عن الإمبريالية: تطورات علاقات الإنتاج في التسعينات وما تلاها

November 1st 2013 | كتبها

 

 

د. إبراهيم علوش

 

مجلة “راديكال” 1/11/2013

 

إنّ التطور الرهيب الذي طرأ على قوى الإنتاج، خاصة في ميادين الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا المتطورة، فرض تغييرا على تنظيم المنشأة الإنتاجية نفسها، فأصبحت تنتج على صعيد عالمي، بعدما كانت تبيع المنتجات وتستخرج المواد الأولية على صعيد عالمي.

 

يقول د. محمد محمود الإمام في هذا الصدد، إنّ ثمة علاقة وطيدة بين مستوى تطور قوى الإنتاج وتنظيم المنشأة الصناعية، ودور الدولة في الاقتصاد. ففي المرحلة الأولى للنظام الرأسمالي، إبّان الثورة الصناعية وبعدها، كان حجم المنشأة الصناعية صغيرا، وكان دور الدولة ينحصر بتوحيد السوق القومية وحماية الصناعة المحلية من المنافسة الأجنبية وإرساء البنية التحتية للاقتصاد والحصول على المواد الأولية من الخارج. في المرحلة الثانية، عندما فرضت عملية تطور قوى الإنتاج نشوء الصناعات الكبيرة والثقيلة، ظهرت الاحتكارات، وتحولت المنشآت الإنتاجية إلى شركات مساهمة ضخمة، ثم برزت رأسمالية دولية، حيث تتحد الدولة بالاحتكارات، ونشأت دولة الرفاه التي سعت إلى توسيع أسواق الصناعة الكبيرة في الخارج من خلال الإمبريالية، وفي الداخل من خلال رفع مستوى المعيشة. أما في المرحلة الثالثة، التي بدأت في السبعينات وتبلورت في التسعينات، فإنّ عابرات القارات والقوميات من الشركات العملاقة، أصبحت تحتاج إلى “الخروج عن نطاق الحدود الجغرافية للدولة، فلم تكتف فيها بقدرتها على الالتفاف على الدولة والتملص مما يمكن أن تفرضه عليها من قيود، بل سعت إلى احتواء الدولة وتسخيرها لخدمتها، فإذا بها تقنع بدور “مدبرة المنزل” (House Keeper)”. (د. محمد محمود الإمام، من كتاب “العولمة والتحولات المجتمعية في الوطن العربي”، مكتبة مدبولي، مصر، 1999، صفحة 88).

 

باختصار، إنّ التوجه العالمي الذي تتبناه القوى الأساسية الفاعلة في النظام الدولي، الذي ينادي بالحرية الكاملة لحركة البضائع ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الدولية دون قيود ولا عراقيل، ساهم بوضع مسألة سيادة الدولة القومية على أراضيها، ومسألة الانتماء الوطني التي تعطيها المشروعية، موضع التساؤل والتشكيك. وقد ترافق هذا الاختراق لسيادة الدولة الوطنية أو القومية مع تبنّي توجّهات تضعف من دور الدولة في الاقتصاد سواء من حيث دورها في التنمية أو من حيث دورها في الرعاية الاجتماعية لمواطنيها. وهذا هو بالضبط معنى تطبيق برامج “التصحيح الاقتصادي” و”إزالة الاختلالات الهيكلية” في دول العالم الثالث، بعدما بدأ تطبيق ما يوازي هذه البرامج أولا على يد مارغريت تاتشر في بريطانيا، ورونالد ريغان في الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية الثمانينات.

 

بيد أنّ هذا التوجّه لا يحدوه فقط تطور تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات والمعلوماتية وعولمة المنشأة الإنتاجية نفسها، كما أسس د. محمد محمود الإمام أعلاه، مما أدى إلى تحوّل الاحتكارات الوطنية إلى شركات متعدية الحدود. فعلى عكس ما يفترضه الدكتور صادق جلال العظم في كتاب “ما العولمة؟” (الصادر عن دار الفكر في دمشق عام 1999)، إنّ الجانب الأساسي للعولمة لا يتلخص كنهه بعولمة المنشأة الإنتاجية، رغم أهمية هذه الظاهرة واتساعها في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. فالمنشأة الإنتاجية، أي الصناعة بشكل عام، وقعت منذ أمد بعيد في النظام الرأسمالي في قبضة رأس المال المالي الذي أصبح بذلك يتربع على عرش النظام بأكمله. فإذا كانت المسألة الأساسية في علاقات الإنتاج في النظام الإقطاعي هي: من يسيطر على الأرض؟، وإذا كانت المسألة الأساسية في علاقات الإنتاج في المراحل الأولى من النظام الرأسمالي هي: من يسيطر على الصناعة؟ فإنّ المسألة الأساسية في هذا الطور من الرأسمالية هي: من يسيطر على رأس المال المالي، الذي يسيطر على الصناعة ومنشآتها الإنتاجية وباقي قوى الإنتاج بالتعريف.

 

إنّ الجانب الأساسي للعولمة اليوم هو تحوّل رأس المال المالي بفعل تطور تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات والمعلوماتية إلى:

 

1)                 رأس مال عابر للحدود، وهذا الجانب من العولمة شبيه جزئيا بالعولمة التي اشتد أوارها في بدايات القرن العشرين، التي كتب عنها المفكرون الماركسيون الأوائل من هلفردنغ إلى لينين.

2)                 رأس مال دولي يجني أرباحه أساساً، لا من عمليات الإنتاج والتبادل والتوزيع، بل من المضاربة والربا والعمليات غير الإنتاجية بوجه عام، وهذا هو الجانب المستجد من العولمة التي نعيشها اليوم، وقد سلّط الأضواء عليه د. رمزي زكي، وسماه العولمة المالية، في كتاب مهم بعنوان “العولمة المالية:الاقتصاد السياسي لرأس المال المالي الدولي” (صدر عام 1999 عن دار المستقبل العربي).

تقسم حركة رأس المال إلى نوعين: حركة رؤوس أموال طويلة المدى، وحركة رؤوس أموال قصيرة المدى. أما حركة رؤوس الأموال طويلة المدى، فتسمى كذلك لأنّ رؤوس الأموال ترتبط فيها بمنشأة إنتاجية مادية، فهي تؤدي إلى استثمار ملموس في مصنع أو مزرعة وما شابه، ولا تسهل إعادة تحويلها بسرعة إلى نقد أو سيولة دونما خسائر كبيرة. أما حركة رؤوس الأموال قصيرة المدى، فتأتي من الاستثمار في عمليات غير إنتاجية، مثل بيع وشراء الأسهم والسندات والعملات الأجنبية والعقارات والمشتقات المالية وما شابه، وهذا النوع من الإستثمارات لا يساهم بحل مشكلات البطالة والنمو الإقتصادي لأنه لا يزيد من التوظيف أو كمية السلع والخدمات، ولكنه أقرب إلى السيولة من المؤسسات الإنتاجية الصناعية والزراعية وغيرها ويدر الأرباح على المدى القصير.

 

بيت القصيد هو أنّ حركة رؤوس الأموال قصيرة المدى، بهدف المضاربة، وليس بهدف بناء الطاقة الإنتاجية، ازدادت سبعة عشر ضعفا في الدول الصناعية الرئيسة، بينما ازداد الاستثمار الأجنبي المباشر، أي الذي يرتبط بنشاط إنتاجي، خمسة أضعاف فقط، ما بين عامي 1980 و 1997. وصدّرت الدول الصناعية بشكل صافي إلى دول العالم الأخرى حوالي 93 مليار دولارا عام 1997 مثلا على شكل استثمار أجنبي مباشر، ولكنها استفادت من تدفق 273 مليار دولار إليها على شكل استثمار في الحافظة المالية، أي حركة رؤوس أموال قصيرة المدى (أنظر الجدول رقم 1-3، صفحة 79 من كتاب د. رمزي زكي). أما حركة رؤوس الأموال طويلة المدى، فإنّ معظمها يذهب من دول متقدمة إلى دول متقدمة أخرى بنسبة تتراوح ما بين أربعة أخماس أو ثلثين اعتمادا على السنة (أنظر الجدول رقم 5-4، صفحة 136، من كتاب د. رمزي زكي). أما نسبة الثلث أو الخمس التي تذهب من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى العالم الثالث، فإنّ معظمها يذهب إلى مناطق جغرافية محددة مثل دول جنوب شرق آسيا، وليس إلى دول العالم الثالث على قدم المساواة. أما المضاربات، فكانت هي المسؤولة عن الانهيار الذي وقع في جنوب شرق آسيا عام 1997، وفي روسيا والبرازيل عام 1999.

 

إذن، نستطيع أن نستنتج أنّ السمة الأساسية للعولمة الحديثة هي العولمة المالية، وليس عولمة المنشأة الإنتاجية، رغم أهمية الأخيرة، ورغم وجود ترابط غير مباشر ما بين الظاهرتين، باعتبار أنّ رأس المال قابل للتحول من شكل استثماري إلى آخر على المدى المتوسط أو البعيد..  لكن الظاهرة الأساسية التي فرضت نفسها على العالم في العقدين الأخيرين من القرن العشرين في سياق ما يسمى العولمة لم تكن النمو الإنفجاري للإستثمار الصناعي من قبل المنشآت الإنتاجية المعولمة، بل إنفجار الإستثمارات المالية في نشاطات غير إنتاجية، في المضاربات على مستوى عالمي، الأمر الذي أدى إلى الأزمات المعروفة في جنوب شرق آسيا وروسيا والبرازيل. فقد أصبح رأس المال المالي يرتع على مدى الكرة الأرضية بقوة دفع التطور الهائل في قوى الإنتاج، في ميدان تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات والمعلوماتية، الأمر الذي جعل الجانب الأساسي للعولمة الحديثة يأخذ شكل عولمة علاقات الإنتاج الرأسمالية وبنيتها الفوقية، وبتحديد أكثر، عولمة البنية الفوقية المحلية حسب وزن كل من كتل رأس المال المالي الدولي في النظام العالمي الجديد، وهو الأمر الذي جعل العولمة تلقب بالأمركة. أما اقتصاديا، فقد أخذت العولمة الحديثة شكلين أساسين هما:

 

1)    التحول المتزايد للرأسمالية إلى رأسمالية مضاربات تجني الربح من نشاطات غير إنتاجية في القطاع المالي وعملياته على مستوى كوني، وقد بلغ عدد البنوك والشركات المالية في العالم عام 1995 نحو 127 بنكاً وشركة مالية، وتنبع أهمية هذه الشركات من كون تصدير واستيراد رأس المال العصب المركزي للعولمة.  والعولمة المالية هي نمط ومؤسسة.  فهي من جهة حركة رؤوس الأموال في أرجاء المعمورة، وازدياد هذه الحركة بشكل كثيف خلال العقدين الأخرين من القرن العشرين، وهي من جهةٍ أخرى حزمة القوانين والتكنولوجيا والشركات العملاقة التي تدير وتسهل وتعيد إنتاج العصب المركزي للنظام العالمي الجديد، أي رأس المال المالي الدولي.  وتشكل عولمة المنشأة الإنتاجية في جانبٍ منها النتيجة المباشرة لحركية رأس المال المتزايدة، على الرغم من أن الإستثمار في المنشآت الإنتاجية يمثل الجانب الثانوي من حركة رؤوس الأموال المعولمة.

 

2)    على مستوى إنتاجي، تحوّل المصنع أو المنشأة الإنتاجية الواحدة إلى منشأة تقوم بكل جزء من أجزاء عمليات إنتاج سلعة واحدة في بلدان مختلفة، وهو الأمر الذي يفرّق الشركة متعدية الحدود عن الشركة متعددة الجنسيات. فالأخيرة كانت تقوم بعمليات إنتاجية كاملة في بلدان غير بلدانها، أما الثانية، فهي من نتاج العولمة الحديثة. الأولى تنشئ مصنعا كاملا للسيارات في ألمانيا الغربية، إذا كانت أمريكية مثلا، أما الثانية، فتنتج جزءا من السيارة في مكان ما، وجزءا آخر في مكان آخر، ثم تجمع الأجزاء في مكان ثالث، وتبيع السيارة في مكان رابع. الشركة متعددة الجنسيات أو القوميات (القديمة) اسمها بالإنجليزية (Multinational Corporation)، أما الشركة متعدية الحدود أو متعدية القوميات، فاسمها بالإنجليزية (Transnational Corporation) أي عابرة القوميات (الجديدة)، وهذا فرق مهم جدا لتحليلنا.

 

 

الشركة متعدية القوميات لم تعد مرتبطة كالسابق بالبلد الأم، بل نراها تنقل مقرها الأساسي ببساطة خارج البلد الأم، حيث الضرائب أقل والخدمات أفضل. الشركة متعددة القوميات هي شركة تنطلق من قاعدة قومية محددة أمريكية أو ألمانية أو يابانية لتمارس نشاطاتها الإنتاجية والتسويقية على مستوى دولي. أما الشركة متعدية القومية فهي شركة ذات طبيعة طفيلية بالنسبة للدولة القومية، لا تنتمي الواحدة منهما إلى الأخرى أيديولوجياً.

 

يقول مؤلفا كتاب فخ العولمة بيتر مارتن وشومان في هذا الصدد عن طفيلية الشركة متعدية القوميات: “فبضائعها تنقل عبر الطرق وسكك الحديد الممولة من قبل الحكومة، والعاملون لديها يرسلون أبناءهم إلى المدارس العمومية وقادتها الإداريون يمتعون أنفسهم بما تقدمه المسارح ودور الأوبرا الحكومية [في الغرب] من عروض. إلا أنها، مع هذا، لا تشارك في تمويل هذه وما سواها من المرافق العامة، إلا من خلال الضرائب المفروضة على دخول ما لديها من عمال ومستخدمين، ومن خلال الضرائب المفروضة على ما يستهلكه هؤلاء العمال والمستخدمين من بضائع. ولما كانت دخول العمال المأجورين، أيضا تميل إلى الانخفاض بفعل المنافسة، وبما أنّ الدولة قد حمّلت أصلا هؤلاء العاملين أعباء مالية تفوق طاقتهم على التحمل، صارت الدولة أيضا، ترزح تحت أعباء أزمات مالية هيكلية متتالية. إنّ الموازنات الحكومية باتت تخضع للتيار نفسه، الجارف نحو الأسفل، الذي تخضع له دخول السكان أيضا. ويحدث هذا كله في وقت يطالب فيه السكان حكوماتهم في المجتمعات الصناعية المتقدمة بالنهوض بأعباء متزايدة. فالطرق التكنولوجية جعلت صيانة البنية التحتية متزايدة الكلفة باستمرار. من ناحية أخرى، يحتم تلوث البيئة عمليات إصلاح واسعة جدا. وبما أنّ السكان أمسوا يعمرون مدة أطول، تزايد الإنفاق على المرافق الطبية وعلى الرواتب التقاعدية. وبناءا على ذلك كله، ليس بوسع المسؤولين السياسيين، في الكثير من الحالات، سوى الحد من الإنفاق الحكومي على كل تلك المجالات والمرافق التي ليس ثمة لوبي يدافع عنها، أعني الحد من الإنفاق الحكومي على نظام الرعاية الاجتماعية والمرافق الثقافية والخدمات العامة – ابتداء من أحواض السباحة وانتهاء بالمدارس والجامعات. وعلى هذا النحو تتحول الدول إلى مؤسسات تنفذ إعادة توزيع الثروة والدخل القوميين من الفئات الموجودة في أدنى السلّم الاجتماعي إلى الفئات الموجودة في قمته” (ص 364 – 365، فخ العولمة).

 

والأصح أن يقال: على هذا النحو، يؤدي التحول الحاصل في بنية الاقتصاد العالمي إلى تحول جوهري في دور الدولة، وإلى انفلات رأس المال مادياً وأيديولوجياً من قاعدته القومية، وإلى انحلال دولة الرفاه القومية الشوفينية في الغرب، وإلى بداية تبلور مؤسسات اقتصادية وحقوقية ما فوق قومية تخدم مصالح رأس المال المالي الدولي المنفلت من عقاله.

 

بالطبع إنّ هذه التحولات في التكوين الطبقي للبرجوازية العالمية لم تكتمل ولم تنجز بعد، ولكنها تمثل الملامح العامة للاتجاه التاريخي. فرأس المال المالي الدولي ما يزال أساسا رأسمالا أمريكيا وأوروبيا ويابانيا، رغم وجود بعض الاستثناءات هنا وهناك، في جنوب شرق آسيا مثلا. بيد أنّ تمركز ملكية رأس المال المالي الدولي في شمال أمريكا وأوروبا الغربية واليابان يخفي تحولات حقيقية في شكل هذه الملكية. فمع تطور الأسواق المالية، أصبحت أسهم الشركات الكبرى والسندات والمشتقات المالية تباع وتشترى على نطاق عالمي. وتلعب صناديق الاستثمار العالمية التي تدير أموالا هائلة دورا مهما هنا في خلق طبقة برجوازية عالمية، ما فوق قومية. فمالك الشركة هو صاحب أسهمها، وإذا كانت هذه الأسهم تباع وتشترى على نطاق عالمي، فإنّ مالك هذه الأسهم يتحول من مالك أمريكي إلى مالك أوروبي إلى مالك ياباني وبالعكس، بقدر ما تتسع عملية تبادل الأسهم مع تطور واتساع الأسواق المالية. وكذلك الأمر مع باقي الأدوات المالية، حيث تباع وتشترى اليوم على نطاق عالمي قروض هذه الشركات وحقوق شراء إنتاجها من السلع بعد أشهر أو عام مثلا. كل هذا يؤدي إلى نشوء طبقة رأسمالية ما فوق قومية، وهو الأمر الذي لا يكشفه الحديث عن عولمة المنشأة الإنتاجية، إذ إنّ العمليات الإنتاجية الخاصة بسلعة واحدة قد تتعولم، دون أن يعني ذلك عولمة الملكية، ملكية رأس المال أو وسائل الإنتاج.

المهم، أصبحت البنوك والشركات متعدية الحدود والمؤسسات الدولية تملي شروطها على الدولة الوطنية والقومية، ليس في العالم الثالث فحسب، بل في الدول الاشتراكية سابقا، وفي الدولة الرأسمالية الغربية نفسها. ويتجلّى هذا الأمر أكثر ما يتجلّى في التنافس الذي فرضته الشركات متعدية الحدود على الدول القومية في كل مكان من أجل استقطاب استثماراتها. وقد أدّى هذا التنافس بين الدول القومية على خطب ود الشركات متعدية الحدود إلى تخفيضات هائلة على المعدلات الضريبية على أرباح هذه الشركات، وإلى إعفاءات ضريبية كاملة لآجال طويلة، وإلى عطايا مالية سخيّة على حساب دافع الضرائب لعابرات الحدود.

 

ومن الأمثلة على هذه العطايا ما يذكره مؤلفا كتاب “فخ العولمة: الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية”، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت عام 1998. يقول بيتر مارتن وشومان في هذا الصدد: “فحينما توافق الشركة الكورية متعدية الجنسية سامسونج Samsung على استثمار مليار دولار في مصنعها الجديد، المنتج للأجهزة الإلكترونية، في شمال إنجلترا، لقاء حصولها على مائة مليون من وزارة الخزانة، فإنها تكون قد تساهلت كثيرا، وقبلت بسعر مناسب جدا” (صفحة 357). وبعض الأمثلة الأخرى التي يضربها بيتر مارتن وشومان هنا مثل من شركة مرسيدس الألمانية التي حصلت على إعانات تساوي ربع المبالغ المستثمرة من دافع الضرائب الفرنسي (وزارة المالية) لإنتاج سيارات صغيرة الحجم في منطقة لورين، هذا عدا الإعفاءات الضريبية. وهنالك مثل آخر من شركة مرسيدس عام 1993 التي حصلت من حكومة ولاية ألاباما الأمريكية على 55 بالمائة من تكاليف بناء مصنع جديد هناك.  بالمقابل، حصلت شركة AMD الأمريكية، التي تصنع الأجهزة الإلكترونية، على 800 مليون مارك، أو ما يعادل 35 بالمائة من مجموع الاستثمارات المتوقعة لقاء تشييدها مصنعا جديدا لإنتاج شرائح الكمبيوتر في مدينة دريسدن الألمانية.

 

لاحظوا إذا من المثال السابق أنّ شركة ألمانية تحصل على تنازلات من حكومة ولاية أمريكية، وأنّ شركة أمريكية تحصل على تنازلات من ألمانيا. فاتجاه التنازلات ليس بالضرورة للشركات الأمريكية من الحكومات غير الأمريكية، بل من الدولة القومية إلى الشركات عابرة الحدود، وهذا مهم. فشركة جنرال موتورز (GM)، حصلت على إعفاء ضريبي كامل مدته عشر سنوات في تايلاند وبولندا، وشركة سيمنز الألمانية حصلت على المليارات من ألمانيا والمفوضية الأوروبية كمعونات لتطوير شرائح الكمبيوتر (microprocessor Chips) تحت حجة منع اليابان والولايات المتحدة الأمريكية من احتكار إنتاج هذه الشرائح، ثم بنت مصنعا مشتركا في مدينة ريتشموند الأمريكية، بالتعاون مع شركة موتورولا الأمريكية لإنتاج هذه الشرائح المتقدمة. وهكذا تتحالف الشركات متعدية الحدود مع بعضها وتتعاون حسب الضرورة. وصدر خبر مثلا في الصحف يوم 24/6/2000 مفاده أنّ شركة ديملر كرايسلر اشترت عشرة بالمائة  من شركة هونداي الكورية، وكانت الشركة نفسها قد اشترت ثلث شركة ميتسوبيشي اليابانية قبل أشهر من ذلك.

 

 

الموضوعات المرتبطة

طلقة تنوير 37

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 حزيران 2017   الأفق العربي في قرن آسيوي/ إبراهيم حرشاوي   أساطير "المحرقة" اليهودية والموقف منها/ إبراهيم علوش   قراءة في كتاب "العقل [...]

طلقة تنوير 36

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 أيار 2017   كلمة العدد: الاستراتيجية الإمبريالية الجديدة تتطلب نهجاً قومياً جديداً/ عبد الناصر بدروشي   المثقف بين العلاقات العامة [...]

طلقة تنوير 35

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 نيسان 2017   نقد الردة عن المشروع القومي العربي: مراجعة، استنتاجات وإضافات/ محمد العملة   في معيار مصلحة الأمة/ بشار شخاترة   شخصية [...]

طلقة تنور 34

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 آذار 2017   هل ما تزال الوحدة العربية حلّاً صالحاً؟/ صالح بدروشي   صعود اليمين الشعبوي في الغرب: حركة تصحيح ضمن النسق الإمبريالي؟/ إبراهيم [...]

طلقة تنوير 33 – عدد 1 شباط 2017

طلقة تنوير 33   المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 شباط 2017   ما هو الشرط التاريخي الأهم لإعادة إحياء التيار القومي؟/ إبراهيم علوش   العصر الجينومي والتلاعب بالهويات/ فؤاد [...]
2017 الصوت العربي الحر.