بيان ضد الديموقراطية

December 19th 2011 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

العرب اليوم

19/12/2011

… ليس معارضة لعنوان كراس قديم لبرهان غليون بعنوان “بيان من أجل الديموقراطية” من الثمانينات، إنما للدلالة على تبني قوى وشخصيات عدة، قومية ويسارية وإسلامية، للفكر الليبرالي المتغرب، ذي المرجعية الفردية، تحت يافطة “الديموقراطية” الواسعة والفضفاضة.  وهو فكر بات من الملاحظ أن أنصاره يميلون دوماً لنبذ المرجعيات الجمعية (مثل الشعب أو الأمة أو الطبقة) ونقضِها وتسخيفِها.  وإذا كان سيقوم تحالفٌ عريض في بلادنا اليوم على أساس قاسم مشترك أيديولوجي ما، فإنه لا يمكن أن يكون إلا مناهضة الليبرالية التي باتت تنتشر كالسرطان عبر التيارات الكبرى الأساسية في العقل العربي، الإسلامية والقومية واليسارية.

… مرة أخرى ليس تيمناً بكراس “ضد الليبرالية”، أحد أعمال الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ، لكن لأن كثيراً مما يمرر اليوم في الخطاب السياسي العربي هو في واقع الأمر فكر ليبرالي صرف.  ومن يدعون للديموقراطية اليوم، لا يدعون لحكم الشعب، بمعنى حكم الأغلبية، ولا تهمهم التظاهرات المليونية مثلاً ضد أو مع موقف ما بشيء، ما دامت لا تخدم مشروع افتعال ثورة ملونة في إحدى الدول ذات النزعة المستقلة، بل يدعون لنظام ديموقراطي ليبرالي بالتحديد.   ومن يروم المقبولية في المحافل الغربية، عليه أن يقبل بأسس النظام الديموقراطي الليبرالي بالذات وبقواعده، وهو ما يعني التشديد على الالتزام بالمعاهدات الدولية، والسماح بحرية حركة الشركات المتعدية الحدود في التجارة والاستثمار، وحرية اختراق المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً ووسائل الإعلام الغربية، والشفافية وتداول السلطة الخ… أي حرية رأس المال المالي الدولي بإعادة تشكيل التبعية ضمن قواعد اللعبة “الديموقراطية”.  

ومن يفهم الديموقراطية بمعناها الاجتماعي الواسع، باعتبارها نفي احتكار الثروة والسلطة بين الأمم وضمن المجتمع الواحد، أي بمعنى التحرر الوطني ونفي استغلال الإنسان للإنسان، لا يمكن أن يكون بصدد نفس الديموقراطية بمعناها الفردي، التي تستمد سرديتها من الفكر الليبرالي كحرية فردية وحقوق أقليات وبيئة وشذوذ وانفتاح غير مشروط على الخارج تحت وطأة العقوبات والتدخل الدولي.

وهذا الفرق في تعريف حكم الشعب، أو حكم أكثريته على الأقل، يخلق إشكالات كبرى حتى مع هوغو تشافيز في فنزويلا، الذي يجد نفسه في حالة صدام يومية مع الديموقراطية الليبرالية، وبالتالي قال شافيز أن الديموقراطية تعني “ديكتاتورية الأغلبية”، ليضفي عليها معنى التحرر الوطني والاجتماعي. 

نحن إذن أمام مفهومين متناقضين جذرياً للديمقوقراطية، ديموقراطية شعبية وديموقراطية ليبرالية، أما القوى التي لا تمانع التحالف مع الناتو، ولا تطرح إشكالية التحرر الاجتماعي في الداخل، فلا يصعب عليها أن تتحول بقدرة قادر من الدعوة للاقتداء بالسلف الصالح إلى الدعوة للدولة المدنية، وهو ما يشكل مركب خلاص أيديولوجي لها بعد عقودٍ من اعتبار “الديموقراطية” نوعٌ من الكفر!

والغرب عندما يدعو للديموقراطية يصر على كلمة انتخابات.  وبدون تلك “الانتخابات” لا تستقيم الديموقراطية عنده.  وللانتخابات قوانين حركة تختلف عن الحراك الثوري أو الشعبي في الشارع مثلاً.  فالانتخابات في الدول الرأسمالية ملعب: 1) راس المال السياسي، 2) وسائل الإعلام الخاصة، 3) المرجعيات التقليدية، لا الثورية، للمجتمع، حيث تزيد الأهمية النسبية للخدمات على المستوى المحلي.   والمرجعيات التقليدية أقدر على تقديم الخدمات من أي ثوري أو صاحب مشروع تغيير هو بالتعريف نقيض الأمر الواقع، لا جزءٌ منه.

وقصة الانتخابات بالتحديد، وتداول السلطة والتعددية وما شابه، مجرد ستار لحكم رأس المال كما نرى في الدول الغربية نفسها، وليس فقط في دول “الربيع العربي”، حيث تصل تكاليف الحملات الانتخابية إلى ملايين الملايين.  أما أي حراك جماهيري حقيقي مناهض لرأس المال لا يعني لأولئك الديموقراطيين المزعومين شيئاً بذريعة أنه لم يتم عبر النظام الليبرالي وآلياته التي يسيطرون عليها جيداً، ابتداءً من وسائل الإعلام وصولاً للمال السياسي الذي يستطيع أن يشتري الأصوات وأن ينظم الحملات.  

إذن “الديموقراطية” في هذا السياق تعني السماح للبترودولار أن ينشئ في سوريا مثلاً عشر قنوات فضائية ليعيث فيها فساداً، والسماح للمنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً أن تمارس الاختراق الاجتماعي والثقافي كما ترغب، والسماح بتكرار السيناريو العراقي بعد الاحتلال إذ أصبحت “التعددية الحزبية” مجرد مرآة للتعددية الطائفية والعرقية، وعندها يكون المال السياسي هو زيت تلك الآلات السياسية التي لا تعمل بدونه ويعترف الغرب بالديموقراطية…

تذكير: الديموقراطية في الغرب نشأت في الدول المركزية القومية المستقرة، وبعد تكرس مفهوم المواطنة، فوق الطوائف والأقاليم، وبعد الثورة الصناعية وعصري النهضة والتنوير.  أما الانتخابات والتعددية التي تكرس الانقسامات الطائفية والعرقية والعشائرية والمناطقية فهي وصفة للدمار، ولتفكيك الدول والمجتمعات. 

المشروع الديموقراطي الحقيقي بالتالي هو المشروع الوطني والقومي، مشروع التنمية المستقلة، ومشروع التحرر عن الإمبريالية، لأنه يحقق الشروط الموضوعية للمجتمع الديموقراطي، أما “الديموقراطية” في ظل الانقسام فتمهد للحروب الأهلية والدمار.

أخيراً، الديموقراطية لا تقوم في ظل الاحتلال أو الإرهاب.  فالاحتلال لا ينتج ديموقراطية، وخيارات الناخبين لا تكون حرة حقاً في ظل الإرهاب.  ونعطي هنا مثال عصابات الكونترا التي أطلقتها حكومة الولايات المتحدة في نيكارغوا في الثمانينات لتحرق الحقول وتقتل المعلمين في المدارس التي أسسها الساندينيون المناهضون للإمبريالية في القرى، ولتمارس إعمال إرهاب وحشية أدت إلى تشريد نصف مليون نيكارغوي خارج بلادهم من أصل ثلاثة ملايين ونصف وقتها.  وكانت حكومة الولايات المتحدة تطالب أبان ذلك بانتخابات “حرة وديموقراطية” في نيكارغوا، حتى فهم الشعب أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقف القتل والإرهاب اليومي والعقوبات الاقتصادية هو عودة أتباع الولايات المتحدة للحكم.  وهكذا كان بعد الانتخابات “الحرة والديموقراطية” التي جرت في شباط عام 1990، حين خسر الساندينيون السلطة وربح أنصار الولايات المتحدة واستقر الأمر لهم حتى انشغلت الولايات المتحدة بالعراق وأفغانستان واستعاد تشافيز الحيوية للحراك التحرري في أمريكا اللاتينية! 

ويمكن أن نقول أن تجربة مماثلة تمت في الضفة الغربية المنهوكة بالحواجز والعقوبات الجماعية بعد الانتفاضة الثانية لتسليم رئاسة السلطة، من خلال “انتخابات حرة وديموقراطية” أيضاً، لمن أعلنوا أنهم ضد “عسكرة الانتفاضة” فيما كان يقوم برنامجهم على إنهائها كلها… وكانت النتيجة كما كانت في نيكارغوا، والعبرة واضحة تمامأً في سوريا.

 

الموضوعات المرتبطة

خطوة ريما خلف مشاكَسة رسمية عربية من تحت السقف

لا يمكن فهم ما قامت به ريما خلف من كشف لـ"العنصرية الصهيونية" في "المحافل الدولية"، بمعزل عن توجهات النظام الأردني، خصوصاً بعدما خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية ووزير الإعلام محمد [...]

في الفرق ما بين الإرهابي التكفيري والمقاوِم الوطني:

من المؤسف أن نضطر لتبيان الفروق بين الإرهابي التكفيري والمقاوِم الوطني، لكن صور التفجيرات العشوائية وقطع الرؤوس والتفنن في أساليب القتل واستباحة ال والأوطان، والخطاب الطائفي المسعور، [...]

مشروع لربط الكيان الصهيوني بسكك حديدية مع الدول الخليجية عبر الأردن

  في شهر تشرين أول 2016 أعلن الكيان الصهيوني عن تدشين خط سكة حديد بيسان-حيفا بتكلفة مليار دولار، الذي كان جزءاً من سكة حديد الحجاز قبل 112 عامأً، وقال بوعز تسفرير، المدير العام لشركة قطارات [...]

قراءة في قرار ترامب بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الولايات المتحدة

زعم إدارة ترامب أنها حظرت مواطني سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان وإيران من دخول الولايات المتحدة لمنع الإرهاب  يصعب أن يصدقه أي متابع عاقل بالنظر إلى أن: معظم تلك الدول (ما [...]

هراء تسووي وتطبيعي في مسودة الدستور الروسي الجديد

بالإضافة إلى نزع عروبة سورية، وتكريس نظام تمثيلي يقوم على المحاصصة الطائفية والمناطقية، يبدو أن مسودة الدستور الروسي الجديد مخترقة صهيونياً.  لاحظوا المادة الثامنة من ذلك الدستور كما [...]
2017 الصوت العربي الحر.