هل يفسح خلاف أوباما ونتنياهو مجالاً لحماس؟

September 10th 2014 | كتبها

ليس كل شيء على أحسن ما يرام في علاقات إدارة أوباما مع حكومة نتنياهو، فاليمين الصهيوني المتطرف كثيراً ما يتصرف كـ”الولد الأزعر” الذي يتسبب بالإحراج والمشاكل لعائلته الإمبريالية، فدماء أهل غزة لم تجف بعد، وها هي قصة “الاستيطان” السرمدية تعود لترفع عقيرتها بعد مصادرة آلاف الدونمات في الخليل وبيت لحم، في اللحظة التي تسعى فيها إدارة أوباما لتشكيل تحالف عربي-إسلامي بذريعة مواجهة “داعش”.

اليمين الصهيوني لا يترك لحلفاء أمريكا العرب ما يحفظ ماء الوجه، فعقيدته الأمنية ترهن وجوده بقدرته على “تكسير رؤوس” اللاعبين الصغار والكبار جميعاً بشكل مزاجي تقريباً، أما الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي فيريان تقديم تنازلات تافهة من نوع “تجميد الاستيطان” لتسكين الملف الفلسطيني في لحظات مفصلية في المنطقة، من نمط “استحقاق أيلول” ابان العدوان على ليبيا إلى “مبادرة كيري” خلال التحضير للعدوان على سورية، لكن أنّى لليمين الصهيوني أن يتخلى عن نظرته الضيقة والأحادية من أجل المصالح العليا للإمبريالية العالمية، التي تمثل مصلحة الكيان الصهيوني أيضاً حسب بعض الأحزاب الصهيونية مثل “العمل” و”الحركة” و”هناك مستقبل” وغيرها.

أن يقوم أوباما بحظر شحن صواريخ للكيان الصهيوني في خضم العدوان الصهيوني ليس بالأمر الهين، وأن يشكل واجهة يهودية مثل “الشارع اليهودي” J-Street لـ”مباطحة” اللوبي الصهيوني في ملعبه ليس باللعبة الافتراضية، وأن تندفع دولٌ أوروبية لفرض عقوبات على مستعمرات الضفة الغربية، وأن تصدر انتقاداتٌ أوروبية بصدد حقوق الإنسان أو بناء المستعمرات وتوسعتها أو تهديم المنازل الفلسطينية أو وقف “محادثات السلام”، يدل كله أن هناك في الغرب من ضاق ذرعاً بإفراط اليمين الصهيوني باستخدام الشدة حيث يقتضي الأمر استخدام اللين مما ينعكس سلباً على المصالح العامة للإمبريالية.

لا بد من التأكيد هنا، حتى لو كان الأمر واضحاً، على أن المشكلة تتعلق ببعض سياسات اليمين الصهيوني، فهي لا تمس من قريب أو بعيد التزام الغرب بالكيان الصهيوني وأمنه ووجوده كما أنها لا تمس المصالح الإمبريالية في الهيمنة وسحق الشعوب ومنع الوحدة والتحرير والنهضة، فالعلاقة الصهيونية-الإمبريالية تبقى علاقة عضوية، وعلاقتنا مع الطرف الأمريكي-الصهيوني لا يمكن إلا أن تكون علاقة تناحرية ما دمنا نعبر عن مصلحة الأمة وما داموا إمبرياليين وصهاينة، إنما يدور الحديث عن بعد خلافي محدد في العلاقة الإمبريالية مع اليمين الصهيوني ببرنامجه الراهن.

أساس المشكلة أن الإمبريالية بعيد رئاسة بوش الابن الثانية، بعد العراق وأفغانستان، باتت ترى إعادة توجيه أولوياتها في السياسة الخارجية نحو احتواء صعود دول البريكس، خاصة الصين وروسيا، ولذلك اعتبرت أن تركيزها يجب أن يتمحور على “الشرق” لا على ما يسمى زوراً “الشرق الأوسط”. اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة واليمين الصهيوني اعتبرا في ذلك “خيانةً” لـ”إسرائيل”، وعندما اقتضى احتواء البريكس، بعد مرحلة “الحرب على الإرهاب”، إعادة إحياء تحالف “الحرب الباردة” مع بعض الحركات الإسلاموية جن جنون اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وصار يشير لباراك أوباما في وسائل الإعلام دوماً باسمه الأوسط “حسين”، وكذلك فعل يمين الحزب الجمهوري طبعاً، وراحت تثار قصص في الإعلام الأمريكي عن عدم وجود شهادة ميلاد أمريكية باسم باراك حسين أوباما، وبأنه مسلم، إلخ…

العبرة هي أن بعض الجهات المتنفذة في الغرب قد لا تكون منزعجة كثيراً من فشل المغامرة العسكرية الصهيونية في غزة. فليس هناك ما يعلم التواضع مثل بعض الفشل، حتى لو كان المرء صهيونياً متغطرساً. وفي النهاية تنبع قوة الحركة الصهيونية العالمية من انسجامها مع مصلحة النظام الإمبريالي ككل، لا من العلاقات العامة على ما يعتقد التسوويون العرب، فإذا وصل الغلو والتمادي ببعض أقسام الحركة الصهيونية العالمية المندمجة عضوياً بالإمبريالية إلى عرقلة المشاريع الإمبريالية، فلا بد لها أن تأخذ درساً في “الأدب” و”حسن السلوك” لا يقتل “الولد الأزعر” بل “يربيه”.

من الواضح بالمقابل أن أساس علاقة السعودية والمحور السعودي في الإقليم مع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة يقوم على مناهضة تقاطعات إدارة أوباما مع بعض الحركات الإسلاموية مثل “الإخوان المسلمين” وغيرهم، ومن الواضح أيضاً أن الحركة الصهيونية لا تتعارض مع سياسة إثارة الفتنة الطائفية في بلادنا ومشاريع التفكيك، بل تستفيد منها وتغذيها، إنما المعارضة لسياسة إدارة أوباما في استبدال “الحرس القديم” في الأنظمة العربية بأنظمة حركات إسلاموية شعبوية، وما زيارات راشد الغنوشي لمعاهد اللوبي الصهيوني في واشنطن إلا محاولة بائسة للتخفيف من تلك المعارضة.

العبرة هي أن تنظيماً يوافق على دولة في حدود الـ”67″، لم يلقِ بكل أوراقه في سلة التفاوض، مثل السلطة الفلسطينية، فيفقد تأثيره وفاعليته ووزنه، هو تنظيمٌ مرشحٌ بشدة لأن يلعب دوراً في الترتيبات الأمريكية في المنطقة. فالقتال ضمن أفق تسووي بات ضرورةً أمريكية وأوروبية يصعب إعلانها مباشرة، فلا بد مما يخفف من غلواء اليمين الصهيوني، دون أن يقود لتهديم دولة “إسرائيل”.

لا يعني ذلك طبعاً أن الغرب يمكن أن يثق بحركة إسلامية أو غير إسلامية مسلحة تقاتل “إسرائيل”، فثمة الكثير مما يتوجب أن تفعله لتحظى بثقة الغرب، غير أن مشروع “الدولة” بحد ذاته، في الظروف الواقعية التي تعيشها المنطقة، لا يمكن أن يعني إلا إيجاد موطئ قدم في الترتيبات الإمبريالية للمنطقة، والقتال بحد ذاته، كما قاتل أنور السادات عام 73 أو ياسر عرفات من قبل، لا يعني كثيراً إن لم يهتدِ بهدي برنامج للتحرير الكامل، ولا يمثل القول “والله نحن برنامجنا التحرير الكامل” موقفاً سياسياً لأن السياسة لا تقيم بالنوايا، ولو صدقت، فكل تنظيم أو شخصية فلسطينية تتبنى رسمياً برنامج “الدويلة” تمثل مشروعَ تفاهم مع الأمريكان واليهود كمقياس ثابت لا يقبل الزلل.

إبراهيم علوش

البناء 10/9/2014

للمشاركة على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=952332838117285&id=100000217333066

الموضوعات المرتبطة

قراءة في قرار ترامب بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الولايات المتحدة

زعم إدارة ترامب أنها حظرت مواطني سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان وإيران من دخول الولايات المتحدة لمنع الإرهاب  يصعب أن يصدقه أي متابع عاقل بالنظر إلى أن: معظم تلك الدول (ما [...]

هراء تسووي وتطبيعي في مسودة الدستور الروسي الجديد

بالإضافة إلى نزع عروبة سورية، وتكريس نظام تمثيلي يقوم على المحاصصة الطائفية والمناطقية، يبدو أن مسودة الدستور الروسي الجديد مخترقة صهيونياً.  لاحظوا المادة الثامنة من ذلك الدستور كما [...]

أخطر ما في مخرجات “مؤتمر باريس للسلام”

لم تترجم معظم وسائل الإعلام العربية، على ما رأيت، العنوان الحرفي الذي انعقد تحته ما يسمى بـ"مؤتمر باريس للسلام"، فقد كان Conference pour la paix au Proche-Orient، أي مؤتمر من أجل السلام في "الشرق الأدنى"، وهي [...]

النشاط التطبيعي يتصاعد في المغرب

خاص لصفحة حملة استحِ لمقاطعة المنتجات الصهيونية شُهد الأسبوع الماضي مُشاركة وفد مغربي في مؤتمر "ماتروز" الذي أقيم في القدس العربية المحتلة تحت إشراف ما يُسمى بـ "جمعية الصداقة اليهودية – [...]

حول القصف الصهيوني لمطار المزة العسكري

القصف الصهيوني لمطار المزة وجواره، مثل القصف الصهيوني الشهر الفائت، والقصف الصهيوني خلال كل المرات الماضية، يأتي دوماً لـ: 1) دعم العصابات التكفيرية المسلحة في حربها ضد سورية جيشاً وشعباً [...]
2017 الصوت العربي الحر.