تونس: مهد “الربيع العربي”، أم مهد المشروع القومي العربي؟؟

November 16th 2013 | كتبها

 

عبد الناصر بدروشي

لائحة القومي العربي – 16/11/2013

 

لا شك أن الاطاحة بحكم الاخواجيين في أي قطر من أقطار الوطن العربي يعتبر ضرورة قومية ووطنية وأولوية من أولويات أي طرف وطني شريف يتخذ من مصلحة الأمة العربية بوصلة بل وحتى المصلحة القطرية لكل من هو قطري في توجهاته ويؤمن بالدولة الوطنية الديمقراطية وإن كنا نختلف معه ونرى بأنها نظرة قاصرة ولا نخون كل من يتبناها، فكما نعلم بأن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لم يبدأ قوميا بل بدأ وطنيا مصريا مخلصا قادته تجربته وإخلاصه ودفعت به القوانين التي تحكم حركة الواقع الى الخيار القومي، باختصار يجمع كل الشرفاء سواء في القطر التونسي أو غيره أن حكم الاخوان الظلامي أعادنا خطوات الى الوراء وهم ماضون في هدم مقومات وأركان الدولة وأخونتها وبيع مؤسساتها وتفكيك جيوشها وأجهزتها الأمنية لصالح ميليشيات تابعة لهم تعمل وفق أجندتهم.

 

واذا أردنا أن نفكر بطريقة علمية يجب أن لا يقتصر تفكيرنا فقط على البحث في أساليب وآليات اسقاط حكم حركة “النهضة” بل علينا أن نقدم بديل ثوري صاحب مشروع وبرنامج وطني تحرري نهضوي، فالطبيعة لا تحتمل الفراغ وإسقاط نظام ما يعني بالضرورة صعود نظام آخر، وفي ظل حالة الوهن التي تعتري المعارضة الوطنية وتشتتها نرى فلول النظام السابق المرتبطين بأجندة أعداء الأمة والمدعومين داخليا من طرف عصابات رأس المال الفاسد يقدمون أنفسهم على أنهم المخلص الأوحد للشعب من سطوة الاسلامويين.

 

وفي ظل مثل ذلك المشهد السياسي نرى أن المعارضة التونسية انقسمت الى قسمين:

 

– قسم ارتضى العمل تحت عباءة الفلول يدورون في فلكهم ويلعبون فقط في المربع الذي يرسم لهم، يُخطط لهم وهم ينفذون، وهؤلاء على افتراض سلامة النية أعماهم كرههم للإخونج فانساقوا وراء تكريس نفس خياراتهم الليبرالية المرتهنة بأجندة أعداء الأمة العربية ولكن بنسخة أكثر جاذبية وقد تبين بأن الفلول في تونس المتمثلين في حزب نداء تونس غير جادين في اسقاط حكم الاخوان بانخراطهم في ما سمي بهتانا “الحوار الوطني” الذي تقوده أطراف لا وطنية للتفاوض مع قوى لا وطنية.

 

– قسم  آخر من المعارضة التونسية يرفض التحالف مع الفلول ولكنه للأسف غير فاعل وغير موحد ولا يمتلك برنامج واضح ورؤية سليمة لفترة ما بعد الاخوان.

 

فبنفس درجة من أهمية سقوط الاخوان يجب الاجابة على السؤال التالي: ما العمل بعد اسقاط هذه المنظومة الفاسدة ومن سيسير تلك المرحلة؟

 

للأسف يقدم البعض تصورات قاصرة تتجاهل القوانين التي تحكم حركة الواقع إذ يطرحون تشكيل حكومة كفاءات والاعداد لانتخابات “ديموقراطية” وكأن اللعبة الديمقراطية ستنجب خيارات وطنية ثورية متجاهلين أن اللعبة الديموقراطية تقوم على ركيزتين أساسيتين هما الإعلام والمال.

 

أما الاعلام فهو قسمان: حزمة قنوات تمتلكها حركة النهضة وحزمة أخرى يمتلكها رأس المال الفاسد وتلتقي كل هذه القنوات على مبدأ اقصاء العروبيين والقوميين.

 

المال السياسي الذي تتمتع به معظم الأحزاب أيضا قسمان: قسم ممول من طرف قطر وتركيا وهو حزب حركة النهضة وبعض الجمعيات “الاسلامية” وقسم آخر في المعارضة ممول من طرف فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

 

نستنتج مما سبق أن اللعبة الديمقراطية بقواعدها ستؤدي بالضرورة لخيارين أحلاهما مر وغير متناقضين:  حركة النهضة الظلامية أو البورقيبية المتعفنة، وكأن قدر المواطن أن يبقى ضحية الاستقطاب الثنائي والتخيير بين الفلول والإخوان.

 

لا يمكن أن نرى مستقبلا لوحدة قوى وطنية تحت أجنحة قوى رجعية عميلة (الفلول) كما لا يمكن أن نرى املا لوحدة قوى ثورية و وطنية لا تمتلك رؤية وبرنامج واضح المعالم تجند له كل أسباب النجاح.

 

v    افتقاد المعارضة الى برنامج وطني

 

ومن يقول بأن غياب مشروع لدى قوى المعارضة الوطنية لا يشكل معضلة بدعوى أن جهودهم سوف تصب بالضرورة لمصلحة مشروع وطني يتجاهل حقيقة موضوعية بديهية وهي أننا إذا أردنا أن يصبّ ما نفعله في مشروع ما – يجب أوّلا إيجاد هذا المشروع (ولو بصيغته غير المكتملة) ولكن بدون ذلك سوف يصبّ أيّ إنجاز في إناء الفلول والقوى التابعة للإمبريالية أي كان لونها سواء كانت ملتحية وتلبس جلباب أو حليقة ترتدي بدلة و”كرافات”  وغياب المشروع يعني غياب بوصلة توحّد كلّ القوى الوطنية باتجاه العدوّ وبالتالي قد تهدر جهودهم وقد يعرقل بعضها بعضا .

 

 

v    ما الحل؟

 

ان وضعنا كأمة مجزأة وكقطر عربي محدود الموارد غير قادر على بناء نهضة حقيقية ومحكوم بقوانين الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي http://freearabvoice.org/?p=2818

 

فإذا أردنا تغييراً حقيقياً لا شكلياً، لا بد أن نقول أن وضعنا هذا لا يحتمل أن ندخل في متاهة اللعبة الديمقراطية في هذه اللحظة التاريخية، ولا يحتمل أن نعتبرها مخرجاً من ثنائية الإخوان والفلول، بل يفرض علينا حلاً واحداً وخياراً أوحد لا بديل عنه وهو تشكيل جبهة وطنية تضم كل القوى التقدمية القومية واليسارية تضع برنامجاً مشتركاً ينقذ القطر التونسي كجزء لا يتجزأ من الأمة العربية من الارتهان للغرب والصهيونية… فلنسمها جبهة انقاذ اذا شئنا (لكنها جبهة ذات أفق عروبي أهم ما فيها أنها مناهضة للإمبريالية والصهيونية وكل ادواتها، لا جبهة إنقاذ كتلك التي أسسها حزب نداء تونس والتي هي جبهة لإنقاذ بقايا النظام السابق).

 

إن جبهةً من هذا النوع لا بد أن يكون مشروع وحدة المغرب العربي على رأس جدول أعمالها، وذلك كبديل للارتهان لقوى الهيمنة الخارجية، فعليها أن تعمل بالتنسيق مع القوى الاقليمية التي تمتلك ثقلاً  ويمكن أن تشكل مرتكزا داعماً لأي برنامج وطني تحرري.  فحجم “تونس” كقطر عربي صغير من حيث المساحة وعدد السكان وحجم الاقتصاد لا يُمَكِنُّه من الدخول في صراع مع الامبريالية ان لم يكن مدعوما من الجزائر مثلا وكذلك الجزائر الكبيرة بحجمها وبتاريخها العروبي التحرري لا تملك الا أن تمد يد العون لتشكيل جبهة تضم القوى القومية والتقدمية في تونس التي تشكل موطأ قدم للاستعمار وخاصرة يمكن أن تطعن منها الجزائر بعد أن حوصرت في شمال مالي وليبيا بجحافل الجهل والظلام وحكم الاخوان في تونس والمغرب ونزعات الانفصال في الداخل.

 

ومن البديهي بالنسبة لنا أن ذلك يمثل إستراتيجية دفاعية سياسياً، ضد التبعية والتطبيع، أما مشروع النهوض الحقيقي فلا يكون إلا مشروع النهوض القومي الجذري.

 

باختصار إن أي محاولة قطرية، ولو كانت مخلصة، يكون وعيها مغلق عن المشهد السياسي العربي ولا تضع في حساباتها الأحداث والتحولات الحاصلة في مصر وسورية والجزائر وأجندات اللاعبين الدوليين والاقليميين الرئيسيين وتأثيرات تلك الأحداث على المشهد التونسي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وإن أي قوة سياسية “ثورية” منظمة لا تمتلك مشروعاً لتقوية علاقاتها مع القوى المماثلة لها في الوطن العربي، ستقوم فعلياً بتهميش نفسها وستكون بلا تأثير، لا بل سيتم توظيفها في إطار أحد المشاريع الموجودة على الساحة وستكون مجرد كومبارس في مسرح لعبة الأمم لأنها وبكل بساطة تتجاهل الواقع وتحاول أن تقفز من فوقه.

 

عندما نتحدث عن تونس اليوم نستحضر ما قام به الاستعمار حين انطلق منها ليصل الى سورية بعد أن دمر في طريقه ما أمكن له تدميره.  لقد فعل كل ذلك انطلاقا من تونس الى دمشق خلال سنتين مرورا بمصر وليبيا، وبعد صمود سورية التي كانت بمثابة الصخرة التي انكسر عليها مشروع “الربيع العربي” كان من الطبيعي حسب تأثير الدومينو أن ترتد على الأقل إن لم نقل أن تتهاوى انجازات الغرب فسقط حكم الاخوان في مصر وها هو يترنح في تونس وبإمكان النخبة الثورية في تونس ان تتلقف هذا الانجاز السوري لإسقاط مشروع الاخوان وإطلاق صافرة البداية لمشروعنا لينطلق منها ميلاد حراك قومي عربي تكون سوريا المنتصرة رأس قاطرته والجزائر العربية إحدى حواضنه ليتم بعد ذلك تحفيز مصر وايقاظها كي تستثمر وزنها الاقليمي في اطار مشروع قومي عربي.

 

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=707117322633782&set=a.419967428015441.105198.419327771412740&type=1

 

 

الموضوعات المرتبطة

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]

وثيقة حماس الجديدة

بمناسبة صدور وثيقة حماس الجديدة التي تتبنى فيها رسمياً فكرة "الدويلة" ضمن حدود الـ67، نرى أن الخلل في برنامج حماس لم يبدأ مع هذه الوثيقة، بل سبقه خطاب خالد مشعل في دمشق عام 2009، رداً على خطاب [...]

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]
2017 الصوت العربي الحر.