أمريكا اللاتينية: هل تستخدم الولايات المتحدة السرطان ضد أعدائها؟

January 1st 2012 | كتبها

د. إبراهيم علوش

 

العرب اليوم 1/1/2012

 

ظننت، للوهلة الأولى، أن تكهنات هوغو تشافيز بالاتجاه الذي يطرحه السؤال في عنوان المقالة أعلاه، هو من قبيل نظرية المؤامرة أيضاً، لكن تعالوا نعاين القائمة معاً:

 

– الرئيس الفنزويلي، هيوغو تشافيز، 57 عاماً، يشخص بسرطان في القولون يتم الإعلان عنه في نهاية ربيع عام 2011،

– الرئيس البرازيلي السابق، لولا دي سيلفا، 66 عاماً، يشخص بسرطان في الحلق يتم الإعلان عنه في تشرين أول المنصرم،

– الرئيسة البرازيلية الحالية، ديلما روسيف، 63 عاماً، وهي نائبة دي سيلفا السابقة، كانت قد أصيبت بالسرطان اللمفاوي عام 2009، يقال أنها شفيت منه الآن،

– رئيس البراغواي الحالي، فرناندو لويغو، 60 عاماً، يشخص بالسرطان اللمفاوي يتم الإعلان عنه في آب 2010،

– وأخيراً، رئيسة الأرجنين، كريستينا كيرشنر، 58 عاماً، تشخص بسرطان في الغدة الدرقية تم الإعلان عنه في 27/12/2011…

 

والحبل على الجرار، كما يقال. 

 

فما هو القاسم المشترك بين كل المذكورة أسماؤهم أعلاه؟  1) أنهم رؤساء لدول أمريكية لاتينية، 2) يميلون لليسار، و3) يناهضون الولايات المتحدة وسياساتها، في أمريكا اللاتينية وخارجها، بدرجات متفاوتة من الجذرية…  (يعني ليسوا مثل اليسار الليبرالي عندنا الذي يستدعي التدخل الخارجي ويركز على حقوق الأفراد بدلاً من حقوق الأوطان والأغلبيات).

 

المهم، كانت وكالة الصحافة الفرنسية قد تناقلت نبأ طريفاً في 6/11/2011 يعلن فيه تشافيز عن قمة لرؤساء أمريكا اللاتينية المصابين بالسرطان في بداية عام 2012.  وفي نفس الخبر، وبشكل منفصل، جاء تحذير على لسان تشافيز لحلفائه في أمريكا اللاتينية بأن الولايات المتحدة عادت لتبني سياسة الاغتيالات، داعياً دانييل أورتيغا، رئيس نيكارغوا، وإيفو موراليس، رئيس بوليفيا، لكي يتنبها.

 

وبعد الإعلان عن إصابة كريستينا كيرشنز بالسرطان قبل أيام، بات الربط بين سياسة الاغتيالات والسرطان علنياً عند تشافيز الذي قال في خطاب في قاعدة عسكرية أذاعه التلفزيون الفنزويلي يوم 28/12/2011،  تعليقاً على انتشار السرطان فجأة بين الرؤساء الأمريكيين اللاتينيين المناهضين للولايات المتحدة:

 

“من الصعب نوعاً ما تفسير هذا الأمر، وعقلنته، ومن ضمن ذلك باستخدام قانون الاحتمالات”، واصفاً تلك الصدفة بأنها “غريبة جداً، جداً، جداً”.

 

“لن يكون من المستغرب أن يكونوا قد طوروا تقنية إحداث السرطان ولم يعرف أحدٌ بذلك حتى الآن… لا أعرف، لكنني أفكر (بصوت مرتفع)”، قال تشافيز.

 

وقد حصلنا على هذه المقتطفات من موقع التلفزيون الروسي RT على الإنترنت بالإنكليزية في 29/12/2011، الذي أضاف تقريره: وقال القائد اليساري والعدو اللدود للسياسة الأمريكية، مخاطباً قواته، أن قائداً أمريكياً لاتينياً أخر هو فيديل كاسترو كان قد حذره قبلها بسنوات مما يمكن أن تقدم عليه الولايات المتحدة: “فيديل قال لي دوماً: انتبه يا تشافيز.  لقد طور أولئك الناس التقنية.  وأنت مهمل جداً.  انتبه لما تأكله، وما يتم تقديمه لك لتأكله… إبرة صغيرة ويحقنونك بلا أعرف ماذا”، أصر تشافيز. (نهاية تقرير ال RT).

 

وقد تناقلت عدد من وسائل الإعلام العالمية هذه التصريحات، وردت عليها فيكتوريا نيولند، الناطقة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، قائلةً أن تصريحات تشافيز مروعة ومدانة، وأنها لا تستحق رداً أكثر من ذلك… (موقع هيئة الإذاعة البريطانية بالإنكليزية في 29/12/2011).

 

ولتشافيز تاريخ من التصريحات المثيرة للجدل، خاصة من النوع الذي يستهدف “الإمبراطورية” ويستفزها، كما اصطلح اليساريون الأمريكيون اللاتينيون على تسمية الولايات المتحدة.  ولكن تعالوا نفكر معاً بقانون الاحتمالات الذي أشار إليه تشافيز:  من أصل سبعة أو ثمانية رؤساء يساريين مناهضين للإمبراطورية في أمريكا اللاتينية، ما هي احتمالية إصابة نصفهم على الأقل بالسرطان، إذا استثنينا رئيسة البرازيل الحالية ديلما روسيف، وفي فترات متقاربة، وخلال وجودهم في الرئاسة؟! 

 

لو كانت هذه مسألة في مبادئ علم الإحصاء، لتوجب علينا أن نقارن نسبة انتشار السرطان بين البالغين في أواخر الخمسينات حتى أواسط الستينات من العمر عالمياً، مع نسبة انتشار السرطان بين رؤساء أمريكا اللاتينية التي تتجاوز خمسين بالمئة، لنقوم بعدها بتطبيق اختبار إحصائي، مثلاً اختبار “كاي” Chi-Square test، يمكنُنا من نفي أو تأكيد فرضية التساوي بين نسبة السرطان العالمية لتلك الفئة العمرية ونسبة السرطان بين رؤساء أمريكا اللاتينية المناهضين للولايات المتحدة.  فإذا فعلنا ذلك، سنجد اختلافاً شديداً للنسبتين، بما أنها أقل بكثير بين عامة الناس من نفس الفئة العمرية، مما يدل بأننا نستطيع أن ننفي فرضية التساوي بين النسبتين بكل أريحية، وبالتالي أن نستنتج أن الاختلاف بينهما ليس عشوائياً وسببه عامل أخر غير الصدفة.

 

ولو قال قائل أننا يجب أن نأخذ هنا عوامل البيئة والمهنة وما شابه بعين الاعتبار، وهذا صحيحٌ طبعاً، يصبح من الضروري أن نقارن نسبة انتشار السرطان في نفس الفترة الزمنية، بين عامي 2009 و2011 مثلاً، بين رؤساء أمريكا اللاتينية الموالين للولايات المتحدة، مقابل نسبة انتشاره بين رؤساء أمريكا اللاتينية المناهضين للولايات المتحدة، لنجد أنها أقل بكثير بين الرؤساء الموالين للولايات المتحدة منها حتى بين عامة السكان، وأننا نستطيع مجدداً أن نرفض فرضية التساوي بين النسبتين باختبار “كاي” بكل أريحية، ولنقول بالتالي أن الاختلاف بين النسبتين لا يمكن إرجاعه لعامل الصدفة فحسب، وأن لا بد من وجود شيء أخر يفسره.

 

ومع أن تشافيز يصر أنه يتكهن ولا يتهم مباشرة، فإن تكهنه قد لا يكون بعيداً عن الحقيقة، والولايات المتحدة فعلت أكثر من هذا بكثير من قبل، وارتكبت من الجرائم والمجازر ما يجعل عمليات الاغتيال بالسرطان لعبة بسيطة.  وقد يأتي يومٌ بعد سنواتٍ أو عقودٍ يكشف فيه برنامج تلفزيوني أو كتاب أو وثيقة لويكيليكس أن الولايات المتحدة أحدثت السرطان لأعدائها السياسيين فعلاً، لكن ستتم الإشارة لذلك كعمل ينتمي لمرحلة سابقة، لم يعد يمارس الآن، أو ستتم نسبته لجهاز مخابراتي من مرحلة “الحرب على الإرهاب” لم تخضع قراراته لتدقيق لجان مجلسي النواب والشيوخ مثلاً، ولسوف تصدح أبواقٌ في الإعلام الأمريكي عندها، بعد أن يكون الهدف من تلك الاغتيالات قد تحقق: الحمد لله أننا نعيش في مجتمع حر، نستطيع فيه أن ننشر غسيلنا القذر، وأن ننتقد الطريقة التي كانت تدار فيها البلاد في “تلك الأيام”!   ونذكر هنا بعملية كوانتلبرو في السبعينات للتجسس واسع النطاق، بشكل مخالف للدستور الأمريكي، على نشطاء الحقوق المدنية ومناهضي الحرب في فيتنام…

 

عموماً، ليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها الولايات المتحدة أن تسيطر على داء السرطان لإغراض اغتيال المعارضين السياسيين بأقل قدر من الجلبة، ودون تحويلهم إلى شهداء.  وثمة كتاب أمريكي، في الواقع، عنوانه Mary, Ferrie, and the Monkey Virus، من تأليف إدوارد هاسلام صدر عام 1995 عن دار نشر وردزورث، يمكن طلبه عن طريق الإنترنت، يتناول تجربة من هذا النوع لتطوير نسخة معدلة من فيروس SV-40 المسبب للسرطان في القرود لإنتاج سرطان الرئة القاتل عند فيديل كاسترو.  وقد كانت تلك المحاولة جزءاً من مشروع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي بطريقة تبدو كحدث طبيعي، لكي لا يتم استفزاز الاتحاد السوفييتي للرد بالمثل.   وقد أدار المشروع روبرت كنيدي، الذي كان وقتها وزيرا للعدل، فيما كان أخوه جون رئيساً، من خلال مكتبه في وزارة العدل (والاغتيالات الخاصة؟).  وقد سمي ذلك المشروع وقتها “مشروع الحرية”.  وقد دُرب لهذا الغرض، في مختبر أوك ريدج، في ولاية تنسي الأمريكية، أخصائيون في السرطان في دورة تمت في الستينات.  وقد قام فريق من الباحثين، بقيادة باحث السرطان المعروف د. ألتون أوكسنر، في جامعة تولين، في مدينة نيو أورلينز، بتصنيع بضع حفنات من فيروس السرطان وتعديلاته من أورام سرطانية مأخوذة من الفئران… 

 

إذن، ثمة سوابق في هذا المضمار، منذ الستينات، وليس هناك وازع أخلاقي أو ديني على الإطلاق يمنع الولايات المتحدة من اللجوء لمثل هذه الأساليب اليوم.  فانتبهوا.  وليست العقاقير التي تنتج أمراضاً قاتلة أمراً غريباً عند الإمبريالية والصهيونية.

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]

بعد التعديلات الدستورية في تركيا…

هل سينزل أردوغان عن حصانه الخشبي العثماني إلى أرض الواقع ومعادلاته؟! تشرين السورية 19/4/2017 د. إبراهيم علوش تقدَمَ مؤيدو تحويل النظام السياسي في تركيا إلى رئاسي، على المعارضين، بنسبة 51،3 [...]

بالشام أهلي وبالفسطاط إخواني

  د. إبراهيم علوش معذرةً من أبي تمام، لكن قصيدته (ما اليوم أولَ توديعٍ ولا الثاني) تعبر، قبل ألفيةٍ وربع الألفية تقريباً، عن وحدة الحال في وطننا العربي الكبير اليوم حين قال: (بالشام أهلى [...]

حركة تسلل أمريكية في شرق سورية

تزايد زخم الاندفاعة الميدانية للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية، عبر البوابة الكردية المشرعة، باتجاه الرقة، أوضح أخيراً بعض معالم الاستراتيجية الأمريكية في سورية.  وقد بات من [...]

ضوء في نهاية النفق السوري؟

لعل أهم مخرجات القمة العربية، على تواضعها، هو تبريد الموقف الخليجي من سورية، لتصبح الأولوية الحل السياسي بين جميع الفرقاء، مما يتضمن اقراراً رسمياً ببضرورة التعامل مع الدولة العربية السورية [...]
2017 الصوت العربي الحر.