها، بدلاً من طريقة “شاهد ما شفش حاجة” التي اتُبعت عندما أصرت بعض وسائل الإعلام والجهات الرسمية بأن الأزمة المالية الدولية عام 2008 لم تؤثر على الاقتصاد الأردني بشيء، لنكتشف بعد ذلك أن تلك التطمينات ليست واقعية ولا صحيحة. 

 

ولا نقول أن تخفيض التصنيف الائتماني السيادي للحكومة الأردنية، لأن ذلك هو ما يجري الحديث عنه فعلياً، هو كارثة الكوارث ونهاية العالم… ولا القضية تدعو للتهويل أو لإثارة فزع لا داعي له.  لكننا نقول أن تخفيض التصنيف الائتماني للدينار على المدى الطويل من المرتبة 11 (ب ب +) إلى المرتبة 12 (ب ب) من حيث مستوى المخاطرة، حيث التصنيف 1 (أ أ أ ) هو الأقل خطراً و17 (س) هو الأكثر خطراً، هو مؤشر سلبي وغير صحي لا بد من التعامل معه بجدية والتفكير فيه بإمعان، وكذلك تثبيت التصنيف الائتماني للدينار على المدى القصير عند المرتبة 15 (ب)، دون أن يعني ذلك أننا على وشك الانهيار مثلاً.

 

نفس المؤسسة وضعت درجة قدرة الحكومة الأردنية على استعادة العافية عند تصنيف “4”، وهذا يعني أن القدرة على النهوض في حالة الإفلاس أو العجز عن سداد الدين العام تتراوح بين 30 و50 بالمئة فقط، وبالتالي اعتبر التقرير أن الآفاق سلبية.  والحديث يدور بالمعية عن مستوى الثقة بالدينار، وعن السياسات المالية للحكومة الأردنية التي يمكن أن تؤثر عليه على المديين القصير والطويل.

 

ولم يأت تخفيض التصنيف الائتماني لأسباب خارجية فحسب كما زعم البعض، حسب تقرير ستاندرد أند بور.  بل اعتبر التقرير أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وعدم الاستقرار الإقليمي، أديا إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع العجز في الموازنة الحكومية.  ومع أنه اعتبر أن علاقة الأردن القوية بالدول المانحة، التي تدعم حاجته للاقتراض، هو أمرٌ يخفف من خطورة الوضع، فإن الانخفاض التدريجي للاستثمار الأجنبي المباشر كنسبة من العجز في الحساب الجاري يزيد من خطورته.   ويشير التقرير بوضوح أن أحد أسباب تخفيض التصنيف الائتماني الوضع الداخلي في الأردن الذي اعتبره غير مستقر ولا يمكن التنبؤ به، وبأن التوترات الداخلية في تصاعد. 

 

داخلياً أيضاً نظرت المؤسسة بعين القلق لحجم العجز في الموازنة الحكومية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، عند 6،2%، ولتحول الإنفاق الحكومي بعيداً عن الإنفاق الرأسمالي نحو النفقات الجارية ودعم الغذاء والطاقة وزيادة المساعدات، وهو الأمر الذي خففت منه قليلاً المنحة السعودية التي غطت 18% من العائدات الحكومية عام 2011.  وتوقعت أن يزداد الدين العام للدولة إلى 45% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2013.

 

وبسبب ارتفاع أسعار المستوردات، وانخفاض عائدات السياحة، وتحويلات الأردنيين في الخارج، توقعت المؤسسة أن يزداد عجز الحساب الجاري إلى 7،3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، كما أن احتياطي العملة الصعبة لدى البنك المركزي، الذي يصر البعض أنه وحده العامل الذي يحدد سعر العملة، انخفض 3،5 بالمئة هذا العام. 

 

بالرغم من ذلك، وفي الجانب الإيجابي، لا تزال هنالك احتياطيات عملة صعبة جيدة نسبياً حتى الآن، كما يتبع البنك المركزي سياسات نقدية حصيفة برأي المؤسسة، وهو ما سيحمي الدينار نسبياً برأيها من ارتباطها بالدولار ومشاكله. 

 

وفي النهاية، ترى المؤسسة أن استقالة محافظ البنك المركزي الأردني فارس شرف في أيلول المنصرم يعبر عن المخاطرة السياسية أكثر مما يعبر عن عدم استقلالية البنك المركزي (وهو أحد مؤشرات تقييم الدينار).

 

لكن ذلك كله ليس شيئاً يجب أن ندفع به تحت البساط لنتخيل أنه غير موجود.  فتخفيض التصنيف الائتماني يعني زيادة المخاطرة، والأصول التي تزداد خطورتها يقل الطلب عليها، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة.  كما أن ازدياد عجز الحساب الجاري، بسبب انخفاض عوائد السياحة وتحويلات الأردنيين من الخارج، وارتفاع أسعار المستوردات، إذا ما اقترن بانخفاض تدفق رؤوس الأموال من الخارج، على شكل استثمار أجنبي مباشر مثلاً، سوف يضغط على الدينار تدريجياً، وسوف يستنزف احتياطيات العملة الصعبة لدى البنك المركزي.  وهذا أمرٌ يدعو للتنبه والتفكير فيه ملياً.

 

أما القول أن تخفيض التصنيف السيادي للأردن يؤثر على قدرة الحكومة على الاقتراض فقط، دون أن يؤثر على سعر الصرف، فغير دقيق ولا سليم منهجياً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن القروض تساعد على خلق تدفقات إلى الحساب المالي يمكن أن توازن العجز المزمن في الحساب الجاري.  فإذا قلت القدرة على الاقتراض، فإن ذلك يعني تدفق مالي أقل من الخارج، وهو ما يعني انخفاض فائض الحساب المالي، أو يعني الاقتراض بفائدة أعلى، مما يزيد العجز في الحساب الجاري من خلال ازدياد دفعات الفائدة والأقساط على الدين الخارجي في بند صافي الدخل الخارجي!  فأي محلل اقتصادي يستطيع أن يقول أن هذا لن يؤثر على سعر صرف الدينار مستقبلاً أو في السوق الآجلة مثلاً إذا استمرت الحال على ما هي عليه؟!

 

وربما يتمكن البنك المركزي من إتباع سياسات تقلل من تذبذب سعر الصرف صعوداً وهبوطاً، أما الاتجاه السلبي بعيد المدى فلن يستطيع البنك المركزي وحده أن يضبطه.  والحل يتطلب خطة اقتصادية وطنية شاملة، لا بعض الإجراءات الترقيعية فحسب، لكنه يبدأ بوضع موضوعة تغيير النهج الاقتصادي برمتها في الأردن على بساط البحث.  

 

ولنبدأ بتعزيز الصناعة والزراعة والقطاعات المنتجة في الاقتصاد لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وبالتركيز على إيجاد منافذ للتصدير، ومنه تصدير الخدمات التعليمية والعلاجية، وبالبحث عن أسواق عربية، وعن مشاريع تكامل تبعدنا عن التبعية للمؤسسات الاقتصادية الدولية. 

 

ولنبدأ بالتفكير بمشروع تنموي حقيقي، وباستعادة القطاع العام من يد الشركات الأجنبية، وبإيجاد بيئة مناسبة لرأس المال الوطني الذي يفضل الهروب للخارج، وبتغيير الهيكل الضريبي لزيادة القوة الشرائية بيد المواطن وتحريك عجلة الاقتصاد، وبتحويل الدولة من دولة جابية وحارسة إلى شريك أساسي في مشروع التنمية.  

 

وهذه مجرد إشارات وبدايات، ولكن باختصار، الحل لن يكون بترقيع السياسات والنهج القديم وإعادة تسويقهما كحل.  فنحن لا نزال بخير نسبياً، ولكن النهج الحالي قد يقودنا إلى كارثة.  وكما قال رجلٌ وقع مرة من فوق ناطحة سحاب عندما وجد نفسه بمحاذاة الطابق رقم 12: حتى الآن، كل شيء على ما يرام!!      

 

للمشاركة على الفيس بوك، اضغط على هذا الرابط:

http://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=125830727530695&id=100000217333066&notif_t=like 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.