من فكرنا القومي الجذري: ما هي الثوابت القومية؟ ومَن قررها كذلك؟

June 18th 2013 | كتبها

 

يلغو كثيرون بتعبير “ثوابت” يمنة ويسرة، أحياناً للتغطية على ممارسات ومواقف سياسية تناقض مصلحة الأمة، ولا تمت للثوابت بصلة، فما هي الثوابت عامةً؟  وما هي الثوابت القومية خاصة؟  ومن قرر أن الثوابتَ ثوابتٌ؟  وهل هناك فعلاً مقاييس للموقف السياسي يمكن الاحتكام إليها بغض النظر عن اختلاف الرؤى ووجهات النظر الفردية؟

 

لإيضاح ماهية الثوابت، لا بد أولاً من كلمة عن معناها وتطبيقاتها.   

 

ففي الجبر مثلاً تتألف المعادلات عادة من ثوابت ومتغيرات.  أما المتغيرات، فهي تلك التي تتخذ قيمة مختلفة حسب اختلاف الشخص والزمان والمكان.  مثلاً، علامة طالب في الامتحان النهائي من شعبة من خمسين طالباً من المتغيرات، لأنها تحتمل قيمة مختلفة حسب الطالب.  أما طول شجرة نخيل بالسنتيمترات في صف من عشرة اشجار متجاورة فمن المتغيرات، لأن ذلك المتغير (طول الشجرة) يحتمل قيمة مختلفة حسب الشجرة.  وكذلك فإن قيمة الناتج المحلي الإجمالي لدولة من الدول من المتغيرات، أو نسبة طول الشواطئ للمساحة البرية الإجمالية في تلك الدولة، أو عدد السكان، الخ…

 

أما الثوابت، فلا تحتمل إلا قيمة واحدة، أو عدداً محدداً من القيم، مثلاً، درجة حرارة غليان الماء، أو تجمده، أو ميل خط مستقيم، أو السعة القصوى من الماء لوعاء بلاستيكي، الخ… وقد نعرف قيمة ذلك الثابت وقد لا نعرفه، ولكننا متى عرفناه فإنه يحتمل قيمة واحدة فحسب، أو فترة محددة، أو قيماً محددة، والمهم هنا هو كلمة محددة، بمعنى أن تلك القيمة لا تختلف مع كل مفردة من العينة أو المجتمع.

 

وثمة متغيرات كمية، أي قابلة للقياس رقمياً، مثلاً عمر القارئ الكريم أو نمرة رجله، وثمة متغيرات كيفية، أو نوعية، وهي التي يصعب قياسها رقمياً (ولا يستحيل)، مثلاً، الحالة النفسية أو الثقافية للإنسان.

 

وتتميز المتغيرات في الحياة الاجتماعية والسياسية والنفسية، مقارنة بمتغيرات العالم الفيزيائي أو الطبيعي،  بغلبة الطابع الكيفي أو النوعي عليها.  فلو أخذنا خريطة التحالفات السياسية في بلدٍ ما في لحظة ما، فإن ذلك يعتبر متغيراً سياسياً.  وكذلك يعتبر ميزان القوى العربي-الصهيوني من المتغيرات، أو درجة تماسك القاعدة الشعبية لحركة الإخوان المسلمين في الوطن العربي.

ومثل تلك المتغيرات لا تتحرك كيفما اتفق، بل تحكمها معادلات تعبر عن قوانين حركة الصراع أو الظواهر السياسية بشكلٍ عام. 

 

وكما توجد متغيرات سياسية، كذلك ثمة ثوابت سياسية هي عبارة عن قيم (سياسية هذه المرة) لا تختلف ضمن مرحلة تاريخية محددة طويلة أو قصيرة.  مثلاً، أي شعب يقع تحت احتلال، في أي مكان من الكرة الأرضية، يصبح من ثوابته أن من يتعامل من أفراد ذلك الشعب مع الاحتلال هو خائن ويجب التعامل معه على هذا الأساس، وينتج عن ذلك اعتبار التطبيع انتهاكاً للثوابت.  ومثلاً، الأمة التي تتعرض لتجزئة مفروضة عليها من الخارج من أجل أضعافها، وإبقائها في حالة من التخلف والتبعية، يصبح من ثوابتها رفض حالة التجزئة، ومن المؤكد أن ثوابتها ستتضمن رفض أية محاولة لفرض المزيد من التجزئة على تلك الأمة من خلال الفتن والحروب الطائفية أو الاثنية وما شابه، وينتج عن ذلك بالضرورة اعتبار الطائفية انتهاكاً للثوابت.   وإذا اعتبرنا أي أمة حريصة على سيادتها الوطنية وعلى وحدة أراضيها، فإن القبول بالتدخل الأجنبي يصبح انتهاكاً للثوابت، وكذلك التفريط بأي أرض لقوة خارجية.

وقد يبدو مثل هذا الكلام بديهياً، وهو كذلك فعلاً، بشرط أن ننطلق من مقدمة محددة هي مصلحة الأمة.  فالثوابت يمكن اشتقاقها علمياً إذا بدأنا من نفس المقدمات.  وتحدي العلم يكمن بالضبط في قدرته على إنتاج نفس النتائج لنفس التجارب تحت نفس الظروف.  فإذا ثبتنا مثلاً ظروف الضغط الجوي ونقاء الماء وما شابه، فإن درجة غليان الماء تصبح واحدة في الصين وفي كندا وفي جنوب أفريقيا، واليوم وغداً والبارحة، والدليل هو تحدي العلم: لو كرر التجربة أي شخص في أي مكان في أي وقت تحت نفس الشروط، فإنه سيحصل على نفس النتيجة. 

 

كذلك فإن الثوابت القومية لا بد أن يصلها نفس الأشخاص ما داموا ينطلقون من نفس المقدمة، وهي مصلحة الأمة، ويفكرون بإخلاص بما يحقق تلك المصلحة، وما لا يحققها، تحت الظروف التاريخية المحددة.   من هنا نصر في لائحة القومي العربي أن الثوابت التي تضبط معادلة الموقف السياسي الواجب اتخاذه إزاء المتغيرات السياسية الجارية لا بد أن تكون واحدة، ولا يعني ذلك أن الموقف السياسي يكون جامداً أو دوغمائياً، بغض النظر عن التطورات، بل يعني أن الموقف السياسي تضبطه تلك الثوابت.  فنحن في لائحة القومي العربي لنا موقف مبدئي مثلاً من الدور الإيراني في الإقليم، من منطلق الحرص على السيادة والهوية القومية العربية، لكن مصلحة الأمة كما تتجلى في التناقض الرئيسي مع الطرف الأمريكي-الصهيوني في سورية، حيث تدور معركة الأمة الأساسية حالياً، تفرض علينا أن نركز على التناقض الأخطر والأهم في سورية، وبالتالي تفرض علينا تجميد التناقض مع إيران، مع الالتزام بضابط، أو بثابت، عروبة كل الأرض العربية من سبتة ومليلة حتى الأحواز، أي بالعربي، دون أن نذوب في الحليف الذي لا يذوب فينا أصلاً…

 

أما إذا انطلقنا من مقدمة أخرى، مثلاً مصلحة الفرد، أو مصلحة الطائفة، أو مصلحة قطر عربي واحد، فإن النتائج ستختلف طبعاً.  مثلاً،  العميل والخائن والمطبع والمتعاون يفكر بتحقيق مصلحته على حساب مصلحة الأمة، وكذلك يفعل من يفكر بتحقيق مصلحة طائفة أو اقلية عرقية أو قطر عربي على حساب مصلحة الأمة.  والخلل هنا هو اختلاف المقدمة، وليس اختلاف وجهات النظر.  فتسليم خلية مقاوِمة أو مخزن أسلحة للعدو الصهيوني ليس “وجهة نظر”، إلا إذا غيبنا الفرق في المقدمة… وغالباً ما يجد من يتعاون مع قوى الهيمنة الخارجية لتحقيق مصلحته الجزئية على حساب مصلحة الأمة أن مثل ذلك التعاون ينقلب على رأسه عاجلاً أو آجلاً.

 

والعكس صحيح، فالانحراف عن الثوابت دليل على الانحراف عن بوصلة مصلحة الأمة، باتجاه مصلحة الفرد أو الطائفة أو القطر، إذا افترضنا سلامة التحليل المنطقي.

 

ونضيف هنا أن الثوابت القومية ليست هي نفسها الأهداف القومية (مثلاً الوحدة والتحرير والنهضة) أو عناصر الإستراتيجية القومية (مثلاً تأسيس حركة شعبية عربية منظمة)، بل هي الضوابط التي تحفظ الموقف السياسي والممارسة السياسية من الانحراف والشطط، فهي عبارة عن خطوط حمراء تحفظ من الزلل، أشبه بالسور الحديدي أو الحجري الموضوع على حافة طريق لكي لا تقع السيارات والمارة منه بخطأ في التقدير.

 

أما الثوابت القومية التي اقرتها لائحة القومي العربي في عدة لقاءات، فيأتي على رأسها طبعاً عدم الاعتراف بحدود التجزئة بين الاقطار العربية وكل ما يتمخض عنها، بالإضافة إلى:

1)    عروبة كل الأرض العربية من سبتة ومليلة حتى الأحواز، ومن الإسكندرون حتى صحراء أوغادين،

2)    رفض التعامل مع أعداء الأمة وكل مشاريعهم السياسية وغير السياسية (المشاريع التسووية مثلاً ومنظمات التمويل الأجنبي)،

3)    التأكيد على الهوية الحضارية العربية-الإسلامية للوطن العربي، ولا يستثني ذلك المسيحية الشرقية طبعاً، حيث نعتبر كل ابناء الوطن ابناء ثقافة عربية واحدة يشكل الاسلام المتنور العروبي مظلتها،

4)    اعتبار اليهود في فلسطين قاعدة المشروع الصهيوني بغض النظر عن أية نوايا أو رغبات إنسانية أو يسارية،

5)    الالتزام بنهج المقاومة في الموقف السياسي والممارسة العملية.

 

وينتج عن ذلك أن كل ما يخالف أي بند أعلاه هو انتهاك للثوابت.

 

أبو ذر القومي

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=630142590331256&set=a.419967428015441.105198.419327771412740&type=1

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.