فيلمان يتنافسان في مهرجان كان السينمائي صورا جزئياً في الأردن:

June 1st 2010 | كتبها

Route Irish عن حرب العراق، وFair Game عن كذبة أسلحة الدمار الشامل

د. إبراهيم علوش

العرب اليوم، 1/6/2010

بعد “خزانة المصابين” Hurt Locker، أو “خزانة الألم” كما يعنون أحياناً الفيلم الذي نال جائزة أفضل فيلم لعام 2009، وبعد فيلم “معركة حديثة” وغيره من الأفلام، تم تكريس الأردن كخلفية بديلة لتصوير الأفلام الهوليودية المتعلقة بالعراق.  وقد كان معظم تلك الأفلام يقدم العدوان على العراق بطريقة تسيء للعرب عامةً باستثناء فيلم “منقح” Redacted، للمخرج المعروف بريان دي بالما، وهو فيلم يعالج جريمة اغتصاب الفتاة العراقية عبير قاسم الجنابي وقتلها وقتل عائلتها على يد قوات الاحتلال الأمريكي في المحمودية، وقد تم خنق ذلك الفيلم في هوليود خنقاً، كما ذكرنا في معالجة أخرى، من خلال عدم عرضه في دور عرض الأفلام التي تسيطر عليها خمس شركات كبرى في أمريكا الشمالية. 

إذن الأردن مفتوح لتصوير الأفلام المتعلقة بالعراق، أو أفلام الجاسوسية الأمريكية عن منطقتنا مثل True Lies، بدعم رسمي وتسهيلات كبيرة، ولكن دونما تدقيق بمضمون تلك الأفلام التي تصور عندنا وما إذا كانت تسيء للأردن وللأمة العربية وقضاياها.  فمقابل كل فيلم صور في الأردن يقدم القضايا العربية بصورة إيجابية مثل “منقح”، قد تجد عشرة أفلام تقدمها بطريقة سلبية أو مشوهة.  ولا نعرف ما إذا كان تصوير مثل تلك الأفلام مجدٍ اقتصادياً أصلاً، مع أن الجدوى الاقتصادية ليست المقياس الأول في مثل هذه الحالات، بغض النظر عما يقال عن الجدوى الاقتصادية لتصوير الأفلام الأمريكية في الأردن… مع أن الأساس في هذه المعادلة قد يكون الاعتبار السياسي لإبقاء الأردن مفتوحاً لكل شيء أمريكي، سينمائياً كان أم غير سينمائي!!  وربما يكون السماح بتصوير تلك الأفلام دفعة سياسية على حساب مساعدات اليو أس إيد U.S. Aid للأردن أو جزءاً من الوهم السائد لدى بعض أبناء المستعمرات بأنهم بالسماح للمستعمرين بتحقيرهم يبقون على الأقل في علاقة وطيدة ب”العالم المتحضر”…  

فهل نفرح أم نجزع لأن فيلمين تم تصويرهما في الأردن جزئياً، احدهما بريطاني هو Route Irish، والآخر أمريكي هو Fair Game، قد عرضا ونافسا للحصول على جائزة “السعفة الذهبية” في مهرجان كان السينمائي في فرنسا في 20/5/2010؟!

الفيلمان لم يطلقا رسميا بعد في دور العرض أو على الدي في دي، ولا نزال لا نعرف بالضبط مضمون هذين الفيلمين إلا مما كتبه عنهما بعض النقاد السينمائيين ممن شاهدوهما في كان، ومن بعض المواقع على الإنترنت. 

أما فيلم Route Irish فيأخذ اسمه من اللقب الذي أعطاه الاحتلال لطريق المطار في بغداد الذي يربط ما بين “المنطقة الخضراء” ومطار بغداد الدولي، وهي طريق طولها اثنا عشر كيلومتراً، تعتبر أهم صلة وصل ما بين مقر الاحتلال الرئيسي في “المنطقة الخضراء” والعالم الخارجي، وقد كثرت عليها عمليات المقاومة العراقية في مستهل الاحتلال. 

Route تعني طريق، أما Irish فتعني ايرلندي، والمقصود هنا ليس ايرلندا البلد طبعاً، بل فريق كرة قدم أمريكي مشهور اسمه Fighting Irish التابع لجامعة نوتر دايم في ولاية إنديانا الأمريكية، وقد درجت قوات الاحتلال الأمريكي على تسمية الطرق الرئيسية الخاضعة لها بأسماء الفرق الرياضية الأمريكية المشهورة، وهو نوعٌ من الأمركة، لكي لا يشعر جنود الاحتلال بالغربة جزئياً… لكنه أيضاً نوعٌ من الأمركة يعكس استهتاراً بالأرض المحتلة وأسمائها ومالكيها وتاريخها.  فالأمركة للرمز تكون بتسطيحه.  وطريق المطار في العراق يحمل معانٍ رمزية كبرى لأنه شهد معارك كثيرة للمقاومة العراقية الباسلة شارك في بعضها الرئيس الشهيد صدام حسين كما هو معروف.   فتخيلوا مثلاً لو أصررنا على تسمية جادة النصر قرب باريس مثلاً “جادة نادي الفيصلي” أو “جادة نادي الوحدات” أو جادة الأهلي أو الزمالك أو أي فريق كرة قدم عربي الخ…

إذن فيلم “طريق ايرلندي” كما يمكن أن نترجم اسم الفيلم، والأصح أن نقول “طريق المطار”، إذا ترجمنا المعنى لا اللفظ فحسب،  هو فيلم بريطاني عن تجربة حرب العراق، تدور أحداثه، كما يقول أحد المواقع على الإنترنت، حول معاناة “المتعاقدين العسكريين”، اقرأ: المرتزقة، كمأجوري شركة بلاك ووتر مثلاً، في حرب العراق.  ويفترض أنه دراما حول مرتزق بريطاني يرفض التفسير الرسمي لمقتل صديقه المرتزق، وينطلق بحثاً عن الحقيقة. 

وقد تم تصوير معظم الفيلم في ليفربول في بريطانيا، وجزء منه في الأردن، ويفترض أن كن لوتش، مخرج الفيلم، معارضٌ لحرب العراق، لكن سنحجم عن تقييم الفيلم حتى يعرض في دور السينما، مع العلم أن “معارضة حرب العراق”، مثل “تأييد القضية الفلسطينية”، قد يعني سياسياً أشياء مختلفة، وحتى متناقضة تماماً، للناس المختلفين. 

 

أما فيلم Fair Game، فهو فيلم أمريكي هوليودي من إخراج وإنتاج يهودي، ويأخذ اسمه من كتاب بنفس العنوان لشخصية حقيقية هي فالري بلايم Valerie Plame، ضابط المخابرات المركزية الأمريكية CIA التي اتهم مسؤولون في البيت الأبيض الأمريكي بكشف هويتها على الملأ لأن زوجها، وهو سفير أمريكي مخضرم، كشف في مقالة في صحيفة النيويورك تايمز عام 2003، من خلال معلومات حصل عليها عن طريق زوجته على ما يبدو، أن إدارة بوش حورت أو تجاهلت معطيات استخبارية أمريكية تدل بأن العراق لم يمتلك أسلحة دمار شامل، لكي يبرر غزو العراق واحتلاله. 

“لعبة عادلة” أو Fair Game كان اسم عدد من الأفلام الهوليودية من قبل بالمناسبة، وسنحجم مرة أخرى عن إبداء رأي فيه حتى يعرض على الشاشات، لكن لا بد من التذكير أن فكرة العنصر النقي أو الشريف في الإدارة الأمريكية الذي يضبط أو يكشف العنصر الرديء أو الشرير، وكون النظام الأمريكي يتيح الفرصة في النهاية للعنصر الجيد أن ينتصر، ولو بعد بعض معاناة، فكرة قديمة في هوليود، لطالما استخدمت لتثبيت مشروعية النظام، وتأتي في هذه الحالة لتبيض صفحة الإدارة الأمريكية بعد الكوارث التي جرتها إدارة بوش على صورة الولايات المتحدة في العالم.

ومثل أي فيلم تجاري يهدف لتحقيق الربح، لا بد لمثل هذه الأفلام من مداخل إنسانية أو دارمية أو عنفية أو رومانسية أو غيرها لتسويق نفسها للجمهور غير المسييس، لكي يأتي تمرير الرسالة السياسية عبرها بسلاسة ونعومة. 

بجميع الأحوال، ما يعننا هنا هو صورة العرب، والطريقة المسطحة أو المشوهة أو الخبيثة في تناول القضايا العربية، في الأفلام المصورة في الدول العربية، في الأردن ومصر، كما في “لعبة عادلة” مثلاً، أو في فيلم Green Zone”المنطقة الخضراء”، الذي صور جزئياً في المغرب.  فإلى متى تستخدم أرض العرب لتصوير أفلام تشوه صورة العرب؟!

 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

طلقة تنور 34

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 آذار 2017   هل ما تزال الوحدة العربية حلّاً صالحاً؟/ صالح بدروشي   صعود اليمين الشعبوي في الغرب: حركة تصحيح ضمن النسق الإمبريالي؟/ إبراهيم [...]

طلقة تنوير 33 – عدد 1 شباط 2017

طلقة تنوير 33   المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 شباط 2017   ما هو الشرط التاريخي الأهم لإعادة إحياء التيار القومي؟/ إبراهيم علوش   العصر الجينومي والتلاعب بالهويات/ فؤاد [...]

طلقة تنوير 32: حروب الجيل الرابع

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 كانون ثاني 2017   كلمة العدد: حروب ما بعد الحداثة/ بشار شخاترة الحرب بالوكالة/ محمد العملة حروب جيل رابع، أم ثورات مضادة معاصرة؟/ إبراهيم [...]

طلقة تنوير 31: التكفير

المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 كانون أول 2016   كلمة العدد: التكفير كأداة سياسية/ بشار شخاترة مؤتمر غروزني/ علي بابل السلفية الوهابية التقليدية: قراءة في الشكل [...]

طلقة تنوير30: موقفنا من “الشرعية الدولية” والقانون الدولي

  المجلة الثقافية للائحة القومي العربي... عدد 1 تشرين ثاني 2016   كلمة العدد: القانون الدولي بين قوة القانون وقانون القوة/ بشار شخاترة عشرة قرارات "أمميّة" عن الصّراع العربيّ-الصّهيونيّ/ [...]
2017 الصوت العربي الحر.