خط النضال والقتال وخط التسوية والتصفية في الحركة التحررية المغاربية : التناقض البورقيبي-الخطابي نموذجاً

February 22nd 2013 | كتبها

إبراهيم حرشاوي/ لائحة القومي العربي

 

ان دراسة أي تجربة مناهضة للاستعمار يجب أن تقوم على تقييم التوجهات الفكرية والسياسية للحركات التحررية التي لعبت دورا في مقارعة المستعمر، وفي ذلك لابد من الفصل بين تيارين متناقضين على أساس المقاربة التي توظف ازاء العمل التحرري.

 

فالتيار الذي يتبرقع بشعار التحرر لكنه يساوم أو يتلاعب بالثوابت هو التيار الذي يمكننا أن نطلق عليه اسم التيار المساوم، عكس التيار الذي يتمسك بالثوابت مهما اشتدت الظروف في الصراع مع المستعمر. انطلاقا من هذا التعريف الذي ناقشه المفكر ناجي علوش في كتابه الذي يحمل نفس عنوان مقالتنا سنحاول أن نحدد تيارين بارزين داخل العمل المشترك لتحرير المغرب العربي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .

 

بداية ان لجنة تحرير المغرب العربي تعتبر إحدى أهم الجبهات المغاربية التي ترجمت فيها النخبة السياسية الرغبة في العمل المغاربي التحرري المشترك الى واقع ملموس، كان ذلك بعد عودة الأمير عبد الكريم الخطابي من جزيرة لارونيون و إقامته بالقاهرة، اذ تمكن هذا الأخير من تشكيل جبهة مغاربية تتكون من أبرز تشكيلات وشخصيات الحركة التحررية في المغرب العربي بهدف توحيد الجهود الوطنية الرامية إلى الاستقلال.  ففي يناير عام 1948 أعلن الأمير عبد الكريم الخطابي عن تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي بمشاركة كل من: الحزب الحر التونسي القديم والحزب الحر التونسي الجديد وحزب الشعب الجزائري وحزب الوحدة المغربية وحزب الاصلاح الوطني وحزب الشورى والاستقلال وحزب الاستقلال.

 

و نص الميثاق التأسيسي على عدة ثوابت أبرزها:

  • · لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر

  • · لا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال

  • · حصول قطر من الأقطار الثلاثة على استقلاله التام، لا يسقط عن اللجنة واجبها في مواصلة الكفاح لتحرير بقية الأقطار.

 

وقد كان خرق البنود السابقة من قبل بعض تشكيلات وشخصيات لجنة تحرير المغرب العربي من أبرز الأسباب التي جعلت التناقضات في المواقف والاستراتيجيات تطفو على السطح، وأدت الى انقسام المقاومة المغاربية الى قسمين: قسم براغماتي يساوم على الثوابت مقابل استقلال شكلي، ومن أبرز رموزه الزعيم التونسي الحبيب بيورقيبة، وقسم ثوري جذري سيتمسك بمبدأ استئصال الاستعمار الفرنسي من جذوره يقوده الأمير الخطابي.

 

وفي هذا السياق يصبح من الضروري أن نسلط الضوء باختصار على التكوين التربوي و السياسي للشخصيتين.  فعبد الكريم الخطابي ينتمي إلى جيل من الشخصيات الوطنية ترعرعت داخل المؤسسات التعليمية التقليدية الدينية مثل ابن باديس والبشير الإبراهيمي وغيرهما من الشخصيات التي تأثرت بالفكر النهضوي – المعروفين باسم السلفية المتنورة- ، وفي المقابل كان بورقيبة ينتمي إلى فئة الذين تربوا داخل التكوين الفرنكفوني الفرنسي، وبالتالي فإن هذا الاخير باعتقادنا يفتقد جوهر المبادئ الراسخة في الحضارة العربية-الإسلامية، ويتجلى دورها الأساسي خلال الأزمات وعلى رأسها المقاومة ومناهضة الاستعمار.

 

ويظهر التناقض واضحا بين الرجلين عند رفض الخطابي للنظام الحزبي الليبرالي باعتباره آلة لتقسيم العمل الوطني، واستدخالا لصراعات ثانوية لا تخدم قضية التحرير، بينما نجد بورقيبة متأثرا بالنموذج العلماني الليبرالي الذي انعكس جليا في سياسة الفرنسة والعلمنة التي نهجتها تونس خلال حكمه.

 

أما بروز التناقض السياسي بين هذين التيارين فنلاحظه مباشرة بعد تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي،  فبورقيبة كان أول من ضرب بمبدأ “عدم التفاوض مع المستعمر” عرض الحائط، ويذكر الطاهر عبد الله في كتابه ( الحركة الوطنية التونسية ) أن بورقيبة تم فصله عن الأمانة العامة للجنة تحرير المغرب العربي بعد كشف اجتماعاته السرية مع أعضاء السفارة الفرنسية في القاهرة.

 

كما قام بورقيبة بالتمترس بالقطرية بعد إعلانه عدم إيمانه بفكرة وحدة المعركة التي كان الخطابي يركز عليها باستمرار، حيث صرح بعدم جدوى ربط قضية تونس بالجزائر كون الجزائر مستعمرة فرنسية مندمجة اندماجا كاملا مع فرنسا، بل وأضاف أن الوجود الفرنسي في المغرب الأقصى أمر ضروري بسبب العهد المظلم الذي يعيشه هذا القطر.

 

ودخل بورقيبة في مفاوضات مباشرة مع فرنسا خدمة لمصالحها في مقابل المشروع الذي قاده الأمير الخطابي الذي كان من الممكن أن يمثل الضربة القاضية بعد الضربات الموجعة التي تلقتها خلال الحرب العالمية الثانية، ذلك أن الخطابي بدأ بالتخطيط لتجهيز أطر عسكرية في المعاهد السورية و العراقية للمضي قدما في مشروع تحرير المغرب العربي.

 

و قد استنكر الخطابي بشدة انفراد بورقيبة بالملف التونسي ودخوله في مفاوضات منفردة مع الاستعمار الفرنسي ومنح تونس ما يسمى بالاستقلال الداخلي وتشكيل حكومة تونسية ترعاها فرنسا، وكانت هذه الخطوة البورقيبية الحد الفاصل بين الرجلين خصوصا بعد قيام بورقيبة بتوظيف هذا الاستقلال الأعرج – كما كان يسميه الأمير الخطابي- لمصلحة الأجندة الفرنسية التي طمحت للقضاء على جيش تحرير المغرب العربي الذي كان تحت إشراف الأمير الخطابي بشكل مباشر. ففي هذا الصدد بدأ بورقيبة بحملة نزع السلاح من جيش التحرير التونسي دون أن يحترم مبدأ الكفاح المسلح المتفق عليه في ميثاق لجنة تحرير المغرب العربي، وتشير بعض التقارير أن بورقيبة كان يحكم بالإعدام على الوطنيين الذين تمسكوا بالسلاح ومقاومة الاستعمار الفرنسي مما جعله يسيطر نسبيا على الوضع الأمني التونسي بسياسة الحديد و النار.

 

أما في القاهرة فقد اشتدت المعارضة ضد حكومة بورقيبة في تونس، فوجود الجناح الراديكالي للحركة الوطنية التونسية صحبة الأمير الخطابي وتلاحم أفكارها مع أفكاره زادت من حدة التوتر بين الجانبين، وقد تزعم التيار التونسي الراديكالي انذاك كل من: صالح بن يوسف ويوسف الرويسي وغيرهما.  ان تواجد الحركة الجذرية التونسية بجانب الخطابي مكنها من مواصلة التحريض وإعطاء التوجيهات للعناصر التي رفضت تسليم السلاح في الداخل التونسي، وبحكم تواجده في القاهرة كان السفير التونسي يتابع أعمال هذا التيار عن قرب ويطمح الى رصد معلومات عن مواقف الخطابي تجاه بورقيبة.

 

ولما زار جلاد بورقيبة الشيخ حسن العيادي القاهرة قام هذا الأخير بالتنسيق مع السفارة التونسية لاختراق صفوف الأمير الخطابي، وأعدت خطة بين الرجلين – الشيخ العيادي والسفير التونسي- هدفها أن يقوم الشيخ العيادي بالاتصال بالأمير الخطابي تحت اسم مستعار بصفته معارضا للحبيب بورقيبة، ونجح العيادي في مهمته التجسسية وقابل الخطابي تحت اسم مستعار ودارت بينهما محادثات حول مقاومة بورقيبة وإفشال مخططاته المعادية لوحدة المغرب العربي، وهكذا نجح التيار البورقيبي في توجيه ضربة موجعة للتيار الراديكالي المعروف في تونس بالتياراليوسفي، وقامت المخابرات التونسية في مرحلة لاحقة بتصفية صلاح بن يوسف جسديا في مدينة فرانكفورت الألمانية.

 

وظلت مواقف بورقيبة معادية للمد القومي بعد الاستقلال الأعرج.  على سبيل المثال نجد تونس البورقيبية تقطع علاقاتها مع الجمهورية العربية المتحدة في 15 أكتوبر 1958، لما شعرت هي الأخرى بخطورة الوضع كونها دولة تابعة لفرنسا.  وقد اتهم حبيب الشطي مندوب تونس لدى جامعة الدول العربية في 11 أكتوبر من ذات العام الجمهورية العربية المتحدة بالاستحواذ و السيطرة على الجامعة، مما يعد اندراجا في مواقف تونس تحت سياسة ايزنهاور وحلفائه المعروفين في حلف بغداد.

 

ولا يجوز نسيان دعوة بورقيبة لحل القضية الفلسطينية عبر قبول فكرة تقسيم فلسطين وفقا لقرار الأمم المتحدة في الخطاب الشهير الذي ألقاه في مدينة أريحا بفلسطين، مما يبين موقفه من القضايا المحورية العربية مرة أخرى.

 

ختاما يمكننا التأكيد مجددا على أن كل من بورقيبة و الأمير الخطابي مثلا بوصلتين متناقضتين، إحداهما تؤمن بالكفاح المسلح و طرد الاستعمار تحت وابل الرصاص، والأخرى تؤمن بالانعزال القطري والاستقلال الشكلي الذي يؤدي إلى المزيد من التبعية بجميع أشكالها.

 

ويمكن للقارئ أن يستنتج أن فرنسا وعملاءها نجحوا في تفتيت جهود الخطابي ورجاله في المغرب العربي الهادفة لتشكيل جبهة موحدة لتعميم المقاومة في كل شبر من بلدان المغرب العربي، التي كانت من الممكن أن تؤسس نواة لمغرب عربي موحد، سيكون بدوره أول بذرة لتحقيق الوحدة العربية الشاملة.

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

طلقة تنوير 36

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 أيار 2017   كلمة العدد: الاستراتيجية الإمبريالية الجديدة تتطلب نهجاً قومياً جديداً/ عبد الناصر بدروشي   المثقف بين العلاقات العامة [...]

طلقة تنوير 35

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 نيسان 2017   نقد الردة عن المشروع القومي العربي: مراجعة، استنتاجات وإضافات/ محمد العملة   في معيار مصلحة الأمة/ بشار شخاترة   شخصية [...]

طلقة تنور 34

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 آذار 2017   هل ما تزال الوحدة العربية حلّاً صالحاً؟/ صالح بدروشي   صعود اليمين الشعبوي في الغرب: حركة تصحيح ضمن النسق الإمبريالي؟/ إبراهيم [...]

طلقة تنوير 33 – عدد 1 شباط 2017

طلقة تنوير 33   المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 شباط 2017   ما هو الشرط التاريخي الأهم لإعادة إحياء التيار القومي؟/ إبراهيم علوش   العصر الجينومي والتلاعب بالهويات/ فؤاد [...]

طلقة تنوير 32: حروب الجيل الرابع

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 كانون ثاني 2017   كلمة العدد: حروب ما بعد الحداثة/ بشار شخاترة الحرب بالوكالة/ محمد العملة حروب جيل رابع، أم ثورات مضادة معاصرة؟/ إبراهيم [...]
2017 الصوت العربي الحر.