مواقف الإدارة الأمريكية إزاء الحل في سورية: تقلب أم مراجحة؟

May 13th 2013 | كتبها

بين لقاء وزيري الخارجية الروسي والأمريكي لافروف وكيري في موسكو قبل أيام، ولقاء الرئيس الأمريكي أوباما ورئيس الوزراء البريطاني كاميرون في البيت الأبيض اليوم، ثمة إشارات قد تبدو متضاربة حول موقف الإدارة الأمريكية إزاء الوضع في سورية.  فاللقاء الأول عزز قناعة كثير من المراقبين بأن الولايات المتحدة تقترب من الموقف الروسي حول سورية باتجاه الحل السياسي.  أما الثاني، فأرسل إشارات مخالفة بأن الولايات المتحدة ماضيةٌ في نهج تسعير أوار الحرب في سورية إلى ما لا نهاية وبأنها مصرة على “تغيير النظام” ودعم العصابات المسلحة في سورية.

 

وليست هذه المرة الأولى التي تتأرجح فيها الولايات المتحدة بين دعم الحرب ودعم الحل السياسي في سورية.  وقد ظهر مثل هذا التأرجح ملياً في عهد وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون من قبل،عندما اقتربت ثم ابتعدت من الحل السياسي، ولا ننسى أن اتفاق جنيف حول سورية (30/6/2012) صيغ في عهدها، ولا ننسى تصريحها في بداية شهر تشرين الثاني 2012 أن على المعارضة السورية كبح جماح “المتطرفين” الإسلامويين، الذين ادخلتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى سورية، والذي اعتبر وقتها مؤشراً بأن الولايات المتحدة بصدد تليينموقفها إزاء الحل السياسي في سورية، فقط ليزداد التصعيد العسكري والسياسي بعدها.

 

كما أنها ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها كيري نفسه من “جانبي فمه”، كما يحب أن يقول الأمريكيون لوصف من يتحدث بلغتين مختلفتين لجمهورين مختلفين.  فقبل شهرين بالضبط، في أوسلو، كان كيري يقول بأن المطلوب في سورية هو حل تفاوضي يقوم على جلوس الرئيس الأسد مع المعارضة، ووقف العنف، على أرضية اتفاق جنيف حول سورية.. وقبل ذلك  بيوم واحد فقط كانت فيكتوريا نولاند، الناطقة بلسان وزارة الخارجية الأمريكية، التي تعمل عند كيري، تقول بأن تأويل الإدارة الأمريكية لاتفاق جنيف حول سورية يقوم على استثناء من تخضبت أيديهم بالدماء من الحل السياسي في سورية… وقد كتبت وقتها بأن المقصود بهذه التهمة الباطلة طبعاً هو استثناء القيادة السورية السياسية والعسكرية والأمنية من “الحل”.

 

ولم يكد كيري يغادر موسكو قبل يومين حتى بدأت تتواتر عنه تصريحات في روما بضرورة تنحي الأسد… لتبدأ اللعبة من جديد، بما تمخض عن لقاء كاميرون مع أوباما اليوم.

 

وقد كتبت عشية تصريحات كيري في أوسلو قبل شهرين، ولامني بعض الأصدقاء وقتها لأنني لم اصفق لإعلان استسلام غير مشروط كما منى أنفسهم بعض من يفضلون التفكير الرغائبي على التحليل السياسي:  “كل ما في الأمر أن الولايات المتحدة تدير سياساتها الخارجية بطريقة “فتح الخيارات”، القابلة للتبلور بعدة اتجاهات، حسب المعطيات المستقبلية، وليس بطريقة “إما هذا الخيار أو لا شيء”.”

 

واضفت: “فالواقع هو أن الولايات المتحدة تقول الشيء ونقيضه، وتدعم الإرهاب على الأرض، فيما تترك خيار التفاوض السلمي مع القيادة السورية مفتوحاً إذا فشلت الخيارات الأخرى، على أمل أن يكون النظام السوري مرهقاً وقتها، ومستعداً لتقديم التنازلات.  وهي تدرس الموقف على الأرض أولاً بأول، ولن يكون من المستغرب أن نرى تأرجحاً أكبر في التصريحات الأمريكية إلى أن يحين الاستحقاق التفاوضي.”

 

والمادة موجودة على صفحتي على الفيسبوك وعلى موقع الصوت العربي الحر في 14/3/2013.

 

باختصار، ولمن يبحثون عن إجابة معلبة سريعة: الحل السياسي قادم، لكن بمقدار ما يحقق الجيش العربي السوري انتصارات على الأرض، وبمقدار ما تستمر القيادة السورية بالامساك بمقاليد الأمور كما تمسك بها الآن.  والحرب لم تنته بعد. 

 

أما الآن، فإن لقاء كيري-لافروف لا يمكن تقييمه بمعزل عن لقاء أوباما-كاميرون.  والولايات المتحدة تتبع سياسة تقوم على: 1) إخفاء نواياها الحقيقية، 2) اللعب على عدة حبال، 3) استيعاب ضغوط اللوبي الصهيوني والخليجي والتركي بالتدخل مباشرة في سورية، دون إغلاق ذلك الخيار بالكامل عندما تشعر أن الظروف مناسبة، 4) عدم التورط في تدخل مباشر مكلف قبل أن تنضج مثل تلك الظروف، 5) ممارسة المراجحة حتى تتضح الصورة.

 

والمراجحة، في المالية الدولية، arbitrage ، هي استغلال الفروق في أسعار صرف العملات بين بورصة دولية وأخرى لتحقيق الربح.  فالولايات المتحدة تشتري بالرخيص في هذه العاصمة، وتبيع بالغالي في تلك.  فهي تبيع المعارضة السورية للروس، وتبيع الروس للأوروبيين والخليجيين والاتراك، الذين تورطوا حتى النخاع في معركة الولايات المتحدة ضد سورية، وهي على أتم الاستعداد لبيع الخليجيين والاتراك للروس عندما يكون فرق السعر مناسباً.  وحتى وقتها، فإن فرق العملة، للأسف، يبقى دم الشعب العربي السوري. 

 

أما الآن، فإن الخطوة الوحيدة التي يمكن أن تسرّع هذه العملية أكثر من غيرها هي فتح جبهة الجولان للمقاومة الشعبية العربية، التي لا يتحمل النظام السوري مسؤوليتها، بالباع والذراع، لكي يعيد اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة حساباته جيداً.   فمن دامت القوى الإقليمية والدولية المعادية تعمل منذ أكثر من عامين على إضعاف سيطرة الدولة المركزية على الجغرافيا السورية، فإن أحداً منها لا يستطيع أن يحملها  مسؤولية انطلاق عمليات عسكرية ضد العدو الصهيوني من قوى لا يعرف أحد هويتها بالضبط!  وهي فرصة تاريخية لا تعوض لتحرير الجولان فعلاً… والضربات الصهيونية تتلاحق بأية حال.

 

إبراهيم علوش

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=655020764515162&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]

وثيقة حماس الجديدة

بمناسبة صدور وثيقة حماس الجديدة التي تتبنى فيها رسمياً فكرة "الدويلة" ضمن حدود الـ67، نرى أن الخلل في برنامج حماس لم يبدأ مع هذه الوثيقة، بل سبقه خطاب خالد مشعل في دمشق عام 2009، رداً على خطاب [...]
2017 الصوت العربي الحر.