أي برنامج للحراك الشعبي في الأردن؟

January 17th 2012 | كتبها


د. إبراهيم علوش

 

17/1/2012

 

شكل الحراك الشعبي في الأردن، خاصة في المحافظات، علامة فارقة متميزة عن الحراك الشعبي في أي قطر عربي أخر في ربطه بين المطلب الداخلي بمحاربة الفساد والاستبداد ومطلب إعلان بطلان معاهدة وادي عربة، وهو ما مثل افتراقاً عن برنامج بعض القوى الأردنية والإقليمية اللاهثة وراء السلطة من منصة الإصلاح الدستوري والانتخابي و”الديموقراطي” مما أوصلها كتحصيل حاصل للاستظلال بحلف الناتو ومجلس التعاون الخليجي، أي إلى أحضان الثورة المضادة.  فالثورة المضادة، في عصرنا الراهن، هي تلك التي تحتضنها الإمبريالية الأمريكية، بغض النظر…  وهي في البرنامج تلك التي تتبنى برنامج إصلاح “ديموقراطي” لاوطني ولاقومي.

 

وكنت ومجموعة من الأصدقاء القوميين المناهضين للصهيونية، ممن شاركوا بأول مسيرة في عمان بعد ذيبان، قد انسحبنا من حراك يوم الجمعة الدوري أمام المسجد الحسيني في عمان بعد أن لاحظنا عملية تجييره لأجندة الثورة المضادة، حسب التعريف أعلاه، وبعد أن بدأنا نتلقى ملاحظات من بعض النشطاء الميدانيين أن رفعنا لشعارات تطالب بإغلاق السفارة الصهيونية وإعلان بطلان معاهدة وادي عربة بات “يشوش” على الحراك! 

 

وقد كنا نرى، بالمقابل، أننا في الأردن بالذات لا يمكن أن نطرح حراكاً “إصلاحياً” حقيقياً بشكل منفصل عن مطلب إعلان بطلان معاهدة وادي عربة، أولاً، لأن إقرار المعاهدة تطلب إقرار قانون الصوت الواحد وتطلب الانقضاض على كل مسيرة التحول الديموقراطي التي بدأت مع انتفاضة نيسان عام 1989، وصولاً لقوننة الأحكام العرفية عن طريق مئات القوانين المؤقتة، ثانياً، لأن الشريحة الاقتصادية-الاجتماعية المستفيدة من المعاهدة والتي تدفع للتمسك بها هي نفسها الشريحة المستفيدة من الفساد ومن بيع القطاع العام فلا يمكن فصل النهج الاقتصادي عن النهج السياسي، ولا التغيير الاجتماعي عن التغيير السياسي، ولا إحقاق حقوق المواطن عن فك التبعية للخارج، ثالثاً، لأن معاهدة وادي عربة ليست مجرد معاهدة سلام مع العدو الصهيوني، بل هي معاهدة تكرس التبعية للكيان الصهيوني، حيث أن خمسة عشر بنداً من بنودها، من أصل ثلاثين، مكرسة للتكامل العضوي مع الكيان الصهيوني، رابعاً، وهنا بين القصيد، لأن البند الثامن من المعاهدة يتحدث عن توطين اللاجئين، وهذا يعني أن الإصلاح الديموقراطي، في ظل غياب مشروع حقيقي لتحرير فلسطين، هو وصفة للتوطين السياسي، أي لتصدير أزمة الكيان الصهيوني للأردن بالتحديد.

 

ونقول التوطين السياسي، ولا نقول الوطن البديل، لأن الكيان الصهيوني والإمبريالية العالمية غير معنيين بدولة فلسطينية تمتلك شريطاً حدودياً طوله مئات الكيلومترات مع العدو الصهيوني، لكن ذلك لا يمنع على الإطلاق مشروع التوطين السياسي، وهو ما لاحظنا، من خلال وثائق ويكيليكس وغيرها، أن السفارة الأمريكية كانت ناشطة جداً في الترويج له من خلال اتصالات ولقاءات وجهود منسقة مع قوى وشخصيات بعينها في الساحة الأردنية، من الإسلام السياسي إلى جماعة “الحقوق المنقوصة”. 

 

مثل هذا المشروع يستهدف القضية الفلسطينية والأردن معاً، لا بل أنه يساعد على صهينة المنطقة برمتها، ومن هنا نقول أن من يرفعون شعارات “المساواة”، وشعارات “الإصلاح الديموقراطي”، خاصة إذا اجتمعا، هم موضوعياً دعاة فتنة وحرب أهلية، ودعاة تخلي عن فلسطين وقضيتها، لمصلحة مشروع التوطين السياسي. 

 

ففي الأردن بالذات، لا يوجد أي مشروع تغيير حقيقي لا يضع تحرير فلسطين على رأس أولوياته، ويستعد لدفع الثمن، وكذلك لا يوجد أي مشروع تغيير حقيقي يقبل بالتسوية السياسية مع العدو الصهيوني مهما كانت، لأن أول شروط مثل تلك التسوية سيكون بالضرورة الالتزام بأمن الكيان الصهيوني، وبالتالي رفض عودة اللاجئين، وهو ما يعني بالضرورة التوطين السياسي أيضاً…

 

لكن فلننتبه جيداً أن النقيض ليس صحيحاً أيضاً.  فثمة مشروعان للفتنة والحرب الأهلية في الأردن، أولهما عنوانه “الحقوق المنقوصة” وثانيهما اسمه “دسترة فك الارتباط”.  وهما وجهان لعملة واحدة في الواقع.  وكلاهما يقدم نفسه كبرنامج حراك لجزء من الأردنيين، ولا يعبران عن برنامج وطني.  فأحدهما برنامج للأردنيين من أصل فلسطيني، والآخر يقدم الخلاص باعتباره فكاً للارتباط مع الضفة الغربية.  وكلاهما يرى الحل “على حساب” فئة أخرى من الأردنيين.  وكلاهما يحمل، بالتالي، شحنة تفجيرية كامنة تنتظر من يحركها بصاعق. 

 

في الأردن بالذات يشكل الحس القومي العربي صمام أمان للوحدة الوطنية الداخلية، فلا يمكن أن يكون برنامج “فك الارتباط” برنامجاً وطنياً أردنياً، كما لا يمكن أن يكون برنامج “الحقوق المنقوصة” و”المواطنة” و”المساواة” برنامجاً وطنياً فلسطينياً. 

 

فدسترة “فك الارتباط” تعني إزالة الضفة الغربية من الدستور الأردني، وهذا يعني تثبيت أساس دستوري لسحب الجنسيات.  ولا يهم القول هنا أن السحب سيطال الفلسطينيين الذين قدموا للأردن بعد عام 1988 فقط، لأن سحب الجنسيات سيكون أساسه شطب أردنية أهل الضفة الغربية دستوريا، وبالتالي تأسيس سابقة سحب الجنسيات من الفلسطينيين الأردنيين الذين لن يجدوا بعدها أساساً قانونياً لشمولهم بالجواز الأردني، سواء جاءوا الأردن بعد ال88 أو قبلها.

 

ولمن لا يفهم تاريخ اللجوء الفلسطيني، وقلق اللجوء على لجوء، أي اللجوء المتكرر، وتجربة فلسطينيي الكويت ونهر البارد والملايين المشردة حول الأرض، وال48 وال67، وال82 في لبنان، فإن ذلك يعني تهديد مئات آلاف العائلات في مصيرها ومستقبلها، دون طرح مشروع تحرير يعيدها إلى فلسطين – ولا عودة بدون تحرير -، بل فيما تنسد الآفاق وتتوجه قوى الإسلام السياسي، على ما يبدو، نحو القبول بمشروع الدولة في حدود ال67 والاقتصار على “المقاومة الشعبية” غير المسلحة والالتزام بهدنة طويلة الأمد عبر غزة، وفيما يتم إسقاط اللاجئين من المشروع الوطني الفلسطيني أو مشاريع التسوية، وفيما يعيش المشروع القومي العربي مرحلة جزر، فإن ذلك كله يعني تحول أولئك اللاجئين سياسياً إلى احتياطيات سكانية فائضة لن تتورع الإمبريالية والصهيونية عن محاولة توظيفها في مشروع فتنة أهلية، ولن تجد صعوبة كبيرة في خلق أو إيجاد الأدوات والروافع اللازمة لتحقيق ذلك، خاصة إذا أبقيت الكتلة برمتها في حالة اختلال توازن شرقي النهر وغربه…   وهو ما لا يجوز أن يسمح أو يقبل به أي مشروع وطني حقيقي أردني أو فلسطيني.

 

لهذا كله، وفي ضوء المسؤولية الرسمية الأردنية عن ضم الضفة وخسارتها في حرب ال67، فإن “دسترة فك الارتباط” لا تنسجم أبداً مع مطلب إعلان بطلان معاهدة وادي عربة، فهي تعني التخلي عن الضفة للاستيطان الصهيوني، لا لقاعدة محررة فلسطينية مثلاً، وهي تعني خلق أفضل الشروط لصهينة الأردن، لأن الضفة المتروكة للمشروع الصهيوني هي التي تهيئ للتوطين السياسي، وحتى لموجات لجوء جديدة.

 

باختصار، نحن عرب وعروبيون، ولا حياة لنا بدون ذلك، بل دمار، لكن فلسطين ليست الأردن، ولا الأردن هو فلسطين، وهذا يعني أن الأردن بدون تحرير فلسطين يترك مفتوحاً لمشروع الوطن البديل، ويعني أن لا وطنية أردنية (أو فلسطينية بالمناسبة) إلا بالمشروع القومي، ويعني أن مشروع تحرير فلسطين ضرورة ماثلة لغير الفلسطينيين أيضاً.  فالفلسطينيون يريدون أن يعودوا، لكن العودة لا يحققها الفلسطينيون وحدهم.


الموضوعات المرتبطة

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]

بعد التعديلات الدستورية في تركيا…

هل سينزل أردوغان عن حصانه الخشبي العثماني إلى أرض الواقع ومعادلاته؟! تشرين السورية 19/4/2017 د. إبراهيم علوش تقدَمَ مؤيدو تحويل النظام السياسي في تركيا إلى رئاسي، على المعارضين، بنسبة 51،3 [...]

بالشام أهلي وبالفسطاط إخواني

  د. إبراهيم علوش معذرةً من أبي تمام، لكن قصيدته (ما اليوم أولَ توديعٍ ولا الثاني) تعبر، قبل ألفيةٍ وربع الألفية تقريباً، عن وحدة الحال في وطننا العربي الكبير اليوم حين قال: (بالشام أهلى [...]

حركة تسلل أمريكية في شرق سورية

تزايد زخم الاندفاعة الميدانية للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية، عبر البوابة الكردية المشرعة، باتجاه الرقة، أوضح أخيراً بعض معالم الاستراتيجية الأمريكية في سورية.  وقد بات من [...]

ضوء في نهاية النفق السوري؟

لعل أهم مخرجات القمة العربية، على تواضعها، هو تبريد الموقف الخليجي من سورية، لتصبح الأولوية الحل السياسي بين جميع الفرقاء، مما يتضمن اقراراً رسمياً ببضرورة التعامل مع الدولة العربية السورية [...]
2017 الصوت العربي الحر.