المبادرة الروسية: حركة خلفية للحصان لحماية القلعة والجنود

September 10th 2013 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

 

البناء 11/9/2013

 

كنت قد أشرت في مقالة سابقة في “البناء” في 28/8/2013 بعنوان “مسألة السيادة القومية والمحققون الدوليون” إلى أمرين:

 

– أولهما أن المطلوب من لجنة التحقيق الدولية في استخدام السلاح الكيماوي في سورية هو التأسيس لانتهاك سيادة سورية من خلال “تحويل لجنة التحقيق إلى لجان تفتيش، كما في العراق سابقاً، تمتلك صلاحيات الذهاب والإياب والدخول والخروج من وإلى أي منشأة مدنية أو عسكرية سورية، بدون إذن من السلطات السورية”،

 

– وثانيهما أن الهدف الأمريكي-الصهيوني من إثارة قضية السلاح الكيماوي في سورية، بعد إثارتها في العراق من قبلُ، هو تجريد دول المنطقة من أي سلاح إستراتيجي يمكن أن يخل بميزان القوى مع الكيان الصهيوني، وبسبب هذا بالذات، لن ترتاح أية لجنة تحقيق دولية في استخدام السلاح الكيماوي حتى يتم تجريد سورية من كل أسلحتها الاستراتيجية، لا الكيماوية منها فحسب”.

 

وهو ما يشكل جزءاً من إستراتيجية الولايات المتحدة وحلف الناتو لتركيع ونزع السلاح الاستراتيجي لكل الدول المستقلة والخارجة عن طوعها في العالم، لا سورية فحسب.

 

وقد قفز بان كي مون، ممثل الخارجية الأمريكية في الأمم المتحدة، على المقترح الروسي ليطالب فوراً بتأسيس مناطق تشرف عليها الأمم المتحدة داخل سورية بذريعة التخلص من السلاح الكيماوي، وهو ما يكرس فكرة انتهاك السيادة الوطنية أعلاه.

 

وعليه بدت المبادرة الروسية التي اطلقها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والتي وافقت عليها  سورية مبدئياً على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم، لدى كثير من المناهضين للإمبريالية الأمريكية ومشاريعها في سورية، وكأنها تمثل خضوعاً لمنطق الغطرسة والهيمنة الأمريكي، في الوقت الذي كانت  تتصاعد فيه دعوات شن عدوان كاسح على سورية وتتزايد الحشود العسكرية الأمريكية مقابل سواحلها. 

 

ذاك ما أصاب بعض أنصار سورية بشيء من الاحباط والضيق إزاء ما اعتبروه ضعفاً في الحليف الروسي وما قد يتم طبخه في الظلام… وفي الآن عينه اندفع فوراً بعض من وقفوا مضطرين ومحرجين مع القيادة السورية – لكي لا يقفوا علناً مع التحشيد الأمريكي-الصهيوني-الخليجي على سورية – لاستغلال هذه الفرصة “الثمينة” لكي يهاجموا القيادة السورية من موقع “الحريص على سلاح الأمة”، والرفض المبدئي للتنازل عنه، على ما زعموا، وهي مناورة لفظية مكشوفة سبق استخدامها أيضاً مع القيادة العراقية بعد اضطرارها القبول بالالتزام بالقرارات الدولية المجحفة القاضية بتفكيك سلاح العراق الاستراتيجي.

 

أما الإحباط الذي قد يصيب المخلصين لسورية من فكرة اضطرارها للتخلي عن سلاحها الكيماوي فمفهومٌ ومشروعٌ، ولا يمكن لأي سوري أو عربي مخلص أو مناهض للإمبريالية في العالم إلا أن يشعر بالضيق من مثل تلك الفكرة فيما يمتلك الكيان الصهيوني مئات الرؤوس النووية، وغيرها من الأسلحة الكيماوية والجرثومية وغير التقليدية، وفيما يرفض الكيان الصهيوني والولايات المتحدة التوقيع على معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية! 

 

فإذا اضفنا لذلك حقيقة كون سورية تحت وطأة التهديد المباشر بالعدوان الأمريكي عليها، والصهيوني، وما برح يقوله الكوريون الشماليون، بناء على تجربتي العراق وليبيا بتفكيك سلاحهما الاستراتيجي، بأن ذلك يفتح الباب بشكلٍ أكبر أمام احتمال مهاجمة الدول المستقلة التي تقبل بنزع سلاحها من قبل الإمبريالية، فإن ضيق المخلصين المحبين لسورية يصبح مفهوماً أكثر… وهو ما لا بد التعامل معه بكل جدية، لأن رصيد سورية من الدعم الشعبي المحلي والعربي والعالمي تزايد كثيراً في خضم التهديد بالعدوان عليها، وهو ما يتوجب المحافظة عليه وتعزيزه، فيما تحاول الإمبريالية وحلفاؤها “تنفيسه”.

 

بدايةً لا بد من القول أن المقترح الروسي ما برح مقترحاً، وان غرض ذلك المقترح هو “تنفيس” التعبئة النفسية والإعلامية والنيابية للحرب في الولايات المتحدة.  وقد أثمر فوراً بتأجيل تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي حول تخويل الرئيس أوباما بتنفيذ عدوان على سورية.  كما أنه أثار جنون فصائل العصابات المسلحة في سورية، ورعاتها الخليجيين والاتراك وغيرهم، فاعتبروه مناورة و”كذبة” الخ…

 

كما أن المقترح الروسي وضع الإدارة الأمريكية واللوبي الصهيوني في حالة دفاعية سياسياً.  ومع أنه، كمبادرة سياسية، قد لا يكون كافياً لمنع العدوان، فإنه يفقده المشروعية أكثر بين من يقفون ضده وضد النظام السوري في آنٍ معاً خاصة في أوروبا التي لم تندفع لتأييد العدوان باستثناءات قليلة.  وقد اضطر أوباما وعدد من المسؤولين الأمريكيين للتعامل مع المقترح الروسي بجدية، بالرغم من تشكيكهم العلني فيه.  كذلك اصطاد المقترح الروسي تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في لندن، عندما سئل إن كان هناك أي شيء يمكن أن يقوم به النظام السوري لتجنب الضربة فأجاب أن بإمكانه تسليم سلاحه الكيماوي الأسبوع المقبل، مما دفع ناطقة باسم الخارجية الأمريكية، بعد المبادرة الروسية، لتفسير تصريح كيري بأنه جاء بشكل “مجازي”، ولم يقصده حقاً!

 

أي أن المقترح الروسي وضع زمام المبادرة بيد روسيا، فهو يعني أن محاولة تحجيم الدور والتواجد الروسي شرق المتوسط قد اصيبت بنكسة، لكنه مقترح يراهن على إعطاء أوباما سلماً ينزل به عن الشجرة التي صعد إليها وهو يردد علناً أنه غير واثق على الإطلاق من تصويت الكونغرس لمصلحة مشروعه العدواني على سورية.

 

إذن كل ما لدينا حتى الآن هو مقترح روسي، يمكن وصفه بأنه مناورة سياسية هجومية لتجنيب طرفي المعادلة آثار حرب مدمرة يعرف الجميع كيف ستبدأ، ولا يعرف أحد كيف ستنتهي، وهي مناورة تشق معسكر الخصم وتضعف زخمه العدواني، مقابل جزرة وضع السلاح الكيماوي السوري تحت الإشراف الدولي، والبعض يذهب إلى أن المبادرة الروسية تتضمن تفكيك ذلك السلاح لا الرقابة عليه فحسب. 

 

فرنسا من جهتها طرحت مشروع قرار في مجلس الأمن يذهب أبعد كثيراً مما اقترحه الروس، خوفاً بالتحديد من أن تكون المبادرة الروسية مجرد مناورة سياسية أو “تكتيك للتمويه” كما المح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وسعياً لإجهاض المبادرة الروسية إذا رفض الروس والصينيون المصادقة على القرار.  

 

لكن في النهاية يبقى العنصر الرئيسي في المعادلة هو موضوع السيادة القومية.  فالإمبريالية والصهيونية لا تعقد معاهدات واتفاقيات مع دول متماسكة ذات سيادة وقرار مستقل إلا مضطرتين، ولذلك تسعيان لتفكيك الدول العربية وإضعافها بشتى السبل، لأن مشروع التسوية السياسية مع العدو الصهيوني ليس سوى مشروع فرض الاستسلام غير المشروط على دول مهلهلة. 

 

وما دامت القيادة السورية متماسكة، وما دامت القلعة صامدة، وبقية احجار سورية واقفة في الميدان، فإن السلاح الكيماوي يمكن أن نخسره وأن نستعيده وهو ما لا يعني الهزيمة على الإطلاق، ولو أنه ليس مدعاة للفرح أيضاً.  المؤكد الآن أن القيادة السورية لن تفرط بالسلاح الاستراتيجي كيفما اتفق، كما يدل كلام المعلم في روسيا بأن الموافقة على المبادرة الروسية مرهون بالتراجع عن تهديد سورية، ولا يمثل استسلاماً غير مشروط كحال الدول المهزومة  فاقدة الإرادة والقدرة والتماسك.  فسورية ليست مهزومة، إنما تلاحق العيار لباب الدار، حتى يصبح عدوانه بلا غطاء، أما بعد ذلك، فإن العبرة تبقى في طبيعة الاتفاق الذي يعقد، إذا عُقد اتفاقٌ، وقدرة سورية، بصراحة تامة، على التملص منه…   مع التذكير، بالضرورة، بأن التخلي عن السلاح الاستراتيجي يزيد من احتمالية العدوان على المدى البعيد، وكلنا ثقة بأن القيادة السورية تأخذ ذلك بعين الاعتبار جيداً، وبأنها لن تقبل باتفاق يتجاوز على السيادة الوطنية.

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=720705791279992&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1

 

 

 

 

 

 



 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

خطوة ريما خلف مشاكَسة رسمية عربية من تحت السقف

لا يمكن فهم ما قامت به ريما خلف من كشف لـ"العنصرية الصهيونية" في "المحافل الدولية"، بمعزل عن توجهات النظام الأردني، خصوصاً بعدما خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية ووزير الإعلام محمد [...]

في الفرق ما بين الإرهابي التكفيري والمقاوِم الوطني:

من المؤسف أن نضطر لتبيان الفروق بين الإرهابي التكفيري والمقاوِم الوطني، لكن صور التفجيرات العشوائية وقطع الرؤوس والتفنن في أساليب القتل واستباحة ال والأوطان، والخطاب الطائفي المسعور، [...]

مشروع لربط الكيان الصهيوني بسكك حديدية مع الدول الخليجية عبر الأردن

  في شهر تشرين أول 2016 أعلن الكيان الصهيوني عن تدشين خط سكة حديد بيسان-حيفا بتكلفة مليار دولار، الذي كان جزءاً من سكة حديد الحجاز قبل 112 عامأً، وقال بوعز تسفرير، المدير العام لشركة قطارات [...]

قراءة في قرار ترامب بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الولايات المتحدة

زعم إدارة ترامب أنها حظرت مواطني سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان وإيران من دخول الولايات المتحدة لمنع الإرهاب  يصعب أن يصدقه أي متابع عاقل بالنظر إلى أن: معظم تلك الدول (ما [...]

هراء تسووي وتطبيعي في مسودة الدستور الروسي الجديد

بالإضافة إلى نزع عروبة سورية، وتكريس نظام تمثيلي يقوم على المحاصصة الطائفية والمناطقية، يبدو أن مسودة الدستور الروسي الجديد مخترقة صهيونياً.  لاحظوا المادة الثامنة من ذلك الدستور كما [...]
2017 الصوت العربي الحر.