ماذا أستطيع أن أفعل من أجل فلسطين؟

July 14th 2014 | كتبها

رسالة لأخي الشاب العربي وأختي الشابة العربية

كلما اعتدى الكيان الصهيوني على فلسطين أرضاً وشعباً تساءل شبان عرب كثر، وفلسطينيون في الشتات، ماذا يستطيعون أن يفعلوا من أجل فلسطين… ويترافق مثل هذا الشعور عادة مع تأجج داخلي يطمح بنتائج فورية… ليعود الشعور إلى الخفوت تدريجياً مع تراجع التغطية الإعلامية للعدوان عن شاشة الحدث اليومي… ليحل الاهتمام بالشأن الشخصي محله كما كانت الحال قبل العدوان.

من الطبيعي أن مثل هذه الفورة العاطفية تبقى علامة خير، ودلالة أن الأمة فيها نبض حياة، وأن رد الفعل الشعبي العربي على العدوان من المفترض أن يكون أكبر وأشد واقوى، كما كان في أيام الخير عندما كانت كل الأمة من المحيط للخليج تتأثر لأي خَطبٍ يلم بأي جزءٍ منها وتتفاعل مع أي حالة مواجهة مع الاستعمار أو الصهيونية في أي بقعة فيها، خُطب العملاق العروبي جمال عبد الناصر نموذجاً.

لكن الفرق بين الزمن الجميل وأيامنا الرثة ليس فقط أن منسوب التفاعل الشعبي العربي مع الحدث كان أقوى وأشد مضاءً، إنما في وجود قوى قومية ووطنية ويسارية منظمة كانت مستعدة وقادرة على “تثمير” المد الشعبي في الشارع على شكل مكاسب سياسية في كثيرٍ من الأحيان، كحكومة سليمان النابلسي في الأردن عام 56، عندما تمكنت القوى الوطنية والقومية للمرة الأولى، والأخيرة، من فرض رؤيتها لبضعة أشهر على خلفية الزلزال القومي الذي ضرب المنطقة.

الفرق الآخر يكمن في انتشار النزعات الطائفية والجهوية التي تشق الشارع، وفي انتشار النزعات الفردية الاستهلاكية النابذة التي تهمِش مفهوم “الجماهير” و”الشعب” ليحل محلها مفهوم “الأنا” و”الفرد”، مما يضعف الاهتمام بالقضايا العامة ابتداءً، ناهيك عن الاستعداد للعمل والتضحية من أجلها. ويمكن أن نضيف هنا انتشار النزعات الهروبية اللاعقلانية، التي لا بد لها أن تنتشر عندما يتراجع المد الوطني والقومي، من نمط الاعتقاد أن خلاص الأمة يكمن في التزام الجميع بـ “دخول الحمام بالقدم اليسرى”، أو في فرض البرقع أو فرض مخالفة مالية على كل رجل يقل طول لحيته عن أربعة أصابع، إلخ…

وثمة فروق أخرى كثيرة بالطبع ما بين زماننا والزمن الجميل، ويبقى السؤال: ماشي، لكن ماذا استطيع ان افعل من أجل فلسطين لمواجهة العدوان الصهيوني عليها هنا والآن؟

الجواب هو أن أية قضية أو مشكلة عامة، مثل العدوان الصهيوني في فلسطين أو في أي بقعة عربية أخرى، لا يمكن التصدي لها ببطولات فردية. فالمشكلة العامة تحتاج إلى عمل عام. والعمل العام يعني التعاون مع اخرين من اجل السعي لإيجاد حل لتلك المشكلة العامة. فليس هناك من “سوبرمانات” أو “طفل معجزة” في العمل السياسي. والعمل الفردي ربما يريح ضميرنا، وربما يكون اسهل من عبء التنسيق مع غيرنا، وهو ما يتطلب التعامل مع أمزجة وخلفيات ومستويات ثقافية مختلفة، لكن العمل الفردي من النادر جداً أن يأتي بنتائج مثمرة على المدى الطويل.

إذن المطلوب هو العمل العام، وهذا يعني: 1) التواصل والتنسيق مع غيرنا ممن يحملون قناعات متشابهة، 2) من أجل بلورة خطة عمل قابلة للتنفيذ وتنفيذها، و3) وهو ما يتطلب أصلاً وعياً سياسياً وموقفاً متبلوراً مما يجري على أساس قاعدة مشتركة، أي لا يكفي أن أكون أنا أو أنت قد وصلنا لذلك الوعي أو الموقف، بل يجب أن تصله “كتلة حرجة” من الناس، بمعنى كتلة قادرة على التأثير في الواقع، فكما سبق الذكر، ليس هناك من “رجلٍ خارق” في العمل السياسي.

المسألة ليست بتلك البساطة طبعاً، لأن الإمبريالية والصهيونية وعملاءهما يدركون هذه الحيثية تماماً وسيكونون بانتظارك ليخترقوا تلك الحالة النضالية الناشئة ويحرفوها عن مسارها أو يدمروها من الداخل. ثم أن من مارس العمل العام، الحزبي أو السياسي أو النقابي فترةً كافية، يعرف جيداً أن كل حالة عمل عام، بغض النظر عن الاختراقات الخارجية، كثيراً ما تجتذب مزيجاً متنافراً من المغامرين غير المتزنين، ومن الانتهازيين المتسلقين، ومن أصحاب الأجندات الخاصة وعابري السبيل وشذاذ الآفاق والحالمين التطهريين شديدي الحساسية، بالتمازج مع كتلة صادقة مضحية مخلصة مفتقدة للخبرة والتجربة والرؤيا.

فالعمل العام صعبٌ، لا نزهةٌ على الشاطئ، ولذلك يسمى نضالاً، وهو يتطلب قدراً كبيراً من المِراس والصبر وطول النفس والعطاء، ويتطلب قبل كل شيء نوعاً من التضحية، لا يتخذ طابعاً درامياً، قد لا يكون استشهاداً أو أسراً أو إصابة برصاصة أو شظية، بل هي تضحية بالراحة الشخصية يومياً وبالـ”أنا”، أي بتقديم الاولويات النضالية على الحسابات الشخصية من أي نوع، فالمناضل المخلص يتسم باتحاده وحلوله في القضية التي يناضل من أجلها، وبتحييد اعتباراته الذاتية لمصلحة اعتبارات العمل، كذلك يتطلب العمل العام جهداً دؤوباً للقضاء على النزعات الانتهازية والتخريبية ولمجابهة الأمراض النفسية التي تنتقل بالضرورة من المجتمع للحالة النضالية لتضربها من الداخل، وهي الأمراض الاجتماعية والنفسية نفسها التي تتطلب مواجهتها أكثر من توفر الوعي السياسي والاستعداد للتضحية والاستشهاد من اجل القضية.

إن نقطة ضعفنا المركزية نحن العرب هي عدم قدرتنا على العمل معاً، وبدون العمل الجماعي المنظم لا ننتج شيئاً إلا بالصدفة، فاللوبي الصهيوني قوة منظمة ذات برنامج مثلاً، والإمبريالية أجهزة وهيئات منظمة، ومن يريد أن يواجههم حقاً لا يستطيع أن يعمل بمنهجية “يا رب تيجي في عينه”!!!! حتى المرات التي يبدو فيها العمل الفردي ظاهرياً كأنه أنتج شيئاً مفيداً، كما يحدث عندما ينزل عشرات آلاف المواطنين مثلاً بدون تنسيق من أجل قضية واحدة في الشارع، فإن التأثير هو التأثير الجماعي، العام، لكنه تأثير يسهل احتواؤه ويصعب ان يدوم لأن لا تنظيم فيه ولا برنامجَ يهديه.

إذن الحل على المدى الطويل هو العمل الجماعي المنظم، على هدى موقف سياسي يستند لمرجعية مصلحة الأمة، ويستند لبرنامج سياسي يربط المحلي بالقومي، ويربط الراهن بالاستراتيجي، وما عدا ذلك فإن العمل خيرٌ من القعود، إنما العمل المنظم خير من العمل العفوي، والعمل المنظم وحده هو الذي يستطيع الإفادة من الفورات العفوية.

بعد كل ذلك، ماذا نستطيع أن نفعل هنا والآن من أجل فلسطين؟

أولاً، عبِّر وعبِّر بقوة عن موقفك، مع اصدقائك ومعارفك واهلك وزملائك في العمل أو الدراسة، على صفحتك على الفيسبوك، على جدران الحارة، وفي كل مكان، فربما تظن أن رأيك الفردي لا قيمة له، لكنه عندما يضاف بنفس الاتجاه لملايين الأصوات الصغيرة، فإنه يصبح رأياً عاماً يفرض نفسه، أو يجبر المطبعين والمفرطين والمستسلمين على التقليل من وقاحتهم على الأقل.

ثانياً، انزل للشارع للاحتجاج على الصمت العربي وضد التطبيع مع العدو الصهيوني ودعماً للمقاومة، فالاحتجاجات اسقطت دولاً وأنظمة بأكملها ولكنها يجب أن تكون كبيرة لتكون مؤثرة، بيد أن الاحتجاجات لا تولد كبيرة بالضرورة، بل هي كالشجرة تتطلب الرعاية والسقاية والوقاية من عوامل الزمن، ولذلك نسق مع غيرك من أجل تنظيم الاحتجاجات.

ثالثاً، اكتب بياناً ووزعه، عبر وسائل الاتصال الاجتماعي أو ورقياً، وأعد نسخ وتوزيع البيانات التي تعجبك.

رابعاً، جهز عريضة واجمع التوقيعات عليها. الحوارات التي تجري مع من تطلب منهم التوقيع، ولو صاروا يتهكمون أو يهزأون، هي حوارات تفيد بنشر الوعي وقد تنبه بعض النائمين وتحرك بعض المتقاعسين.

خامساً، قاطع المنتجات الصهيونية، ومنتجات الشركات التي تدعم العدو الصهيوني أو تتعامل معه، وقم أو شارك بحملات لإيقاف دعم عدونا بالمال الذي يستخدمه لشن العدوان علينا ولتهويد الأرض من خلال مقاطعة الصهاينة.

سادساً، الاجتماعات العامة التي تدعو لها أو تُدعى إليها هي المكان الذي يمكن أن تنشأ عنه مشاريع وأفكار للعمل والتحرك، فانخرط بما تجده مقنعاً ومفيداً منها، ومن المؤكد أن الكثير منها يتم بغرض التنفيس والتشتيت، وعليك أن تكتسب الخبرة للتمييز ما بين النوعين.

سابعاً، كن واضحاً صريحاً قاطعاً في دعم المقاومة، المسلحة منها تحديداً، والاستشهادية بالأخص، فلا شيء يكسر شوكة العدو مثلها، ولن تتحرر أراضينا بدونها. هنا سلاح الموقف السياسي الواضح هو الذي يجب أن يتم إشهاره. وقلها بكل فخر واعتزاز: أنا مع المقاومة المسلحة ولا أرى غيرها سبيلاً للتعاطي مع العدو الصهيوني. ونضيف أن دعم المقاومة لا يكون فقط بالموقف، بل أيضاً بالمال والتطوع لمن يستطيع، والوضع الطبيعي أصلاً أن تفتح كل الجبهات في دول الطوق للعمليات العسكرية ضد العدو الصهيوني، لكن إن تعذر ذلك، فدعم المقاومة ضد العدو الصهيوني يكون بالمال والرجال، وانتبه جيداً هنا من الوقوع في فخ أو في شراك المغفلين… وأن التبرعات ستصل لأهلها. كيف؟ هذه عليك إن وجدت في نفسك القدرة على السير في تلك الطريق.

ثامناً، لم يتحرر وطنٌ يوماً بجهود شعب غير شعبه، فحرض المؤمنين على القتال، ولا تكن من الضعفاء الخوارين الذين يربطون حقوق شعبنا برضا “الرأي العام الغربي” أو “الإسرائيلي”. وإذا واجهت غربياً على النت أو في الشارع ضع الأمور بوضوح: فلسطين كلها عربية وكلها محتلة، ومن حقنا وواجبنا أن نحررها بالطريقة التي نراها ملائمة كما حررتم أراضيكم عندما احتُلت، واليهود في فلسطين غزاة، والكفاح المسلح حق وواجب. انتبه أن نيل رضا الإنسان الغربي عن طريق تقديم تنازلات مبدئية في قضيتك لا يجعله “نصيراً” للقضية، بل يجعلك مفرطاً بها، والعبرة في تأييدِنا هي تأييدُنا بشروطنا لا بشروط “الرأي العام الإسرائيلي”، وهي من البدع العجيبة التي مررها خط التسوية والاستسلام في الساحة العربية والفلسطينية! رهاننا على شارعنا وشعبنا. وإذا عجزنا عن هذا، لن يفيدنا أحد… ومن يريد أن يدعمنا حقاً لا يمكن أن يفعل ذلك إذا لم نكن نحن قوة حقيقية ذات أثر.

تاسعاً، ثقف نفسك سياسياً. عمق وعيك. ارفع سقفك. تجاوز خوفك. ضع يدك بيد شريكك بالنضال. إذا خيب ظنك، استمر. إذا اكتشفت أنه انتهازي أو صاحب أجندة خاصة أو جبان، ابحث عن غيره. لكن استمر. تحرك. ناضل. اقرأ. رد. حاور. شارك. قاطع. تبرع. تطوع. جرب. ولتخطئ! تعلم. جرب. افشل. ماذا يهم؟! فلتستمر. المهم أن تعلق الجرس. ارفع الراية. فلتتعثر. لكن استمر. لو كانت الطريق سهلةً لوصل أجدادنا قبل قرنٍ ونيف لما نريده اليوم. هذا صراعٌ تاريخي. والغلبة فيه لمن يستمر أكثر. المناضل دينامو، محرك، موصل جيد لحرارة النضال، قبل كل شيء. صحيح أنه لا يوجد “إنسان خارق” في العمل النضالي، لكن استعداد المناضل للعمل والاستمرار لا بد أن يكون، بكل بساطة، خارقاً.

إبراهيم علوش
14/7/2014

للمشاركة على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=917018254982077&id=100000217333066

 

الموضوعات المرتبطة

قراءة في قرار ترامب بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الولايات المتحدة

زعم إدارة ترامب أنها حظرت مواطني سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان وإيران من دخول الولايات المتحدة لمنع الإرهاب  يصعب أن يصدقه أي متابع عاقل بالنظر إلى أن: معظم تلك الدول (ما [...]

هراء تسووي وتطبيعي في مسودة الدستور الروسي الجديد

بالإضافة إلى نزع عروبة سورية، وتكريس نظام تمثيلي يقوم على المحاصصة الطائفية والمناطقية، يبدو أن مسودة الدستور الروسي الجديد مخترقة صهيونياً.  لاحظوا المادة الثامنة من ذلك الدستور كما [...]

أخطر ما في مخرجات “مؤتمر باريس للسلام”

لم تترجم معظم وسائل الإعلام العربية، على ما رأيت، العنوان الحرفي الذي انعقد تحته ما يسمى بـ"مؤتمر باريس للسلام"، فقد كان Conference pour la paix au Proche-Orient، أي مؤتمر من أجل السلام في "الشرق الأدنى"، وهي [...]

النشاط التطبيعي يتصاعد في المغرب

خاص لصفحة حملة استحِ لمقاطعة المنتجات الصهيونية شُهد الأسبوع الماضي مُشاركة وفد مغربي في مؤتمر "ماتروز" الذي أقيم في القدس العربية المحتلة تحت إشراف ما يُسمى بـ "جمعية الصداقة اليهودية – [...]

حول القصف الصهيوني لمطار المزة العسكري

القصف الصهيوني لمطار المزة وجواره، مثل القصف الصهيوني الشهر الفائت، والقصف الصهيوني خلال كل المرات الماضية، يأتي دوماً لـ: 1) دعم العصابات التكفيرية المسلحة في حربها ضد سورية جيشاً وشعباً [...]
2017 الصوت العربي الحر.