من فكرنا القومي الجذري: “القومية”، “الأمة”، و”الوحدة”… مفاهيم أساسية

June 5th 2013 | كتبها

 

لا يكون المرء قومياً عربياً حقاً إلا إذا آمن بوحدة الأمة العربية…

 

فماذا تعني القومية؟  وما هي الأمة؟  ولماذا يعتبر القوميون أن الوحدة العربية مشروعهم التاريخي؟

 

نقول القومية، نسبةً إلى قوم، وهي كلمة وردت مئات المرات في القرآن الكريم.  فنقول قومي بمعنى المنتسب لقومه، كما نقول دمشقي بمعنى المنتسب لدمشق، أو مقدسي بمعنى المنتسب للقدس، أو إنساني نسبةً إلى إنسان. 

 

أما القومية، كمصدر مشتق، فتأخذ معنيين، الأول، وهو الأهم، يعني الرابط أو الحبل غير المرئي الذي يشد مجموعة من الناس إلى بعضهم البعض، تمييزاً لهم عن غيرهم.  فنقول مثلاً: القومية العربية أو القومية الصينية أو الفارسية أو الفرنسية الخ…

 

أما المعنى الثاني للقومية فيقصد بها المذهب السياسي الذي يبني مواقفه ورؤاه وعمله السياسي على المصلحة القومية.  والقومية العربية كمذهب تتألف من مدارس متعددة، فمنها الناصري ومنها البعثي ومنها القومي الإسلامي ومنها القومي اليساري، بالإضافة لعدد ضخم من القوميين المستقلين الذين يتبنون مزيجاً من أفكار هذه المدارس.  وقد طورت لائحة القومي العربي مثلاً منهجاً قومياً يقوم على الاستفادة من أفضل ما أسهمت به المدرسة الناصرية والبعثية والقومية اليسارية والقومية الإسلامية…

 

وكثيراً ما يتم الخلط ما بين القومية كرابط أو كحقيقة موضوعية، لا يملك أن ينكرها حتى من لا يتبنون المذهب القومي، وبين القومية كمذهب سياسي قد يختلف معه المرء أو يتفق.  وللأسف يحاول البعض أن ينكر وجود القومية العربية كحقيقة تاريخية بسبب موقفه السلبي من هذا التيار أو الشخصية القومية أو تلك… وهو ما يمثل تمريناً في المواربة في علم المنطق، من خلال تطبيق قاعدة منطقية على رديفها اللغوي أو اللفظي، كالقول مثلاً: النور شفاف، إذن صديقي نور شفاف!  

 

والحقيقة أن الأساس في المذهب القومي هو الوجود المادي للقومية كحقيقة موضوعية، وليس العكس، ففشل هذا التيار أو الشخصية القومية أو تلك، لا يعني أن المذهب برمته فاشل، ناهيك عن اعتبار القومية العربية غير موجودة.  مثلاً: سماح السلطان عبد الحميد الثاني لليهود بالاستيطان بفلسطين وشراء الأراضي وإقامة المستعمرات فيها لا يعني فشل الإسلام، ولا انهيار الاتحاد السوفييتي يعني فشل الفكرة الاشتراكية.

 

المهم، ثمة رابط بين القومية كوجود والقومية كمذهب.  فالرابط القومي عندما يكون غير مُدركاً يسمى حساً قومياً، وعندما يصبح مُدركاً يسمى وعياً قومياً، والفعل السياسي المنطلق من حس قومي ينتج تعاطفاً شعبياً عربياً غريزياً مع ثورة الجزائر ضد الفرنسيين مثلاً، أو مع تأميم قناة السويس، أو مع الثورة الفلسطينية، أو العراق تحت الحصار، أو مع سورية اليوم.  أما الفعل السياسي المنطلق من وعي قومي فيصبح عملاً قومياً بكل ما تحتمله الكلمة من معنى، بمقدار ما تعكس الممارسة السياسية من وعي قومي.  وفي الحالتين، نكون قد دلفنا باتجاه المذهب السياسي القومي.

 

الأمة؟  الأمة جماعة من الناس تجمعها صفات مشتركة.  وفي اللغة العربية لا يقتصر استخدام تعبير أمة على الجماعة القومية، كما في كتاب كليلة ودمنة مثلاً، حيث استخدم في وصف فئات من الحيوانات أحياناً، وكثيراً ما تقال كلمة أمة بمعنى غير قومي في اللغة العربية، مثلاً، أمة العجم، أمة الإسلام، أمة لا إله إلا الله… لكنها تستخدم بمعنى قومي أيضاً: أمة الروم، أمة الفرس، أمة الترك، كما في أعمال الكتاب والشعراء العرب في العصر العباسي…  لكن العرب أدركوا وجودهم كأمة مبكراً، كما في خطاب حاجب بن زرارة التميمي، قبل الإسلام، في وفد النعمان بن المنذر لكسرى ملك الفرس: إن العرب أمةٌ قد غلظت أكبادها، واستحصدت مرتها، ومنعت درتها… وهي العلم مرارةً والصلب غضاضةً والعسل حلاوةً والماء الزلازل سلاسةً نحن وفودها إليك وألسنتها لديك… الخ…

 

وقد اختلف علماء الاجتماع السياسي على تعريف الأمة، بمعنى الجماعة القومية، فمنهم من ركز على اللغة المشتركة، ومنهم من ركز على الأرض المشتركة، ومنهم من تبنى منهجاً “إرادوياً” يعتبر الأمة نتاج “قرار” أي جماعة من الناس أن تصبح أمة، كما في حالة الكيان الصهيوني اليوم وبعض من ينظرون لنشوء “أمة إسرائيلية”… لكن الأمة العربية تتميز بتكامل عناصر وجودها التي اختلف عليها العلماء.  فلديها لغة مشتركة، هي اللغة العربية، وحدود جغرافية طبيعية مشتركة من جبال طوروس وزاغروس في الشمال الشرقي إلى الصحراء العربية الكبرى التي تفصلنا عن أفريقيا، إلى البحر المتوسط الذي يفصلنا عن أوروبا، إلى المحيط الأطلسي الذي يفصلنا عن القارة الأمريكية، إلى المحيط الهندي.  كما لدى العرب صفات ثقافية مشتركة، يشكل الإسلام عنصراً أساسياً فيها منذ 1400 سنة، ولدى العرب تاريخاً مشتركاً، ومصلحة قومية مشتركة.

 

باختصار، الأمة هي علاقة عضوية تكونت عبر الزمن بين الأرض والجماعة.

 

الآن هذه الأمة الواحدة لا بد لها أن تعبر عن نفسها سياسياً في إطارٍ واحد، أسوة ببقية الأمم على الأرض، وهذا الإطار ليس سوى الدولة القومية، أو دولة الأمة.  ومن هنا يلتزم القومي التزاماً صارماً بمفهوم الوحدة.  وهذا ليس مجرد شعار.  فالوحدوي لا يعترف بالحدود بين الاقطار العربية، بل يعتبر الوطن العربي برمته وطنه، ويعتبره ملكية جماعية لأبناء الأمة العربية، بأجيالها السابقة والحالية وتلك التي لم تولد بعد.. 

 

والوحدوي لا يقبل أن يقتصر عمله السياسي على قطر عربي واحد، ولا يبني احكامه على مصلحة هذا القطر أو ذاك فحسب، بل على رؤية قومية، على مصلحة الأمة، وهي نقطة الضعف التي شابت مواقف وسياسات بعض الأحزاب القومية التي وصلت للسلطة في هذا القطر العربي أو ذاك.  والقومي الذي يضيّع بوصلة مصلحة الأمة يتحول تدريجياً إلى قطري أو إقليمي… أي إلى مدافع عن القطر الذي رسم حدوده الاستعمار.

 

والوحدوي يؤمن بوحدة الشعب العربي، لا وحدة الأرض العربية فحسب، فهو يحارب بضراوة أي نزعات تفكيكية تفرق شركاء الوطن مثل سني-شيعي، مسيحي-مسلم، كما يحارب نزعات التفكيك العرقي مثل عربي-زنجي أو عربي-أمازيغي… ويعتبر كل العرب مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات.  وأن وجود أقليات من أي نوع لا ينفي وجود الأمة، وقليلة هي الأمم التي لا توجد فيها أقليات. 

 

والوحدوي يحارب أي نزعة انفصالية في أي قطر عربي ولو بذريعة وجود حكم ظالم أو تابع.  مثلاً، الوحدوي لا يمكن أن يقبل بانفصال الصحراء الغربية عن المغرب. 

 

أخيراً القومي والوحدوي لا يستخدم مصطلحات مضللة ومشوشة.   مثلاً، نقول الوطن العربي، وليس العالم العربي، لأن العالم تميّع الروابط العضوية بين أجزاء الوطن العربي المختلفة.  ونقول الشعب العربي، وليس الشعوب العربية، لأننا أمة واحدة، فنحن شعب واحد، لا شعوب. 

 

وليست بنا حاجة للتأكيد أن الوحدة مشروع يصنعه الشعب العربي وقواه الوحدوية، بمعنى أن الصيغ الرثة مثل الجامعة العربية التي أسسها الاستعمار البريطاني ليست صيغاً وحدوية، بل صيغٌ لترسيخ التجزئة.  والوحدة التي ننشدها ليست وحدة رسمية للأنظمة العربية، بل لا تتم الوحدة إلا على حساب بنى التجزئة، ومنها الأنظمة العربية التي تقف عائقاً في وجه الوحدة.   ومن البديهي أن الوحدة لا تتم برضى هؤلاء بل رغماً عنهم.

 

أبو ذر القومي

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=624246264254222&set=a.419967428015441.105198.419327771412740&type=1

 

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.