لمَ ضد العدوان السعودي على اليمن؟

April 1st 2015 | كتبها

العدوان السعودي على اليمن

مع تحول القصف السعودي والحليف للمناطق اليمنية المختلفة إلى حدثٍ يوميٍ مألوف، ويا للأسف، في وسائل الإعلام، تماماً كعمليات العصابات التكفيرية وتفجيراتها في أكثر من قُطر عربي، يتعرض المواطن العربي لقصف من نوع آخر، إعلامي، يصور ما يجري من عدوانٍ على اليمن والمنطقة كصراع طائفي سني-شيعي في معظم الأحيان، أو كصراع عربي-فارسي أحياناً، مع أن محاولة حكام السعودية زج تركيا وباكستان في معركة اليمن ينم عن أجندة طائفية أكثر مما ينم عن أجندة عربية حتى بالمقياس الشكلي. فالعدوان على اليمن يُشن بالاستناد لأجندة طائفية صرف يمنياً وإقليمياً.

لكن تحويل معركة اليمن إلى معركة ذات طابع طائفي، إذا نجح، ستكون له ارتدادات في كل المشرق العربي، ولن يقف عند حدود اليمن، إذ لا مناص من انسياح التأثيرات الطائفية للدول المجاورة لليمن بالأخص، تماماً مثلما انساحت ارتدادات التحريض الطائفي المسعور عبر أقطار الهلال الخصيب في جميع الاتجاهات. العبرة أن فتح معركة على أسس طائفية في اليمن يهدد بفرط عقد كل دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية نفسها، فكأن من دفع السعودية لشن العدوان على اليمن أراد أن يبدأ مرحلة تفكيك السعودية نفسها!

لذلك من المهم اليوم، حرصاً على وحدة اليمن، واقطار الجزيرة العربية كلها، أن نحدد طبيعة المعركة الجارية اليوم على نحوٍ صحيح، بعيداً عن المنظار الطائفي الذي لا يمكن إنكار وجوده الكريه على مستوى الشارع، كأداة سياسية جرى تعميمها شعبياً لإعادة خلط الأوراق من قبل جهات مختلفة إقليمية ودولية، في سياق تهميش التناقض مع الإمبريالية والصهيونية، وفي سياق صراع نفوذ جغرافي-سياسي تمثل تركيا والسعودية وإيران بعض أطرافه.

يقيم العدوان على اليمن من زاوية الأطراف المشاركة فيه، ومن زاوية أهدافه، وآثاره. نلاحظ من الناحية الأولى أن أعتى قوة رجعية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، وهي حكام آل سعود، هم حجر الزاوية في العدوان على دولة عربية تقع في الفئات الدنيا من معايير التنمية البشرية. فما يحصل الآن هو تدمير منهجي للبنية التحتية في اليمن الفقيرة، وعدوان غاشم يدفع ثمنه اليمنيون نساءً ورجالاً وأطفالاً وشيوخاً.

يعكس ذلك العدوان، فيما يعكسه، حقداً تاريخياً على اليمن التي تمتلك الإمكانات وحدها على منازعة حكام الحجاز على قيادة الجزيرة العربية، خاصة أن السعودية تسيطر على أراضٍ يمنية واسعة في محافظتي نجران وجيزان، وقد كانت اليمن ساحةً ساخنة للحرب الباردة العربية في الستينيات بين مصر الناصرية وحكام آل سعود، إذ مثلت مصر آنذاك مشروع الوحدة والتحرير والنهضة، ومثل حكام آل سعود، ولا يزالون، مشروع التبعية للخارج ومأسسة الرجعية في عموم الوطن العربي، وهو ما يجعل التدخل المصري الناصري في اليمن في الستينيات مختلفاً من الناحية النوعية عن التدخل السعودي وحلفائه في اليمن اليوم. ففي سياق صراع المشروعين، وقف آل سعود دوماً على رأس معسكر الرجعية العربية، في مواجهة كل حالة قومية تحررية في الوطن العربي وغيره، فلا يحق لهم إذن أن يزعموا الدفاع عن العرب والعروبة أو عن المشروع العربي.

على العكس، يؤدي الهجوم على اليمن تحت يافطة عربية لدفع اليمنيين دفعاً للتخلي عن العروبة، وللوقوع في حضن إيران، إذا كان هذا ما يقلقهم، تماماً كما فعلوا عندما شاركوا بالعدوان على العراق، ومن ثم على سورية. ولو افترضنا جدلاً أن كل ما يقوله معسكر البترودولار عن المشروع الإيراني صحيح، فإن السؤال يبقى: هل نقاط التقاطع مع المشروع الأمريكي أو الصهيوني أو التركي أكبر من نقاط التقاطع مع المشروع الإيراني لهذه الدرجة حتى يعقد ارباب البترودولار تحالفاً إقليمياً-عالمياً ضده؟! وإذا كانت المشكلة مع إيران، لماذا يتم تدمير اليمن؟! لماذا لا يتم الهجوم على جزر طنب الكبرى والصغرى وأبي موسى مباشرة؟!

المشكلة الأخرى أن جعل “الحرب على إيران” الأولوية الأولى في السياسة الرسمية العربية يأتي فقط على حساب “الحرب على الإرهاب”، فالمستفيد الأول من انزياح أولويتها وتراجعها للوراء هم الإرهابيون التكفيريون انفسهم الذين راحوا يهللون ويباركون العدوان على اليمن، وهذا يمثل بحد ذاته إشكالاً لأطراف التحالف في العدوان على اليمن، ويحمل في طياته إمكانية انفراطه، لأن مصر مثلاً تعتبر مواجهة الإرهاب التكفيري أولوية أولى لا ثانية، فإلى أي مدى يمكن أن يستمر التحالف الرسمي العربي ضد اليمن وأن يحافظ على تماسكه في ظل مثل هذه الشروط؟

من البديهي أن العدوان السعودي على اليمن، أن تكرّس نموذجه، سوف يدفع حكام الحجاز لتكرار تجربته في سورية أو غيرها، لتحقيق أهداف السياسة العربية للسعودية عسكرياً، ولن يعجز حكام الحجاز عن إعادة تدوير الحجج المعروضة لتبرير العدوان على اليمن في السياق السوري، ولذلك من المهم جداً أن يهزم هذا التحالف العدواني، وأن يتم دحره على أرض اليمن، وأن يتم تقديم كل دعم ممكن لليمنيين الذين يواجهونه.

نضيف أنه ليس من السليم التركيز على الحوثيين وحدهم كطرف مقابل للعدوان السعودي، متجاهلين دور القوات المسلحة اليمنية الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، والذي يمارس نفوذا ودوراً عابراً للطوائف، فمن المهم التأكيد أن من يواجه العدوان ليس الحوثيين وحدهم، بل كل اليمنيين شعباً وجيشاً.

بالمعيار نفسه، لا بد من التركيز على الطرف الرئيسي في العدوان وهو حكام الحجاز، لأن التركيز على غيرهم، ممن يلعب دوراً ثانوياً أو أقل أهمية في العدوان، يشتت البوصلة، ويضيع الحلقة الرئيسية في المعركة، مع إدانة كل مشاركة رسمية عربية أو غير عربية في العدوان.

في النهاية يجب التأكيد أن لا حل غير الحل السياسي في اليمن، وأن ذلك الحل يصنعه اليمنيون أنفسهم بعيداً عن التدخل الخارجي.

إبراهيم علوش

البناء 1/4/2015

للمشاركة على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1080843145266253&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=1&theater

 

الموضوعات المرتبطة

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]

وثيقة حماس الجديدة

بمناسبة صدور وثيقة حماس الجديدة التي تتبنى فيها رسمياً فكرة "الدويلة" ضمن حدود الـ67، نرى أن الخلل في برنامج حماس لم يبدأ مع هذه الوثيقة، بل سبقه خطاب خالد مشعل في دمشق عام 2009، رداً على خطاب [...]
2017 الصوت العربي الحر.