في تداعيات التدخل الأجنبي في الوطن العربي

December 10th 2011 | كتبها

د. إبراهيم علوش

 ورقة قدمت في مجمع النقابات المهنية في مادبا في 10/12/2011

 

لا معنى لتقييم تداعيات التدخل الأجنبي في الوطن العربي اليوم إن لم نبدأ بتحديد طبيعة التناقض الرئيسي الذي يحكم عالمنا المعاصر.  ففهم التناقض الرئيسي هو ما يمكننا من وضع رؤية منهجية وسليمة للوضع السياسي العالمي والإقليمي، وهو ما يمكننا من إيجاد الحلقة المركزية التي نستطيع لو أمسكنا بها أن نمسك بكل السلسلة، وهو ما يمكننا من التفريق بين الشأن الثانوي والعابر والعارض، من جهة، وبين الأساس الذي ينبني عليه كل الصرح…

 

فإذا نظرنا لصورة عالمنا المعاصر من خلال خطوط التماس والاشتباك الإقليمية والدولية، من الصراع بين الناتو من جهة ومنظمة شنغهاي للتعاون، إلى الصراع مع الدول ذات النزعة المستقلة من أمريكا اللاتينية إلى زيمبابوي إلى كوريا الشمالية، إلى احتلال العراق وأفغانستان، إلى التدخل في ليبيا وسوريا، إلى الصراعات داخل الدول ودور الخارج فيها، فإننا نستنتج أن التناقض الرئيسي الذي يحكم عالمنا المعاصر اليوم هو التناقض بين الإمبريالية من جهة، والدول والحركات المستقلة عن الإمبريالية من جهة أخرى

 

هذا التناقض بين الإمبريالية والدول المستقلة، سبق أن فصلناه بصورة أكثر منهجية في عدة مواد منها  “حرب الإمبريالية ضد الدول المستقلة” التي نقتطف منها هذه الفقرات المطولة:

 

– الإمبريالية مصطلح يشيع استخدامه في الأدبيات السياسية، لكنه ليس مجرد رديف لتعبير “الاستعمار” كما توحي بعض الكتابات.  فالاستعمار، بمعنى احتلال أراضي الغير وإخضاع الشعوب ونهب الثروات، أقدم من الإمبريالية بكثير.  أما الإمبريالية فهي أوسع من ذلك، وأحدث منه عهداً، وهي ليست مجرد مشروع تأسيس إمبراطورية عالمية كتلك التي أسسها الرومان مثلاً.   فالإمبريالية منظومة من علاقات الهيمنة الدولية، ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وثقافية، لا مجرد ظاهرة عسكرية.  وقد نشأت الإمبريالية كمنظومة عالمية، وكمنهج ورؤيا لإخضاع كوكب الأرض، من لدن تطور النظام الرأسمالي في أوروبا الغربية أولاً.  فالإمبريالية ليست مجرد استعمار مباشر، بل أنها قد تترك السيطرة العسكرية المباشرة لوكلاء لها في البلدان المفتوحة ما داموا قادرين على إبقاء تلك البلدان ضمن منظومة الهيمنة الإمبريالية، أي كمصدر للمواد الخام، واليد العاملة الرخيصة، وكأسواق، وكميادين لاستثمارات الشركات الرأسمالية العالمية، والأهم بقاءها سياسياً وعسكرياً كجزء مضمون من الحلف ضد أي دول أو قوى تخرج عن تلك المنظومة الإمبريالية.

 

– بعدما نشأت الاحتكارات الكبرى والشركات متعدية الحدود في الدول الرأسمالية المتقدمة، وبات الكوكب بأسره ملعبها، وبعدما بات تصدير رأس المال عبر الحدود، وليس تصدير السلع فحسب، ضرورة حيوية لاستمرار وتوسع النظام الرأسمالي العالمي بأسره، بغض النظر عن هوية الدولة التي تقود عجلة ذلك النظام، اتخذ الاستعمار شكلاً إمبريالياً.   فالحروب والعدوان الخارجي يأتيان هنا لإخضاع الدول المستقلة لمنظومة هيمنة عالمية، وليس لاستعمار عسكري مباشر ودائم بالضرورة.  والشركات الأمريكية لم تحصل على العقود الأخيرة للنفط العراقي مثلاً، لكن العراق ككيان تم تحويله إلى أشلاء دولة يصعب عليها أن تتخذ لنفسها طريقاً مستقلاً عن الإمبريالية.

 

–  سواء وقع استعمار مباشر ودائم أم لم يقع، فإن الإمبريالية نفسها في أخر عقدين من القرن العشرين، ولكن بالأخص بعد انهيار دول المنظومة الاشتراكية في بداية التسعينات، تحولت تدريجياً مع تحول النظام الرأسمالي العالمي، من نظام يقوم على رأسماليات مختلفة في الدول القومية المختلفة، إلى رأسمالية واحدة عابرة للحدود همها تفكيك الدول وإضعافها، وإعادة صياغة العالم من جديد، بناء على شروط هيمنتها الجديدة فيما بات يعرف باسم العولمة.  والعولمة طبعاً هي اندماج الاقتصادات الوطنية والمحلية في شبكة عالمية واحدة، تسيرها في النهاية مصلحة الرأسمالية العالمية كطبقة وكنظام. 

 

– المهم صار العدو الرئيسي لتلك العولمة هو كل قلعة مستعصية، وكل حركة، وكل حالة سياسية، تحاول أن تخط لنفسها طريقاً مستقلاً وأن تنأى بنفسها عن المنظومة الإمبريالية العالمية.  ولنلاحظ هنا أن حرب الإمبريالية، دوماً تحت يافطة “الديموقراطية” و”حقوق الإنسان”، هي ضد مفهوم “الاستقلال”، و”السيادة”، وأي مشروع للتطور المستقل، وليس ضد الأديان أو الحركات العمالية في الدول الإمبريالية نفسها، أو ضد أي مشروع إصلاحي محلي، أو ضد أي شيء من هذا القبيل ما دام لا يقف عائقاً في وجه الاندماج “الديموقراطي” في النظام الرأسمالي العالمي.

 

– قد تأتي النزعة الاستقلالية في قوالب مختلفة، مقصودة أو غير مقصودة، ومن منطلقات عقائدية مختلفة، فقد تتخذ شكلاً إسلامياً في أفغانستان طالبان (التي رفضت أن تمد شركة يونيكول أنبوباً للغاز عبر أراضيها)، أو شكلاً يسارياً في أمريكا اللاتينية مع تشافيز وموراليس وأورتيغا، أو شكلاً قومياً في عراق صدام حسين، أو شكلاً وطنياً استقلالياً مناهضاً للعنصرية البيضاء في زيمبابوي روبرت موغابي، أو شكلاً آسيوياً في كوريا الشمالية، أو شكلاً مقاوماً للترتيبات الإقليمية في غزة حماس أو جنوب لبنان حزب الله، الخ… وليس المهم الشكل هنا، وليس مهماً على الإطلاق كم يتفق المرء أو يختلف مع مجمل رؤى ومواقف وممارسات هذه القوة الاستقلالية أو تلك. 

 

– المهم فقط هو كيف يلخص موقف الإمبريالية العالمية من مجموع تلك الحالات الاستقلالية التناقض الرئيسي في عالمنا المعاصر اليوم بين الإمبريالية من جهة والحركات والدول النائية بنفسها عنها من جهة أخرى، وهذا هو التناقض الأساسي الذي يتبع له كل تناقض أخر.

 

– بالمقابل، لا تواجه الإمبريالية مشكلة في أن تقدم نفسها كقوة مدافعة عن الإسلام والمسلمين لتدمير يوغوسلافيا السابقة، وقبل ذلك في خضم الحرب الباردة في أفغانستان وغيرها، ومن ثم أن تعبئ الرأي العام ضد الحركات الإسلامية المناهضة للهيمنة الإمبريالية تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”، ولا تواجه الإمبريالية مشكلة بالتعاون مع يسار يركز على القضايا المطلبية والمعيشية والإصلاحية أساساً ويهمش التناقض الرئيسي مع الإمبريالية والصهيونية، فالأساس هنا كان ويبقى مصلحة الإمبريالية الراهنة في الزمان والمكان المحددين.   

 

– أما من جهة الشعوب الساعية للتحرر ولخط طريقها الخاص نحو التنمية والتطور المستقل، فإن العداء للإمبريالية يجب أن يبقى المنطلق الرئيسي لرؤيتها للعالم المعاصر.  ولنلاحظ مثلاً أن مفهوم “الاستقلال” لا يعني بالضرورة أن سلوكيات الحركات والقوى المستقلة ستكون دوماً مبدئية وغير مشوبة بأي خلل بالضرورة، ولا يعني أنها لن تدخل أبداً في أية مساومات انتهازية، أو حتى قذرة، مع الإمبريالية في أي مفصل من المفاصل… بل يعني الاستقلال فقط القدرة والإرادة على انتهاج طريق مخالف للتبعية للإمبريالية عندما ترى ذلك مناسباً.   وبمقدار ما تنتشر هذه القابلية الاستقلالية للخروج على التبعية تضعف المنظومة الإمبريالية، وبمقدار ما تنجح الإمبريالية بشل تلك القدرة وتدميرها، بمقدار ما تقوى المنظومة الإمبريالية.

 

– السلطة الفلسطينية مثلاً جهة تابعة للإمبريالية والصهيونية، وكذلك الكثير من الأنظمة العربية التي تسحق حراكاً شعبياً في البحرين، بغض النظر عن أي ملاحظات عن التدخل الإيراني، لتناصر التدخل الإمبريالي العسكري المباشر في ليبيا.  فمن البديهي في مثل تلك الحالة أن تكون معارضة تلك الأنظمة امتداداً طبيعياً لمناهضة الإمبريالية، ومن البديهي أن يكون موقفنا مختلفاً بحدة في حالة معارضة موالاة أمريكا عنه في حالة معارضة معارضي أمريكا، وإلا تاهت البوصلة، ولا تناقض منهجي على الإطلاق هنا إذا انطلقنا من أولوية التناقض مع الإمبريالية والصهيونية.  

 

– لذلك قل ما شئت عن النظام في سوريا مثلاً، فإن حقيقة كونه قادراً ومستعداً على قول “لا” للإمبريالية في لبنان وفلسطين وغيرهما، وفي إبقاء سوريا في منأى نسبي عن المنظومة الإمبريالية بالمعنى المذكور أعلاه، يتطلب بالضرورة أن تثبِت معارضتُه، حتى قبل أن تلجأ للسلاح، أنها أكثر مناهضة للإمبريالية والصهيونية منه قبل أن تستحق أي دعم من الشعب العربي، فما بالك إذا كان بعض تلك المعارضة يرتبط بخيوطٍ شبه مرئية بقوى وجهات لبنانية وخليجية وغيرها لا جدال حول تبعيتها للإمبريالية؟!

 

– ولا معنى لتغيير أو “ثورة” تقود للمزيد من التبعية للإمبريالية أو لحلف الناتو…

 

– الغريب أن اللجوء للسلاح لم يتم إلا في حالة الدول العربية ذات النزعة المستقلة، مع أن قتل المتظاهرين بالمئات بدأ على يد مبارك وبن علي، ولم يؤدي ذلك للجوء للسلاح!  ولا يعني ذلك أبداً أن الدول العربية ذات النزعة المستقلة لا يحق للمواطن فيها أن يطالب بحقوقه أو حتى أن يعارض، أو أن يناهض الفساد والاستبداد، ما دام ذلك لا يرتبط بأجندة خارجية أو مشروع تفكيك، ولكن عندما تحظى أي حركة أو شخصية معارضة في دول ذات نزعة مستقلة بالدعم الإمبريالي المكشوف، فإن ذلك يفترض أن يدفعنا لطرح الكثير من التساؤلات، خاصة عندما يقترن بالدعم الإمبريالي العسكري المباشر، المترافق مع حملة في وسائل الإعلام الإمبريالية والتابعة ل”تغيير النظام”.

 

—————————————————————————–

 

حول شكل التدخل الأجنبي وأدواته وعواقبه:

 

وعلى هذه الأرضية يأتي التدخل الأجنبي في الوطن العربي كجزء من الحرب الإمبريالية ضد الدول المستقلة، ولعل من أبرز تداعيات التدخل الأجنبي في الوطن العربي، على المستوى الكلي: 1) انتهاك السيادة القومية، 2) مصادرة القرار الوطني المستقل، 3) تدمير البلاد، و4) تفكيك المجتمعات.

 

لكن شكل التدخل الأجنبي ليس واحداً في كل الحالات، فثمة تدخل يأتي بصورة عنيفة دموية تدميرية مباشرة، كما في حالة العراق، وثمة تدخل يأتي على شكل هجوم جوي مدمر مدعوم بقوى عميلة على الأرض، كما في حالة ليبيا، وثمة تدخل يأتي على شكل تآمر سياسي واختراقات أمنية، كما في حالة سوريا اليوم. 

ففي الحالة الأولى والثانية نرى الطائرات تقصف، ونرى الدماء والدمار الذي يخلفه التدخل الأجنبي بصورته العسكرية، وفي الحالة الثالثة نرى الدماء، ولكن لا نرى الطائرات والصواريخ والدبابات والمدفعية الثقيلة.

 

ولا يعني ذلك على الإطلاق أن التدخل الأجنبي غير المباشر، بصورته الأمنية والسياسية والإعلامية، هو أقل سوءاً أو خطراً من التدخل بصورته العسكرية الفجة.  فالتدخل العسكري المباشر، كما في حالة العراق، أكثر وضوحاً في دوافعه للملأ، أما التدخل العسكري الخارجي المغلف بما زعموا أنه “انتفاضة شعبية”، كما في حالة ليبيا، فأقل وضوحاً في دوافعه، وأكثر إثارة للانقسام في صفوف الشعب العربي.  أما التدخل السياسي والأمني والإعلامي الخارجي المغلف بما زعموا أنه “انتفاضة شعبية”، كما في حالة سوريا، فهو الأكثر إثارة للانقسام في صفوف الشعب العربي، والأقل وضوحاً في دوافعه وتجلياته، والحصيلة النهائية واحدة في الحالات الثلاثة، وهي استباحة الأمن القومي العربي والسيادة الوطنية، والدمار وتفكيك بنى الدولة والمجتمع، مع فارق مهم جداً هو مدى الإجماع على رفضه ومحاربته، ومدى وضوحه للناس، وبالتالي مدى قدرة الإمبريالية على خلق ستار من الضباب والتضليل يمكن أن تحقق أهدافها من التدخل من ورائه.

 

ويبدو أن الإمبريالية تعلمت درسها جيداً من أفغانستان والعراق، فقد أعطت دوراً أكبر في ليبيا وسوريا:

 

1)     للأدوات الإقليمية مثل الجامعة العربية ودول الجوار، لتوزيع العبء المالي والعسكري والسياسي للتدخل الخارجي ومنحه المزيد من المشروعية، ولجعل الأدوات الإقليمية مدخلاً للتدخل الدولي،

2)     للأدوات المحلية مثل القوى والشخصيات المعارِضة المرتبطة بالخارج، مثل “المجلس الوطني الانتقالي” في ليبيا، و”المجلس الوطني السوري”، لتصوير الأمر كثورة شعبية،

3)     للحرب الإعلامية، وخاصة من خلال قنوات “الجزيرة” و”العربية”، من أجل: أ – تصوير التدخل الأجنبي كحراك شعبي داخلي، ب – خلق رأي عام محلي وعربي مساند للتدخل الخارجي باسم دعم “الانتفاضة” المزعومة، ج – تحريض الناس وتعبئتهم للانخراط المباشر في المشروع، د – ابتكار أكاذيب ونشرها على نطاق واسع لإعطاء الذريعة للتدخل الخارجي، ومنها مثلاً زعم قصف المدنيين بالطائرات في بنغازي وهو ما كشف التلفزيون الروسي بشكل موثق أنه كذب بكذب،

4)     لترتيب الأوراق الدولية، والحصول على غطاء من مجلس الأمن، كما حدث في حالة القرار 1973 الذي شرعن العدوان على ليبيا باسم “حماية المدنيين”، والذي دمر البنية التحتية وقتل آلاف المدنيين،

5)     للحلفاء الأوروبيين، من خلال حلف الناتو، لتوزيع العبء العسكري والمالي والسياسي، خاصة بعد التجربتين الدمويتين للولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وبعد الأزمة المالية الدولية، وإقلاع الولايات المتحدة عن مبدأ العمل الأحادي المنفرد بعيداً عما يسمى “الشرعية الدولية” في فترة رئاسة جورج بوش الأولى.

 

بسبب ذلك، التبس التدخل الخارجي بأشكاله الجديدة على الكثيرين، خاصة في المرحلة الأولى، حتى بدأ يتضح ما يلي:

 

1)    دور الإمبريالية والصهيونية الواضح في مشروع إسقاط النظام في ليبيا وسوريا، من خلال دور الصهيوني هنري برنار ليفي مثلاً، واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة (أنظر ورقة أليوت إبرامز التي تطرح مشروع إسقاط النظام في سوريا)، أو من خلال المواقف المعلنة في وسائل الإعلام، أو من خلال مجلس الأمن الدولي، أو من خلال أقرب حلفاء الإمبريالية والصهيونية في المنطقة (مثلاً موقف قوى 14 آذار في لبنان)،

2)    انكشاف علاقات التنسيق والشراكة الإستراتيجية بين “ثوار” ليبيا وسوريا، من جهة، وبين الإمبريالية والصهيونية من جهة أخرى، ومن ذلك العلاقة مع الصهيوني هنري برنار ليفي مثلاً،

3)    ابتعاد “ثوار” ما يسمى ب”الربيع العربي” عن طرح أي تناقض مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، والتركيز على موضوعة “الإصلاح الدستوري والانتخابي”، دون المساس ببنى التبعية والعلاقات مع العدو الصهيوني، ومن ذلك تصريحات راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإخوانية، في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الصهيوني،

4)    انكشاف حجم الاختراق عبر منظمات التمويل الأجنبي وشبكات “الديموقراطية” و”حقوق الإنسان”، وهو ما وثق له أكثر من كاتب في روسيا والصين، ناهيك عما كتبه بعض الكتاب المصريين،  

5)    انكشاف التحالف الذي عقدته بعض قوى الإسلام السياسي في المنطقة مع الإمبريالية الأمريكية، ومن ذلك ما صرح به جيفري فلتمان، مساعد وزير الخارجية الأمريكية، لصحيفة يديعوت أحرونوت، والتي ترجمت منها صحيفة العرب اليوم مقتطفات في 9/12/2011، قال فيها أن ثمة تفاهماً مع حركة الإخوان المسلمين في مصر، وتنسيقاً وشراكة إستراتيجية مع السلفيين!

 

وقد أتى تبلور الأحداث ليثبت صحة وجهة نظرنا في التدخل الأجنبي في ليبيا وسوريا، وفي الاختراق السياسي لما يسمى “الربيع العربي”.  ولا شك أن ما جرى في ليبيا ساعد بشكل كبير على كشف الأوراق في سوريا، وعلى تحصين موقف الصين وروسيا ضد التدخل الدولي، وعلى انتقال أقسام من الرأي العام العربي من الحياد إلى رفض التدخل الخارجي، أو من تأييد التدخل الخارجي إلى الحياد.   لكن ما لا شك فيه أيضاً أن الولايات المتحدة قد أتقنت لعبة إنتاج الثورات الملونة، كما فعلت في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق، في قرغيزيا وأوكرانيا وجورجيا، وفي يوغوسلافيا السابقة.  وهو ما أدى إلى اختراق مفهوم الثورة نفسه، عندما يصبح التغيير على مقاس الحكومة الأمريكية وحلف الناتو اللذين يصبحان هكذا راعيا “العمل الثوري” الذي يمثل في الحقيقة ثورة مضادة. 

 

وقد سبق أن ناقشنا في أكثر من مادة سابقة الأسباب الموضوعية للحراك، والفرق بين الحراك في الدول العربية ذات النزعة المستقلة وفي الدول الموالية للإمبريالية، وكيف يسهل اختراق وتحويل مسار أي حراك عفوي، ولو كان نبيل الدوافع، إذا افتقد للقيادة والبرنامج الثوري.

 

لذلك صرنا نلاحظ الآن ظواهر ماثلة في الشارع العربي لم تكن تحظى بالمشروعية من قبل، ولم تكن منتشرة لهذه الدرجة، ومنها:

 

1)    انجرار أجزاء من الشارع العربي إلى تأييد التدخل الأجنبي علناً ولاستساغة التعامل مع أعداء الأمة تحت عناوين شتى،

2)    تقمص خطاب “الدولة المدنية” وخطاب “الإصلاح الدستوري والانتخابي” البعيد عن التناقض مع أعداء الأمة من قبل القوى الإسلامية الأساسية مثل الإخوان والسلفيين وغيرهم، ونلفت النظر هنا مثلاً أن محمد سليم العوا، أحد أبرز الشخصيات الإخوانية في مصر، أدان اقتحام السفارة الصهيونية في القاهرة في أيلول المنصرم،

3)    قيام تحالف موضوعي بين الليبراليين والإسلاميين المنخرطين فيما يسمى “الربيع العربي”، على قاعدة تجويف الانتماء الوطني والقومي ومهاجمة كل قلعة ذات موقف مستقل أو عروبي،

4)    نشوء اصطفاف جديد للقوى في الشارع العربي يتمحور حول تأييد الموقف القومي أو معارضته.

 

ويمكن أن نضيف هنا أن كل من اعتبر التناقض الرئيسي هو التناقض بين الدولة والمواطن الفرد، فقد انجر لتأييد التدخل الأجنبي أو التساهل معه على الأقل، وكل من اعتبر أن التناقض الرئيسي هو التناقض مع قوى الهيمنة الخارجية، فقد وقف ضد التدخل الأجنبي.  وعليه يمكن القول أن كل من أيدوا التدخل الأجنبي أصبحوا موضوعياً من الليبراليين، حتى لو قدموا أنفسهم كإسلاميين أو يساريين أو قوميين، ويمكن القول أن كل من ناهضوا التدخل الأجنبي أصبحوا موضوعياً وطنيين وقوميين، حتى لو حملوا قناعات عقائدية لا تمت بصلة للتيار القومي.  فالأداة الحالية للتدخل الخارجي في بلادنا اليوم هي تحالف معادي لكل شيء قومي، وما تسعى إليه دول مجلس التعاون الخليجي اليوم مثلاً هو تصفية الحساب التاريخي مع الإرث القومي لمرحلة الخمسينات والستينات.  حتى العقوبات التي فرضتها الجامعة العربية على سوريا تستهدف خلع سوريا عن عروبتها في عقل المواطن السوري وقلبه، وهو ما يتمم مشروع عزل سوريا لو تحقق.  

 

وسبب مثل هذا الانقضاض على المشروع القومي والوطني المستقل أنه يمثل وحده مشروع استقلال الأمة، مما يضعه في تناقض مباشر مع الإمبريالية في الوقت الذي تحاول فيه أن تعزز سيطرتها على الوطن العربي وثرواته وموارده وموقعه وهي تواجه صعود القوى الدولية المنافسة وهي تتلوى في قبضة أزمة مالية متفاقمة.  فلا يمكن أن تتحقق هيمنة الإمبريالية على بلادنا ما دامت تتحلى بوعي وهوية وموقف وعمل ونزوع قومي، ويمكن أن تتسامح الإمبريالية مع كل ما عدا ذلك، ولذلك تجدها تمد يدها باتجاه الليبراليين، ذوي المرجعية الفردية المناهضة للانتماء القومي والوطني، وباتجاه الإسلاميويين، والإسلام منهم براء، وباتجاه الليبراليين الذين يزعمون أنهم قوميون، مثل عزمي بشارة ومن لف لفه.  بالمقابل، لا يمكن أن يتسامح مع التدخل الخارجي يساريٌ أو إسلاميٌ ذو موقف قومي أو وطني مستقل.  فالقومية موقف في النهاية، لا شعار، ولا يمكن أن يكون قومياً من يتساهل مع التدخل الأجنبي، ولا يمكن أن يكون من يرفض التدخل الأجنبي، بالتعريف، إلا صاحب موقفٍ قومي أو وطني مستقل.  لذلك يشهد السطح السياسي في الوطن العربي اصطفافاً جديداً للقوى: إما مع التدخل الأجنبي، أو مع من يقاومه، وهما معسكران لا ثالث لهما، كما لا منطقة وسطى بين الجنة والنار. 

 

وبالرغم من الصورة القاتمة الآن، فإن صحوةً جديدة في طور التبلور، أنتجها خطر الموت، ومن المتوقع أن ينشأ في سياقها تيار قومي جذري على خلفية الصراع مع التدخل الأجنبي وأشكاله الجديدة وأعوانه.  ولعل من تداعيات التدخل الأجنبي في بلادنا أيضاً بداية خروج التيار القومي من سباته وعودته بصفته الواضحة إلى الميدان، خاصة كلما طال صمود سوريا في هذه المعركة.  وكما أشرنا في ختام مادة “حول الدور الأمريكي في الحراك المعارض في الدول الموالية“:

 

تشهد منطقتنا اصطفافاً جديداً للقوى اليوم، وعلى الجميع أن يجد مكانه فيه، وعلى الإسلاميين واليساريين و”الديموقراطيين” المنخرطين في لعبة “التغيير” أن يحذروا جيداً من مخاطر الانزلاق إلى المعسكر الأخر تحت إغراء جائزة السلطة.  فالديموقراطية والحركات الدستورية التي تكرس التبعية وتعيد إنتاجها هي جزء من معسكر أعداء الأمة، تماماً مثل التدخل الأجنبي وأعوانه، ولا تهم نكهة الخطاب العقائدي لمن يحكم ما دامت التبعية للإمبريالية قائمة.   فالصراع سيأخذ أشكالاً جديدة في ظل تحالفات جديدة، إقليمياً ومحلياً في كل قطر، وها هو يُبرِز قوى جديدة كل يوم، وأدواراً جديدة لقوى قديمة، لكن التناقض الرئيسي الذي ينتج كل ذلك يبقى كما هو: التناقض مع الطرف الأمريكي-الصهيوني ومشاريع الهيمنة بأشكالها.

 

 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

طلقة تنوير 37

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 حزيران 2017   الأفق العربي في قرن آسيوي/ إبراهيم حرشاوي   أساطير "المحرقة" اليهودية والموقف منها/ إبراهيم علوش   قراءة في كتاب "العقل [...]

طلقة تنوير 36

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 أيار 2017   كلمة العدد: الاستراتيجية الإمبريالية الجديدة تتطلب نهجاً قومياً جديداً/ عبد الناصر بدروشي   المثقف بين العلاقات العامة [...]

طلقة تنوير 35

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 نيسان 2017   نقد الردة عن المشروع القومي العربي: مراجعة، استنتاجات وإضافات/ محمد العملة   في معيار مصلحة الأمة/ بشار شخاترة   شخصية [...]

طلقة تنور 34

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 آذار 2017   هل ما تزال الوحدة العربية حلّاً صالحاً؟/ صالح بدروشي   صعود اليمين الشعبوي في الغرب: حركة تصحيح ضمن النسق الإمبريالي؟/ إبراهيم [...]

طلقة تنوير 33 – عدد 1 شباط 2017

طلقة تنوير 33   المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 شباط 2017   ما هو الشرط التاريخي الأهم لإعادة إحياء التيار القومي؟/ إبراهيم علوش   العصر الجينومي والتلاعب بالهويات/ فؤاد [...]
2017 الصوت العربي الحر.