لماذا يتهجم داوود أوغلو على سورية ويتودد إلى إيران؟!

November 26th 2013 | كتبها

 

يمكن اعتبار وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، بعد بندر بن سلطان، ثاني أخطر لاعب إقليمي في الأزمة السورية.  وهو لم يكن يوماً مجرد وزير خارجية، بل أتى كأكاديمي وكمنظِّر في الجغرافيا السياسية ليرسم رؤية استراتيجية للسياسة الخارجية التركية ما بعد الحرب الباردة تقوم على عدة أسس فصلها في  مؤلفاته ومنها مجلد “العمق الاستراتيجي” الشهير.  فلو أزلنا الغلاف المعسول تحت شعارات “صفر مشاكل” و”سلام في الوطن والعالم” و”الحوار كبديل لشيطنة دول الجوار” لوصلنا إلى ما يلي:

 

1)    أن الكمالية (نسبة لكمال أتاتورك مؤسس الجمهورية) وصلت لمأزق في سعيها للالتحاق بالغرب، لأن ما قدمته تركيا للغرب لا يتناسب مع ما حصلت عليه منه، لذا عليها أن تحقق ذاتها في الشرق لتفرض نفسها على الغرب، كالقوس الذي يرتد للخلف ليندفع للأمام،

2)    أن الغرب دخل مرحلة الأفول بعد الحرب الباردة، وعلى تركيا أن ترتقي مكانةً من مجرد حارس للبوابة الشرقية لحلف الناتو إلى شريك كامل صاحب قرار أوروبياً وإقليمياً،

3)    أن طريقة تحقيق ذلك تكون بتأسيس ما يشبه الجامعة العثمانية (لا يعرّفها بوضوح) تشمل مناطق البلقان والقوقاز و”الشرق الأوسط” حتى شمال أفريقيا.

 

 

لا يخفي أوغلو في كتاباته نزعته القومية الطورانية التي تسعى لتحديث كمال أتاتورك وليس لنقضه من خلال مصالحة النزعة الحداثية التركية مع الإرث العثماني ناعياً على سياسة بلاده الخارجية إغفالها لأوراق قوية كان يمكن أن تساعدها بإسقاط نفوذها عميقاً في دول الجوار من خلال: 1) “قرون السلام العثماني” كما يسميها والتي يعتقد جاداً أن الشعوب تحن إليها! ، 2) الخطاب الإسلاموي الذي يتيح لتركيا أن تقدم نفسها كقائدة للعالم الإسلامي، 3) ريادة “الاعتدال الديني” القائم على الانتخابات وتداول السلطة والتجارة الحرة والتحالف مع الغرب، وهو النموذج الذي سلب لب الرئيس أوباما على ما نعلم ودفعه لتكريس التحالف مع الإخوان المسلمين في الإقليم كأداة لإبقاء دول البريكس خارجه تيمناً بالنموذج الإسلاموي التركي.

 

 

ليكن واضحاً إذن أن أوغلو الصانع الحقيقي للسياسة الخارجية التركية لم يقدم يوماً رؤية للتصادم مع الغرب بل لتحسين شروط العلاقة معه، وأن كل مناورات تركيا لكسب العقول والقلوب جاءت في ذلك السياق، وأن خلاف حزب العدالة والتنمية الحقيقي مع “إسرائيل” يتعلق برغبته بلعب دور إقليمي أكبر (على حسابنا) لا بموقف مبدئي من الكيان الصهيوني الذي ظلت تركيا تحتفظ بعلاقات استراتيجية ونوعية معه.

 

 

لكن مشروع أوغلو الجيو-استراتيجي الذي يشكل حزب العدالة والتنمية رافعته وصل اليوم إلى طريق مسدود تماماً بسبب: 1) صمود سورية، 2) صعود حلفائها إقليمياً ودولياً، 3) إطاحة الشعب المصري بحكم الإخوان، 4) اصطدام الموجة الإخوانية في الإقليم مع هجوم سعودي مضاد، 5) انكشاف زيف الخطاب الإسلاموي الإخواني والتكفيري عند كثيرٍ ممن يستهدفهم. 

 

 

لذلك كله قرر داوود أوغلو على ما يبدو أن لا يرضى بالتهميش والإقصاء كما حدث مع قطر، وأن لا  يصطف مع “الحردانين” بزاوية المشهد إزاء التفاهمات الروسية-الامريكية حول سورية والإيرانية-الأمريكية حول النووي وربما غير النووي… أما خياره الآخر فهو الالتحاق بمعسكر السعودية-“إسرائيل” الذي يراهن على الإطاحة بأوباما والمجيء بالجمهوريين في الولايات المتحدة، سوى أن أوباما، لا الجمهوريين، هو راعي إعادة إحياء التحالف مع “الإسلام المعتدل” الذي يرى تركيا الناتوية حاضنة الدرع الصاروخي نموذجه الأعلى.

 

 

هنا انطلق داوود أوغلو في سباقٍ مع الزمن لينقذ تركيا من العزلة التي ادخلتها سياساته فيها ساعياً لنيل حظوة من يميل ميزان القوى معهم، مطلِقاً خلال الأسابيع الماضية هجوماً دبلوماسياً مضاداً في حركة مكوكية شرقاً وغرباً فحواها محاولة عزل سورية ودفع التفاهم الإقليمي والدولي في جنيف 2 باتجاه “حكومة انتقالية ذات صلاحيات” يأمل أن تطيح بالقيادة السورية سياسياً بعدما قدم كل شيء للعصابات المسلحة عبر تركيا ولم يبقَ إلا أن يشارك الجيش التركي مباشرة في القتال…

 

 

ففي أواسط تشرين الأول المنصرم قدمت تركيا معلومات لإيران أدت لاعتقال عشرة إيرانيين يتعاونون مع الموساد… 

 

في 1 تشرين الثاني عقد داوود أوغلو مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لقاءً مطولاً على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ورتب لمشاركته الشخصية في مؤتمر التعاون الإقليمي في طهران يومي 26 و27 من الشهر. 

 

في العاشر من الشهر الحالي سافر للعراق وزار النجف وكربلاء والتقى المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني (وهي خطوة موجهة أيضاً للعلويين في تركيا) بعد التورط المباشر في تأجيج الفتنة الطائفية في العراق، فيما يسير العمل حثيثاً في خط تصدير النفط والغاز من شمال العراق لتركيا دون العودة لبغداد…

 

في الثامن عشر من الشهر زار الولايات المتحدة حيث التقى مع كيري وزير الخارجية وهاغل وزير الدفاع وسوزان رايس مستشارة الأمن القومي معلناً أن الشراكة النموذجية بين تركيا والولايات المتحدة ستستمر إلى الأبد! ولم ينس أن يؤيد مشاركة إيران في جنيف 2 وأن يدعم التفاهمات مع إيران التي ربما لعب دوراً فيها. 

 

 

وتم الإعلان في نفس الفترة عن زيارتين لأوغلو ولأردوغان لروسيا لتعزيز العلاقات الثنائية.

 

 

في كل تلك اللقاءات كان أوغلو يقدم التنازلات محاولاً التقرب من إيران وروسيا وإدارة أوباما في آنٍ، لكنه راح بخطٍ موازٍ يصعد تهجمه على القيادة السورية كما في مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ في العشرين من الشهر، داعياً لعقد جنيف 2 بأقصى سرعة!!

 

 

من يريد أن يفهم السياسة التركية عليه أن يراقب حراك أوغلو قبل “هبهبات” أردوغان، وهو يحاول حالياً أن يخيط بمسلته في نسيج التفاهمات الإقليمية والدولية لذا اقتضى التنويه.

 

إبراهيم علوش

 

البناء 27/11/2013

 

 

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=772967919387112&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1

 

 

الموضوعات المرتبطة

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]

وثيقة حماس الجديدة

بمناسبة صدور وثيقة حماس الجديدة التي تتبنى فيها رسمياً فكرة "الدويلة" ضمن حدود الـ67، نرى أن الخلل في برنامج حماس لم يبدأ مع هذه الوثيقة، بل سبقه خطاب خالد مشعل في دمشق عام 2009، رداً على خطاب [...]
2017 الصوت العربي الحر.