قبول روسيا في منظمة التجارة العالمية

December 22nd 2011 | كتبها

د. إبراهيم علوش

 

العرب اليوم 22/12/2011

 

أخيراً تم قبول روسيا في منظمة التجارة العالمية في 16/12/2011 بعد ثمانية عشر عاماً من المفاوضات الشاقة، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف متوسط الوقت المعتاد لقبول دولة ما في إطار تلك المؤسسة الاقتصادية الدولية.  وقد بقي الاقتصاد الروسي، حتى ذلك التاريخ، أكبر اقتصاد عالمي خارج منظمة التجارة العالمية، حتى قُبلت روسيا في اجتماع المنظمة المنعقد على المستوى الوزاري في جنيف…  فأصبحت بذلك العضو رقم 154 في المنظمة، وكان تذليل الصعاب أمام دخولها قد اقتضى توقيع اتفاقيات ثنائية بين روسيا و57 عضواً من المنظمة حول السلع والجمارك، وثلاثين اتفاقية حول الخدمات…  وكانت روسيا تشاهد قبول دول مثل قيرغيزيا ومولدوفا وجورجيا حولها بيسر وسهولة مما خلق مفارقة لا شك أن بعض دوافعها كانت سياسية وجغرافية-سياسية.

 

المهم أنه أصبح 97 بالمئة من التجارة العالمية اليوم يجري بين أعضاء منظمة التجارة العالمية، فبقاء روسيا خارجها بات عقاباً أكثر منه حماية لصناعاتها، كما يشعر صناع القرار الاقتصادي في روسيا.  وروسيا ليست دولة صغيرة أو تابعة أو فاقدة للإرادة السياسية، واقتصادها ليس اقتصاد دولة عالم ثالث، بل يتمتع بقدر معقول من القاعدة التصنيعية والتكنولوجية، بالرغم من وجود قطاعات متخلفة فيه ومشاكل كبرى في إطاره المؤسسي والقانوني.  وعليه يتوقع المحللون الاقتصاديون (الروس وغير الروس) أن يضيف الانضمام لمنظمة التجارة العالمية 10-11 بالمئة من النمو الاقتصادي لروسيا على مدى السنوات الخمس القادمة.

 

لكن منظمة التجارة العالمية هي ملعب رأس المال المالي الدولي، وبالتالي فإن الانضمام إليها، حتى بالنسبة لدولة مستقلة النزعة كروسيا بوتين، ذات اقتصاد كبير ونامٍ، وتحالفات دولية وإقليمية كبرى، ليس بلا مخاطر أو تحديات، وعليه فقد تعاملت وسائل الإعلام الأمريكية الرصينة مع انضمام روسيا كنصر للتجارة الحرة يشهد عليه اضطرار روسيا لتعديل قوانينها الداخلية وإجراءاتها بما يتلاءم مع قوانين منظمة التجارة العالمية.  وقبل قبول روسيا رسمياً بأكثر من شهر، كتبت صحيفة الوول ستريت جورنال الأمريكية في 10/11/2011 أن المستفيد الأكبر من قبول روسيا في المنظمة الدولية سيكون الشركات العالمية الكبرى، خاصة الأوروبية منها، ثم الأمريكية.

 

وتضيف النيويورك تايمز في 16/12/2011 بلهجة اليانكي المتعالية أن 460 بلدة روسية تعتمد على صناعة واحدة أو مصانع متأخرة تكنولوجياً سوف تعاني إذا انفتح الاقتصاد الروسي على المنافسة الخارجية، وهو ما سيقوض، حسب رأيها، العقد الاجتماعي بين الجمهور الروسي والحكومة الذي قبل الطرف الأول بموجبه أن يتنازل عن بعض حريته السياسية للطرف الثاني مقابل النمو الاقتصادي والاستقرار، حسب تعبير النيويورك تايمز!

 

ويجمع المحللون، من داخل روسيا وخارجها، أن قطاعات صناعة السيارات (اللادا والفولغا) والطائرات والآلات والصناعة الخفيفة والزراعة الروسية سوف تعاني بشدة من جراء الانفتاح على المنافسة الخارجية، وهي العملية التي لن تجري فجأة، ولكن على مدى سنوات (من 3 إلى 7)، حسب الاتفاق بين روسيا ومنظمة التجارة العالمية، مما قد يعطي بعضها فرصة للتأقلم مع شروط المنافسة لتصبح أفضل، أو لتنقرض.

 

أما الصناعات التحويلية النفطية والمعدنية، وصناعة الحديد والصلب، فسوف تستفيد كثيراً من الانفتاح على الأسواق الخارجية.  على سبيل المثال، تعاني الصناعات المذكورة من تعامل تمييزي في الأسواق الأمريكية والهندية وغيرها تخسِّرها حوالي ملياري دولار سنوياً، وهو ما سيزول تماماً بمجرد انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية.  كذلك تزدهر صناعة البرمجيات في روسيا، ولذلك ستستفيد من البند المتعلق بحقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة في قوانين منظمة التجارة العالمية.

 

لكن القصة ليست قصة حساب ربح وخسارة بين القطاعات الصناعية المختلفة للاقتصاد الروسي، بين صناعة الآلات والصناعة الخفيفة من جهة، وصناعة الحديد والصلب من جهة أخرى مثلاً، بل هي قضية اختراق، وربط للاقتصاد الروسي بعجلة الاقتصاد العالمي إن لم تتم إدارة العلاقات الاقتصادية الدولية بشكل دقيق، لأن قوانين منظمة التجارة العالمية تعني إعطاء معاملة تفضيلية للشركات الأجنبية وعدم إعاقة حريتها في التجارة والاستثمار.   لذا تتطلع الشركات الأجنبية بلهفة لقطاع الخدمات الروسية، خاصة في مجال التأمين والاتصالات والمصارف وغيرها.  ومع أن الملكية العامة للشركات الأجنبية في أي من تلك القطاعات لن تتجاوز عتبة الخمسين بالمئة، فإن الشركات الأجنبية سيسمح أن تتملك البنوك بنسبة مئة بالمئة في روسيا لأول مرة، وكذلك، في حالة حدوث نزاع مع شركة أجنبية في روسيا، فإن التحكيم سيجري من قبل طرف ثالث دولي غير روسي، مما يعني تجاوز المرجعية السيادية للدولة الروسية.

 

ولا يزال على الدوما أو مجلس النواب الروسي أن يقر الانضمام لمنظمة التجارة العالمية خلال فترة لا تتجاوز 220 يوماً تصبح عضوية روسيا بعدها في منظمة التجارة العالمية سارية المفعول خلال شهر.  وقد أعلن حزبان روسيان حققا مكاسب مهيبة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في 4/12/2011 أنها سيصوتان ضد انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، وهذان الحزبان هما الحزب الشيوعي (92 نائباً) وحزب روسيا العادلة، ذي النزعة الاشتراكية-الديموقراطية (64 نائباً)، ولكن أصوات حزب بوتين، حزب روسيا الموحدة (238 نائباً) والحزب الليبرالي، وهو حزب قومي شوفيني متطرف (56 نائباً) أعلن أنه سيصوت مع الاتفاقية أيضاً، ستكون أكثر من كافية لتمرير الانضمام لمنظمة التجارة العالمية في الدوما الذي يتألف من 450 نائباً.  وهذا فقط للتذكير بأن بوتين وحزبه ليسا لينين والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي سابقاً، بالرغم من نزعته القومية المستقلة.   

 

وقد ترافق الإعلان عن قبول روسيا في منظمة التجارة العالمية في جنيف مع الإعلان عن مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن بصدد سوريا، مما أثار بعض التساؤلات في أوساط عربية حول مدى وجود رابط بين الأمرين.  لكن موقع هيئة الإذاعة البريطانية على الإنترنت أشار في تقرير له في 16/12/2011 أن مشكلة المناطق المستقلة عن جورجيا في حرب 2008، وهي أوستيا الجنوبية وأبخازيا، وطبيعة العلاقة الاقتصادية معها، كانت العائق النهائي أمام قبول روسيا في منظمة التجارة العالمية، وقد جاء قبول روسيا بمراقبة التجارة مع هاتين المنطقتين من قبل شركة سويسرية كسبب مباشر لتذليل أخر عقبة لقبول روسيا في المنظمة.  وقد أتى ذلك في وقته لإعطاء بوتين ومدفيديف مشروعية دولية ذات شأن بعد الاتهامات بانتهاكات تتعلق بالانتخابات الروسية…  لكن تلك الصفقة أبرمت قبل شهر من الانتخابات الروسية، وكان بإمكان الدول الغربية أن تخلق المزيد من العقبات لقبول روسيا في الاجتماع الوزاري للمنظمة الدولية في جنيف في 16/12/2011، لكن ذلك لم يحدث، فلماذا؟!

 

عموماً لا يمكن تصوير انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية كنوع من الانهيار أمام الرأسمالية المتوحشة على الصعيد الاقتصادي على الأقل.  فروسيا ماضية بتأسيس اتحاد جمركي مع كازاخستان وروسيا البيضاء منذ بداية عام 2010، كما أنها ماضية بتأسيس سوق اقتصادية مشتركة أورو-آسيوية بالتعاون مع الصين وبعض دول آسيا الوسطى، وهو ما لا يتعارض مع الانضمام لمنظمة التجارة العالمية.  

 

وقد ظهرت مجموعة مقالات مهمة في القسم الإنكليزي من موقع وكالة أنباء شينخوا الرسمية الصينية منذ يوم 16/12/2011 تصفق بحماس شديد لانضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، وتعتبره نصراً للصين، وبأنه سوف يساعد على تقوية دول البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا) ضمن منظمة التجارة العالمية في مواجهة القوانين الظالمة والتمييزية التي سبق أن اضطروا لقبولها، وتشير إلى أن روسيا سوف تستفيد من الخبرة الصينية الطويلة (عشر سنوات) في التعامل مع إملاءات المنظمة. 

 

والعبرة هنا أن دخول روسيا لمنظمة التجارة العالمية لا يأتي من موقع الإذعان والاستسلام، بل كتكتيك لاختراق المنظمة وقلب ميزان القوى من داخلها في سياق مشروع البريكس لخلق عالم متعدد الأقطاب.  وهي مراهنة غير مضمونة في النهاية، ولم تكن نتائجها بالنسبة للصين دوماً جيدة، لكنها المراهنة الوحيدة التي تقف خلفها قوى عظمى في الميدان اليوم لإنهاء عصر القطب الواحد وتحكم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان بالحلبة الاقتصادية الدولية.

 

 

 

  

الموضوعات المرتبطة

طلقة تنور 34

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 آذار 2017   هل ما تزال الوحدة العربية حلّاً صالحاً؟/ صالح بدروشي   صعود اليمين الشعبوي في الغرب: حركة تصحيح ضمن النسق الإمبريالي؟/ إبراهيم [...]

طلقة تنوير 33 – عدد 1 شباط 2017

طلقة تنوير 33   المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 شباط 2017   ما هو الشرط التاريخي الأهم لإعادة إحياء التيار القومي؟/ إبراهيم علوش   العصر الجينومي والتلاعب بالهويات/ فؤاد [...]

طلقة تنوير 32: حروب الجيل الرابع

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 كانون ثاني 2017   كلمة العدد: حروب ما بعد الحداثة/ بشار شخاترة الحرب بالوكالة/ محمد العملة حروب جيل رابع، أم ثورات مضادة معاصرة؟/ إبراهيم [...]

طلقة تنوير 31: التكفير

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 كانون أول 2016   كلمة العدد: التكفير كأداة سياسية/ بشار شخاترة مؤتمر غروزني/ علي بابل السلفية الوهابية التقليدية: قراءة في الشكل [...]

طلقة تنوير30: موقفنا من “الشرعية الدولية” والقانون الدولي

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 تشرين ثاني 2016   كلمة العدد: القانون الدولي بين قوة القانون وقانون القوة/ بشار شخاترة عشرة قرارات "أمميّة" عن الصّراع العربيّ-الصّهيونيّ/ [...]
2017 الصوت العربي الحر.