التطبيع الاقتصادي مع العدو الصهيوني إستراتيجياً

December 21st 2011 | كتبها

د. إبراهيم علوش

العرب اليوم 21/12/2011

أما وقد تحول الرسميون العرب من مقاطعة “إسرائيل” إلى سابقة مقاطعة عضو مؤسس في الجامعة العربية هو سوريا، وأما وقد تصاعدت المخاطر والتهديدات الصهيونية للأردن، وثبتت قوى “الربيع العربي” التزامها بالمعاهدات الدولية، ومنها كامب ديفيد مثلاً، فلا باس من إعادة التذكير بالمخاطر الإستراتيجية للتطبيع الاقتصادي مع العدو الصهيوني.

فقد سبق أن حققت معاهدة أوسلو ووادي عربة المحمولة بمناخات “عملية السلام” خمس فوائد مباشرة على المستوى الاقتصادي حسب دراسة نشرت بالعبرية لمجموعة من الخبراء “الإسرائيليين” عام 1996 بعنوان “إسرائيل 2020″، ونقتبس منها بتصرف: 

1)    تخفيف العبء الأمني والعسكري على الاقتصاد الصهيوني، مما يتيح إعادة توجيه الموارد نحو رفع مستوى المعيشة، ويمكن أن نضيف، نحو التوسع الاستيطاني/الاستعماري،

2)    زيادة الصادرات “الإسرائيلية” إلى دول كانت مغلقة سابقاً، ومنها عشرات الدول التي لم تكن تقيم العلاقات مع العدو الصهيوني قبل المعاهدات، وازدياد السياحة إلى الكيان الصهيوني.

3)    انخفاض كلفة الاقتراض من المؤسسات الاقتصادية والبنوك الدولية، مع انخفاض مستوى المخاطرة المترافق مع انخفاض خطر الحرب الشاملة مع الدول العربية،

4)    تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ومجيء عشرات الشركات متعدية الحدود حاملة معها مليارات الدولارات والكثير من التكنولوجيا المتقدمة لتحويل الاقتصاد الصهيوني إلى اقتصاد شديد التقدم تكنولوجيا في التسعينات،

5)    ازدياد تصدير السلع والخدمات إلى الدول العربية، بعد أن كان ذلك يتم مداورةً، والحصول على مصادر طاقة مأمونة ورخيصة مثل الغاز المصري الذي يستخدمه الكيان الصهيوني في توليد الكهرباء.   

ويمكن أن نضيف انهيار المقاطعة من الدرجة الثانية والثالثة ضد الشركات المتعاملة مع العدو الصهيوني، تمهيداً لانهيار المقاطعة العربية ضد العدو الصهيوني نفسه، ولم تتعطل الفوائد الصهيونية أعلاه جزئياً إلا بفضل المقاومة العربية، سواء جاءت على شكل انتفاضة ثانية في فلسطين، أو مقاومة في جنوب لبنان في التسعينات وعام 2006، أو مقاومة في غزة عام 2009، أو على شكل مقاومة شعبية عربية للتطبيع مع العدو الصهيوني، يبقى الرهان عليها في النهاية بالرغم من محاولة البعض إعادة توجيه البوصلة بعيداً عن العدو الصهيوني باتجاه أجندات أخرى.

أما على المدى البعيد، ونقول ذلك لأن “مبادرة السلام العربية” لعام 2002 لا تزال مطروحة على الطاولة، فإن العلاقة الاقتصادية التي يمكن أن تقوم بين الكيان الصهيوني والدول العربية في حالة التطبيع الشامل هي بالضرورة العلاقة التي يمكن أن تقوم بين اقتصاد تكنولوجي متقدم وبين اقتصاد متخلف مثخن بالعلل البنيوية، سواء كان نفطياً أم لا.  أما الاقتصاد الصهيوني، فتكمن مشكلته الأساسية في عدم قدرته على التغلغل بحرية في محيطه، وهي المشكلة التي يراد للتطبيع الشامل أن يحلها.  إذن، العلاقة الناتجة عن الانفتاح الكامل هي علاقة المركز المسيطر بالمحيط التابع، وهي علاقة لا يمكن أن تؤدي إلى تطور المحيط، بل إلى إعادة إنتاج تخلفه.  والزاوية التي يجب أن نحلل بها العلاقة الاقتصادية بين الدول العربية والكيان الصهيوني في حالة قيام التطبيع الشامل هي زاوية نظرية التبعية في الاقتصاد السياسي.

 

فإذا انهارت قلاع المقاومة والممانعة وتمت “التسوية السياسية”، خاصة وقد أكد الإسلاميون الذين أصعدهم “الربيع العربي” إلى دفة الحكم أنهم لن يقطعوا العلاقة مع “إسرائيل”، وبات البعض يصور الاستمرار بالحديث عن الصراع مع العدو الصهيوني “وقوفاً مع الديكتاتورية”، فإن التطبيع الاقتصادي سيعني:

 

1)    أن الكيان الصهيوني سيتخصص في إنتاج السلع التكنولوجية والمتقدمة فيما يتحول الوطن العربي إلى سوق لتلك السلع، وإلى تصدير المواد الخام والنفط والسلع كثيفة العمل (كالمنسوجات مثلاً)، لأن اليد العاملة أرخص في الوطن العربي طبعاً.  أما اتساع حجم سوق صادرات الكيان الصهيوني فسيمكنه من تحقيق اقتصاديات الحجم، أي سيمكنه من تخفيض متوسط الكلفة للوحدة الواحدة في الصناعات التي تتمتع بهذه الصفة، مثل الصناعات الثقيلة أو الصناعات المحتاجة إلى استثمارات ضخمة في مجال البحث والتطوير،

2)    أن احتياطياً ضخماً من اليد العاملة العربية سوف يصبح متوفراً للمستثمرين “الإسرائيليين”، مما يتيح إقامة مستعمرات اقتصادية على غرار نموذج المناطق الصناعية المؤهلة في الأردن ومصر (لم نسمع عن وجود قوى “ربيعية” في مصر تسعى لإغلاقها)، سوى أن المناطق الصناعية المؤهلة صممت للتصدير للولايات المتحدة بلا رسوم جمركية، أما في المستقبل، فقد يصبح نموذج تلك المناطق مهيأً لغزو كل العالم بالصادرات “الإسرائيلية”، لا الولايات المتحدة فحسب، وهو الهدف الأمريكي من إنشاء المناطق الصناعية المؤهلة بالأساس، 

3)    أن احتياطيات ضخمة من رؤوس الأموال العربية المودعة في الغرب في صناديق استثمارية (كثيراً ما يديرها يهود أصلاً) سوف يتم تشغيلها وإداراتها بما يتلاءم مع مشروع الإمبراطورية “الإسرائيلية” في الإقليم.  أما إذا نشأت شبكة من المستعمرات الاقتصادية اليهودية في الوطن العربي على غرار المناطق الصناعية المؤهلة، فإن رأس المال العربي سيتم استغلاله دون أدنى شك مثل العامل العربي، خاصة من خلال الاقتراض من البنوك المحلية مثلاً، أو من خلال الشراكة مع رأسماليين محليين…

 

باختصار، التطبيع الشامل مع العدو الصهيوني يعني من الناحية العملية قطف الكيان الصهيوني للثمار الاقتصادية للوحدة العربية، على جثة الوحدة العربية في الجنات الديموقراطية للطوائف والأقاليم والأقليات المتناحرة، ولا يغير مما سبق أن ثمة مشروع تركي يسعى للحلول محل المشروع الصهيوني في لعب دور الهيمنة الاقتصادية، فالنتيجة واحدة، والعرب هم الخاسرون، في الحالتين.

 

 

الموضوعات المرتبطة

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]

بعد التعديلات الدستورية في تركيا…

هل سينزل أردوغان عن حصانه الخشبي العثماني إلى أرض الواقع ومعادلاته؟! تشرين السورية 19/4/2017 د. إبراهيم علوش تقدَمَ مؤيدو تحويل النظام السياسي في تركيا إلى رئاسي، على المعارضين، بنسبة 51،3 [...]

بالشام أهلي وبالفسطاط إخواني

  د. إبراهيم علوش معذرةً من أبي تمام، لكن قصيدته (ما اليوم أولَ توديعٍ ولا الثاني) تعبر، قبل ألفيةٍ وربع الألفية تقريباً، عن وحدة الحال في وطننا العربي الكبير اليوم حين قال: (بالشام أهلى [...]

حركة تسلل أمريكية في شرق سورية

تزايد زخم الاندفاعة الميدانية للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية، عبر البوابة الكردية المشرعة، باتجاه الرقة، أوضح أخيراً بعض معالم الاستراتيجية الأمريكية في سورية.  وقد بات من [...]

ضوء في نهاية النفق السوري؟

لعل أهم مخرجات القمة العربية، على تواضعها، هو تبريد الموقف الخليجي من سورية، لتصبح الأولوية الحل السياسي بين جميع الفرقاء، مما يتضمن اقراراً رسمياً ببضرورة التعامل مع الدولة العربية السورية [...]
2017 الصوت العربي الحر.