يلم “تسليم خارج القانون” Rendition: عربي-أمريكي يُختطف ويُعذب في المعتقلات السرية الأمريكية

March 8th 2010 | كتبها

فيلم “تسليم خارج القانون” Rendition: عربي-أمريكي يُختطف ويُعذب في المعتقلات السرية الأمريكية

الفيلم كان جزءاً من الحملة الانتخابية ضد إدارة بوش

د. إيراهيم علوش

كلمة rendition، كمصطلح قانوني في معجم غوانتنامو، تعني، فيما تعنيه، تسليم أسير من دولة إلى دولة أخرى خارج إطار القانون، ونقيضها كلمة extradition التي تعني تسليم المعتقل من دولة إلى أخرى ضمن إطار القانون والمعاهدات التي تحكم تسليم المعتقلين عادةً.  وفيلم rendition يتناول قصة أمريكي من أصل عربي مصري، هو المهندس أنور الإبراهيمي (الممثل عمر متولي، الأمريكي من أب مصري فعلاً)، الذي تختطفه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA في مطار واشنطن دي سي، في طريق عودته من مؤتمر في جنوب أفريقيا، وتأخذه إلى معتقل سري في مكان ما في الوطن العربي، يبدو أنه في المغرب العربي، حيث يتعرض لصنوف التعذيب، لكي يعترف…  بماذا؟ بأي شيء!  المهم أن يعترف… وهذا ما يفعله فعلاً تحت وطأة التعذيب، فيعترف أنه تلقى أربعين ألف دولار، لم يتسلمها بعد، لكي يساعد بصنع متفجرات لجماعة “إرهابية”، ويقدم بالتالي لائحة بأسماء من يعرفهم من تلك الجماعة.

المهندس أنور الإبراهيمي يعيش في مدينة تشيكاغو في ولاية إيلينوي الأمريكية، وهو متزوج من أمريكية (الممثلة ريس ويزسبون)، ولديهما طفل وأخر على الطريق، ووضعه المادي جيد جداً، فهو يحصل على حوالي مئتي ألف دولار سنوياً، فرشوته بأربعين ألف دولار ليشارك بعمل “إرهابي” مسألة مثيرة للشك، خاصةً أن أسماء من اعترف عليهم تبين في الواقع أنها لأعضاء فريق كرة قدم مصري من العام الذي ترك فيه مصر، كما تبين من محرك بحث “غوغل” لاحقاً!!  لكنه التعذيب، والاختطاف، والزنزانة التي لا تتسع لكلب، والعري كما خلقته أمه، والضرب والشبح، الخ… والكهرباء الموصولة بجسده لكي تشحذ الخيال العلمي للمهندس أنور بأي اتجاه يرغبه المحقق.  لمَ لا؟ المهم أن يتوقف التعذيب.

المشكلة؟  المشكلة أن رقم هاتف استخدمه يوماً “إرهابي” معروف اسمه “رشيد”، حسب زعم المحققين، كان قد اسُتخدم للاتصال بالهاتف المحمول للمهندس أنور الإبراهيمي خلال العام الماضي… أما فكرة أن شريحة الهاتف، التي ربما يكون قد استخدمها “الإرهابي رشيد” يوماً، قد تناقلتها الأيدي حتى وصلت لشخص عادي قام هو بالاتصال بالإبراهيمي، فاحتمال رفضت أن تتعامل معه السي أي إيه CIA، والأجهزة الأمنية العربية المتعاونة معها، بجدية!

المشكلة الأكبر هي أن قصة الفيلم مستقاة من قصة حقيقية لمواطن ألماني من أصل لبناني اسمه خالد المصري، اختطفته عناصر تابعة للسي أي إيه CIA من مقدونيا، في يوغوسلافيا السابقة، حيث كان في إجازة، ومن ثم شحنته سراً إلى بغداد، وبعدها لأحد المعتقلات السرية للسي أي إيه في كابول، واسم السجن السري المذكور (الحقيقي جداً!): “حفرة الملح” The Salt Pit، حيث قضى خالد الشيخ خمسة أشهر تعرض خلالها لأبشع أنواع التعذيب، منها الاغتصاب، كما قال في الصحف الأمريكية لاحقاً، وعندما اكتشفت السي أي إيه متأخرة أن خالد المصري الذي اختطفته واعتقلته وعذبته أشهراً هو غير خالد المصري الذي تريده، لم تعرف ماذا تفعل، فأفرجت عن خالد المصري الألماني-اللبناني… على طريق مهجور في دولة “ألبانيا”، بلا مال، وبثياب رثة، فاعتقله الألبان لشكهم أنه “إرهابي”.    وعندما تمكن في النهاية من العودة إلى منزله في ألمانيا، وجد أن زوجته قد أخذت الأولاد وذهبت لبيت أهلها في لبنان، لأنها اعتقدت أنه هجرهم!  وعندما حاول رفع قضية في المحاكم الأمريكية ضد السي أي إيه لاختطافه واعتقاله وتعذيبه، منع من دخول الولايات المتحدة وهو ومحاميه الألماني، وأعيد إلى ألمانيا، “لأن اسمه لا يزال على لائحة الإرهاب”!!  وكل ما سبق تفاصيل حقيقية نقلتها وسائل الإعلام، ألا فلتحيا الديموقراطية الأمريكية!!

ويوجد في الواقع عشرات المعتقلات السرية للولايات المتحدة حول العالم، بعضها سجون عائمة.  وقد مر مئات من الشباب العرب والمسلمين عبر هذه المعتقلات، لا أحد يعرف كم عددهم بالضبط،  وبعضهم ما برح فيها.   وقد تم “تسليم” عدد كبير من المعتقلين إلى الأمريكان، أو تم “تسليمهم” من قبل الأمريكان لأجهزة أمنية عربية ليتم التحقيق معهم، كما تم اختطاف بعضهم اختطافاً دون أن يعرف عنه أهله شيئاً.  وهو ما يتم طبعاً تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”.

شعور أي إنسان عربي، مسييس أم غير مسييس، أن ما جرى مع المهندس أنور الإبراهيمي وعائلته يمكن أن يجري معه بكل سهولة، يبقي الواحد منا في حالة من السخط والغليان على الإدارة الأمريكية خلال مشاهدة فيلم “تسليم” Rendition، خاصة بينما تحاول زوجة الإبراهيمي ووالدته أن تعرفا مكانه وأين اختفى، بينما السلطات الأمريكية تنكر أنه كان على متن الطائرة القادمة من جنوب أفريقيا إلى واشنطن، مع أن والدته اتصلت بالفندق الذي كان فيه في جنوب أفريقيا فأكد أن المهندس أنور الإبراهيمي تم نقله للمطار بالوقت المحدد.

لكن فيلم “تسليم” Rendition، كان موجهاً للمشاهد الأمريكي أساساً، وبصفته تلك، يجب أن يُقرأ كإعلان فشل لما سمته الإدارة الأمريكية “الحرب على الإرهاب”، ومن تلك الزاوية بالذات، أتى تاريخ إطلاق ذلك الفيلم في 19/10/2007 في الولايات المتحدة كتعبئة ضد إدارة بوش في الانتخابات الرئاسية.  وقد تم إطلاق عدد من الأفلام في تلك الفترة بتوجه مشابه، مثل “أسود للحملان” وغيره.

إذن رسالة الفيلم السياسية هي “فشل الحرب على الإرهاب” التي أطلقتها إدارة بوش، وهذا يصب لمصلحة الديموقراطيين طبعاً، مع العلم أن تقليد “التسليم خارج القانون” ازدهر بقوة خلال فترة كلينتون الثانية، حيث تم “تسليم” و”تبادل” عشرات المعتقلين بين أمريكا وبقية العالم بين عامي 1996-2000، كما كتب المحلل الإستراتيجي دانييل بنجامين في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في 20/10/2007، وكان يتناول فيلم “تسليم” بالذات كما ذكر، وهذا طبيعي، لأن الأفلام الهوليودية باتت أداة سياسية وانتخابية بالضرورة في عصر الاتصال الجماهيري لا تقل خطورة وتأثيراً عن وسائل الإعلام.

ويقال أن مثل هذه الأفلام السياسية التي تناولت “الحرب على الإرهاب” والعراق وأفغانستان في خريف عام 2007 لم تحقق نجاحاً تجارياً كبيراً، مع أنها لم تفشل بالضرورة، وربما يكون من المطلوب أن لا تحقق نجاحاً كبيراً، حيث أن موازناتها كانت في الغالب حوالي أو أقل من ثلاثين مليون دولار، في وقتٍ بلغت فيه تكلفة الفيلم الواحد في هوليود أكثر من مئة مليون دولار، فليس من الضروري أن يتعرض الشعب الأمريكي للتسييس، بل ربما للتنفيس فقط!

فيلم “تسليم” كان وراءه استديو صناعة أفلام عملاق هو New Line Cinema، أحد أقسام شركة تايم ورنر Time Warner، أحد أكبر عمالقة الإعلام والترفيه عبر التاريخ.  بالرغم من ذلك كانت موازنة إنتاج الفيلم 27 مليون دولار، غير التسويق طبعاً.  وقد بلغت مبيعاته في دور عرض السينما الأمريكية حوالي عشرة ملايين دولار فقط، وحوالي أحد عشر مليوناً من الدولارات خارج أمريكا، ومن الواضح أن هذه الأفلام النقدية تجد سوقاً وجمهوراً أكبر خارج أمريكا.  لكن مبيعات الفيلم بعد إطلاقه على الدي في دي DVD في 19/2/2008 بلغت في الولايات المتحدة وحدها أكثر من ستة ملايين دولار بقليل، مما يعني أن الفيلم غطى تكلفة إنتاجه على الأقل.

الفيلم يحتوي عدداً كبيراً من الممثلين المغاربة، مثل زينب عكاش ومحمد خواص، والممثلين “الإسرائيليين”، مثل الممثلة هدر رتزون والممثل يغال نور، الذي يلعب دوراً يلاءم جنسيته تماماً، وهو دور المحقق العربي الذي يمارس التعذيب الوحشي بلا رحمة على المهندس أنور الإبراهيمي، كما أنه نفس الممثل الذي يلعب دور صدام حسين في “بيت صدام”.

ولا بد من تذكير الممثلين العرب جميعاً أن المشاركة مع “إسرائيليين” في هذه الأعمال يمثل عملاً تطبيعياً لا مبرر له.  والفيلم من وجهة نظر عربية يهدف في الواقع لإثارة الرعب في قلوب الشباب العربي من التورط من قريب أو بعيد بأي شيء يمكن أن يثير الأجهزة الأمنية الأمريكية، وربيبتها العربية، وبالتالي يمثل في جانبه العربي مشروعاً لتخويف الشباب العربي من تهمة “الإرهاب” السخيفة، ومصادرة الحق في العمل السياسي والمعارضة والنقد خوفاً منها.

النقطة الأخرى التي لا يجوز أن تغيب عنا دور محقق السي أي إيه CIA الأمريكي دوغلاس فريمان الذي يقتنع ببراءة المهندس أنور الإبراهيمي ويضغط للإفراج عنه، وفي النهاية يقوم بالإفراج عنه على عاتقه، متحملاً العواقب، ويفضح القصة بالصحف الأمريكية.  هنا يتم تلميع المحقق الأمريكي، وتقديمه بأنه يبحث عن العدالة، ومع أنه شارك في التعذيب في البداية، فإنه عاقلٌ لا يعذب بهدف التعذيب، وعندما يقدم الإبراهيمي ما لديه فعلاً، يقتنع دوغلاس، ويساعده!!  وهنا الرسالة أن الحل يأتي من خلال الأشخاص الجيدين من داخل النظام الأمريكي، فهذه رسالة تعيد شحن ذلك النظام بالمصداقية، والمقبولية، عند أهدافه المحتملة، العربية، التي يمكن أن تتعرض للتعذيب في أي لحظة.  وهذا غير مقبول على الإطلاق.

ولا بد من الانتباه أن زوجة المهندس أنور الإبراهيمي في الفيلم تكتشف ما حدث له لأنها أمريكية تعرف مساعداً لسناتور أو عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي.  ومكتب الشيخ يساعدها على مخاطبة مسؤولة السي أي إيهCIA التي اتخذت قرار اعتقال الزوج أنور الإبراهيمي، وهي هنا كورين ويتمان، أو الممثلة ميريل ستريب، التي تقابل زوجة أنور (الأمريكية) الملهوفة بأكثر قدر حيادي من البرودة يمكن أن تُقابل بها امرأة، مع العلم أن أدوار ميريل ستريب تفيض بالحرارة عادة، فهي هنا تمثل ضد طبيعتها، وهو ما يشهد لقدراتها طبعاً.

السؤال يبقى: ماذا يحدث لزوجات وأمهات وأخوات مئات المعتقلين العرب في السجون الأمريكية السرية اللاتي لسن أمريكيات، ولا يعرفن مساعداً لسناتور أمريكي مهم؟!  هذا ما لا يخبرنا إياه الفيلم الهوليودي في سياق تأكيده الأبدي على قنوات الخلاص من داخل أطر النظام الأمريكي نفسه.

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.