لإسلاميون والانخراط في الاستعراضات الديموقراطية في الإقليم: الآفاق والأبعاد

March 8th 2010 | كتبها

الإسلاميون والانخراط في الاستعراضات الديموقراطية في الإقليم:

الآفاق والأبعاد

د. إبراهيم علوش

كيفما قلبنا المسألة، فإن ما يجري في العراق وسوريا والسلطة الفلسطينية ومصر، وما جرى قبلها في تركيا، يوحي بأن: 1) بعض الإسلاميين قرروا الانخراط في مشروع “الإصلاح الديموقراطي” الأمريكي للإقليم، و2) أن الأمريكيين يرون في ذلك جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.

ففي العراق المحتل، تعاون الحزب الإسلامي العراقي في إنجاح العملية السياسية الجارية في ظل الاحتلال، ودعا للمشاركة في الاستفتاء على الدستور، وللتصويت عليه بنعم، متجاوزاً بذلك أحد أهم الخطوط الحمر التي وضعتها المقاومة حول لا مشروعية أية عملية سياسية في ظل الاحتلال، مما أضعف ورقة المقاطعة مؤقتاً، واسهم بتقدم مشروع الالتفاف على المقاومة سياسياً خطوة إلى الأمام.

وفي فلسطين المحتلة، قررت حماس المشاركة في انتخابات السلطة الفلسطينية، بعد مقاطعتها عام 1996 لأنها تجري على قاعدة اتفاقيات أوسلو.  وعلى الرغم من أن انتخابات السلطة ما زالت تجري وفقاً لاتفاقيات أوسلو، إذ أن تلك الاتفاقيات وليس غيرها هي التي أخرجت السلطة بمؤسساتها إلى حيز الوجود، وعلى الرغم من أن الطرف الأمريكي-الصهيوني يحاول ابتزاز حماس سياسياً لمباركة اشتراكها في الانتخابات علناً، فإن الواقع الموضوعي يبقى أن اشتراك حماس بالانتخابات يمثل قبولاً عملياً بالقاعدة القانونية والسياسية التي تجري تلك الانتخابات على أساسها.

ومثل هذا الحوار سبق ودخلته الحركة الإسلامية في فلسطين سابقاً بصدد انتخابات الكنيست الصهيوني في الأراضي المحتلة عام 1948، ولم يكن من الضروري أن يتكرر الحوار نفسه خارجها، فليس هناك فرق جوهري بالنهاية ما بين الأراضي المحتلة عام 1948 وتلك المحتلة عام 1967 لأن كلاهما ما برح تحت الاحتلال!

ولا شك بأن حالتي فلسطين والعراق، كأراضٍ محتلة بشكل مباشر وكامل ورسمي، تختلف قليلاً عن حالة بقية الدول العربية والإسلامية، حتى لو كانت الأخيرة خاضعة للهيمنة الأمريكية ولتواجد القواعد العسكرية الأمريكية فيها، أي لاحتلال غير مباشر أو غير كامل أو غير رسمي.  لكن انخراط بعض الإسلاميين بقوة في اللعبة الانتخابية في تلك الدول “غير المحتلة” أيضاً لا يمكن فصله بأية حال عما يجري في فلسطين والعراق، أي عما يجري في الإقليم، ولا عن الحيز الذي يفسحه مشروع “الإصلاح” الأمريكي لبعض رموز الإسلاميين وقواعدهم بشكل محسوب جيداً يستهدف استهلاكهم سياسياً واستخدامهم ضد قوى المقاومة إسلامية كانت أو غير إسلامية.

والمفارقة الملفتة للنظر هنا هي موقف الإخوان المسلمين في سوريا: ففي الوقت الذي يحاول فيه الطرف الأمريكي-الصهيوني محاصرة سوريا وقوى المقاومة في لبنان، لعب نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام ورقة الانشقاق بعدما وصل تحقيق ميليس قانونياً وجنائياً إلى الطريق المسدود، وكان أن أعلن خدام دعوته لإسقاط القيادة السورية، فأبدى المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين في سوريا، تعليقاً على دعوة خدام، استعداد الجماعة لوضع يدها بأيدي الجميع لتحقيق “التغيير” في سوريا.  وإذا كان الاستعداد للتعاون مع خدام قد جاء مشروطاً بالنسبة لخدام كشخص، فإنه يعني عملياً بالمحصلة تأييد مشروع إسقاط النظام في سوريا، وهو المطلب المطروح اليوم بإلحاح عند بعض القوى الدولية واللبنانية.

والمفارقة هنا بالطبع أن مطلب إسقاط النظام لم يطرح خارج سوريا مثلاً، أو في العراق المحتل!

المطلوب هنا إذن هو قراءة الواقع الموضوعي كما هو، لا التخوين أو الاتهام أو المزايدة بناءً على قراءة سطحية للمعطيات من جهة، ولا قياس الاصطفاف الواقعي في الصراعات الدائرة هنا والآن على الأرض بمقياس النوايا الساذجة من جهةٍ أخرى.  فالتيار الإسلامي يبقى حالياً أحد أهم التيارات الشعبية العربية، إن لم يكن أهمها قاطبةً، وهو يختزن في ثناياه نزعات مقاومة حقيقية، ومنها مقاومة الاختراق الثقافي…  ومن هنا، فلنعتبر هذه السطور محاولة متواضعة لفتح حوار حول مسالة المشاركة في الانتخابات مع أنصار هذا التيار، وكل التيارات الأخرى، حتى ولو لم تكن إسلامية، المقتنعة بالتوجه نفسه.

من الواضح طبعاً أن تراجع حماس مثلاً، أو الأخوان المسلمين في مصر، عن المشاركة في الانتخابات، بكل ما يمثلانه من وزن شعبي ورصيد سياسي، يصب مباشرةً في مصلحة القوى الأخرى المنافسة لهما داخل السلطة وخارجها.  ولكن  الاعتبار الانتخابي الآني لا يجوز أن يكون هو الأساس، دون أن نلغي أهميته، بل يبقى الاعتبار الأول والأخير هو مصلحة الأمة، وسنجد لذلك أن وضع الاعتبار الانتخابي أولاً قد يدمر شعبية التيار الإسلامي نفسه على المدى البعيد.

وقد رشحت أنباء وتقارير صحفية عن لقاءات وحوارات عديدة يفترض أنها جرت ما بين قوى ورموز إسلامية والإدارة الأمريكية، وكان من المفترض أن تنشر الجهات الإسلامية المعنية محاضر وفحوى تلك اللقاءات عوضاً عن تركها مجالاً للتشكيك والتساؤلات، إذ أن مجرد عقدها في ظروف الصراع الدامي الجاري على الأرض ما بين قوى الأمة من جهة والإمبريالية الأمريكية من جهة أخرى يحتاج للكثير من الإيضاح.

ويزيد الصورة ضبابيةً عدد من التقارير التي رشحت من وسائل الإعلام الإمبريالية نفسها حول ما تريده أمريكا من القوى الإسلامية التي تلتقي معها.  فهناك مثلاً تقرير مؤسسة راند المنشور على النت حول مشروع “الإسلام المدني الديموقراطي” الذي يفترض أن ينتج تياراً إسلامياً محابياً للمصالح الأمريكية في الوطن العربي والعالم الإسلامي.  وهناك عدد من القوى والرموز الإسلامية التي تتخذ مواقف وتوجهات ممالئة للسياسات الأمريكية.  فمجلس العلاقات الإسلامية-الأمريكية، أكبر تنظيم إسلامي في الولايات المتحدة مثلاً، يستغل كل فرصة من أجل إدانة العمليات الاستشهادية وتأييد سياسات الإدارة الأمريكية، مقابل “تحسين وضع الجالية الإسلامية في أمريكا”!  والشيخ حمزة يوسف على الفضائيات، وهو موظف رسمي في الإدارة الأمريكية، يعظ ضد المقاومتين العراقية والفلسطينية، الخ… ونوح فلدمان، اليهودي-الأمريكي الذي وضع دستور العراق المحتل يمتدح نموذج الإسلام التركي ويدعو لتعميمه.

وهنالك أيضاً تقرير مجلة US News and World Report في 18/4/2005 الذي يحمل عنوان “عقول وقلوب ودولارات: حرب أمريكا لتغيير الإسلام” والذي يتحدث عن إعادة صياغة التيار الأساسي في الحركة الإسلامية بشكل يخلو من أية نزعات جهادية.  وحسب ذلك التقرير، يفترض أن يتحقق ذلك المشروع، أولاً، من خلال الترويج لمفهوم “جديد” للإسلام لا يعادي أمريكا واستثماراتها ومساعداتها وقواعدها، وثانياً، من خلال الاتصال والتنسيق مع القوى والشخصيات الإسلامية المعادية للحركات الجهادية وتفرعاتها..

وحسب ذلك التقرير، يضيف ميلت بيردن، الذي يفترض أنه قضى ثلاثين عاماً في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA: “إذا ذهبت إلى بعض نقاط الاتصال غير المتوقعة في العالم الإسلامي، فإنك ستجد تقبلاً أفضل بكثير مما كنت تتوقع”.  ويضيف هنا: “جماعة الأخوان المسلمون على الأرجح جزءٌ من الحل أكثر منها جزءاً من المشكلة”…  ولو افترضنا مثلاً أن كل هذا يمثل افتراءات أو نوعاً من الحرب النفسية، أفلا تقتضي تلك الحرب أن لا تحدث لقاءات مع الإدارة الأمريكية في ظل مثل هذه التسريبات، وأن تتم المحافظة على مسافة كافية من مواقف وسياسات ومشاريع الإدارة الأمريكية في بلادنا؟

إذن بغض النظر عما تفكر فيه القوى الإسلامية أو غير الإسلامية المشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال، أو في ظل الدول القطرية الخاضعة حالياً لمشروع “الإصلاح الديموقراطي” الأمريكي، فإن استيعاب بعض القوى الإسلامية سياسياً في هذا المشروع يأتي بالأساس ضمن السياق الأمريكي، سياق لعبة “الفوضى الخلاقة”.

وفي النهاية، ليست أي انتخابات إلا نتاجاً طبيعياً لقواعد اللعبة وللسياق السياسي المحيط بها.   فالانتخابات في فلسطين والعراق تعطي المشروعية للاحتلال ولمؤسساته، وهي تجري في ظل الإرهاب الذي يمارسه الاحتلال ضد الشعب الذي يفترض فيه أن ينتخب وأن يختار ممثليه.  وهي انتخابات ستفرز ممثلين للشعب يفترض بهم أن يتعاملوا مع الاستحقاقات السياسية التي يفرضها الاحتلال، بغض النظر عن النوايا.  فلنعط مثالاً ملموساً:

حسب الباحث عبدالله حمودة، لا يحق للمجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، ولا لرئيس السلطة، أن يتخذ أي قرارات تتعارض مع القوانين السارية أو الأوامر العسكرية الصهيونية.  وتثبت هذا القول المادة الثامنة عشر من الاتفاقية “الإسرائيلية”-الفلسطينية المرحلية حول الضفة وغزة الموقعة في واشنطن في 28/9/1995 التي يقول البند الرابع (أ) منها: “التشريعات، بما فيها التشريعات التي تعدل أو تلغي قوانين سارية أو أوامر عسكرية، و التي تفوق ولاية المجلس، أو التي تكون مخالفة لأحكام إعلان المبادئ (أي اتفاقية أوسلو- إ.ع)، أو هذه الاتفاقية، أو أي اتفاقية يمكن التوصل إليها بين الطرفين خلال المرحلة الانتقالية، لن تكون سارية المفعول وستكون باطلة”.

وهذا يعني طبعاً تكريس سيادة القانون “الإسرائيلي” في الضفة والقطاع، ومنها كل أوامر المصادرة والإبعاد وما شابه… فهل وضح الآن كيف يضحي من يدخل في نفق العملية السياسية في ظل الاحتلال بأهم أوراقه؟

فالطرف الأمريكي-الصهيوني لا يكترث كثيراً بالشعار الأيديولوجي ما دام صاحبه لا يشكل حجر عثرة أمام القواعد العسكرية والسياسات والشركات ومشروع الاختراق الأمريكي.  وليست هناك مشكلة إذن في جعل الدين قضية ثياب وموسيقى فحسب على حساب قضايا الأمة الكبرى، وفي التركيز على الشعائر وقضايا الحياة الشخصية (بعد حذف قضية الجهاد ضد الاستعمار والظلم، إلا إذا كان ظلماً من أنظمة معادية لأمريكا بالطبع!)، وفي التركيز على فوائد التجارة، مع قليل من الإحسان على الهامش، ما دام ذلك لا يتعارض مع التطبيع الاقتصادي وتغلغل الشركات الاحتكارية متعدية الحدود!  فهذا هو النمط “الإسلامي” الذي يريده الأمريكيون ويروجون له…

الانتخابات، أي انتخابات، ليست هدفاً بحد ذاته، بل مجرد وسيلة لتحقيق غاية تمثيل إرادة الغالبية.  والانتخابات الوحيدة ذات المعنى هي تلك التي تجري في ظل السيادة الوطنية، فما بالكم بانتخابات تجري في ظل سيادة منقوصة لاختيار ممثلين لا يمتلكون صلاحيات فعلية من أجل تحقيق مشروع هيمنة وتفكيك إقليميين؟!  ففي العراق تجري الانتخابات على قاعدة دستور يشطب عروبة العراق ويعطي كل ثلاث محافظات فيه حق تشكيل إقليم حكم ذاتي.  وفي انتخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، المنقوصة السيادة لحد العدم، لا يستطيع المشاركة أكثر من ربع الفلسطينيين، أما في معظم الدول العربية والإسلامية، فتتحكم بالعملية الانتخابية قوى متسلطة علناً أو خفيةً تمتلك الإعلام والمال وحق رسم الدوائر ووضع القوانين وفرز الأصوات، وفي الحالتين، تعكس النتائج قواعد اللعبة، ولا تعني الانتخابات شيئاً عندما تصبح غايتها المصادقة على مصالح أصحاب السلطة والثروة والقرار، ناهيك عن قوى الهيمنة الخارجية.

وأمريكا لا تطرح الديموقراطية عندنا إلا في سياق مشروع هيمنة وتفكيك.  فهي تتناولها من مداخل تجزئة الأقطار بالتركيز على أولوية حقوق الأقليات، وتفتيت المجتمع بالتركيز على أولوية حقوق الأفراد، وتفكيك الثقافة من خلال عولمتها وأمركتها.   فهل يمكن الحديث عن مشاريع جزر ديموقراطية أمريكية، ولو كان يحكمها الإسلاميون، في محيطٍ من الخراب الوطني والقومي والإسلامي؟!

في الواقع لا يمكن الحديث بجدية عن ديموقراطية في ظل مشاريع التفكيك، تفكيك الأغلبية، وتفكيك الوطن، وإضعاف الأمة، ووضعها تحت الوصاية.  وفي هذا السياق يأتي زعم إشراك الحركة الإسلامية في المشروع الديموقراطي الأمريكي، أو أجزاء منها، ليستهدف شقها واحتواء أجزاء منها واختراق وإعادة إنتاج جزئها الأخر بما يلاءم مصلحة الطرف الأمريكي-الصهيوني ومشروع العولمة.  والمستهدف بالنهاية هنا ليس الحركة الإسلامية وحدها بل كل الأمة، وكل القوى والأطراف التي تشكل عائقاً موضوعياً في وجه المشروع المعادي.

أما شعار “لا للديكتاتورية! لا للاحتلال!”، هذا الشعار اللاتاريخي واللاوطني في آنٍ معأً، فيضع مشكلة الديموقراطية برمتها خارج إطار الزمان والمكان، لأنها يضعها خارج الصراعات السياسية والاجتماعية الجارية في عالمنا المعاصر.  وهو شعار يقود إلى مساواة حلفاء الإمبريالية مع أعدائها، لأنه يقوم على التمسك بصدفة فارغة بعيداً عن الشروط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي جعلت الديموقراطية ممكنة في أوروبا، ولأنه يربط الديموقراطية بالعلاقة ما بين الدولة والمواطن، أي بين الفرد والمؤسسة الحاكمة، لا بالعلاقة ما بين الأمة وتاريخها.

البديل إذن هو: 1) الاستمرار بمشروع المقاومة بكل الوسائل المتاحة وحيثما يقتضي الحال، ومنه رفض أية انتخابات أو عملية سياسية في ظل الاحتلال، و2) العمل على بناء حركة شعبية عربية تشرع بنيل حقوق الأمة والمواطن من تحت، في الشارع، دون منةً من أحد، ولا مشاريع ديكور “ديموقراطية” لا تغني ولا تسمن!

الموضوعات المرتبطة

طلقة تنوير 37

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 حزيران 2017   الأفق العربي في قرن آسيوي/ إبراهيم حرشاوي   أساطير "المحرقة" اليهودية والموقف منها/ إبراهيم علوش   قراءة في كتاب "العقل [...]

طلقة تنوير 36

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 أيار 2017   كلمة العدد: الاستراتيجية الإمبريالية الجديدة تتطلب نهجاً قومياً جديداً/ عبد الناصر بدروشي   المثقف بين العلاقات العامة [...]

طلقة تنوير 35

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 نيسان 2017   نقد الردة عن المشروع القومي العربي: مراجعة، استنتاجات وإضافات/ محمد العملة   في معيار مصلحة الأمة/ بشار شخاترة   شخصية [...]

طلقة تنور 34

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 آذار 2017   هل ما تزال الوحدة العربية حلّاً صالحاً؟/ صالح بدروشي   صعود اليمين الشعبوي في الغرب: حركة تصحيح ضمن النسق الإمبريالي؟/ إبراهيم [...]

طلقة تنوير 33 – عدد 1 شباط 2017

طلقة تنوير 33   المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 شباط 2017   ما هو الشرط التاريخي الأهم لإعادة إحياء التيار القومي؟/ إبراهيم علوش   العصر الجينومي والتلاعب بالهويات/ فؤاد [...]
2017 الصوت العربي الحر.