مقاطعون للانتخابات النيابية الأردنية…

September 19th 2016 | كتبها

عندما بدأ “الحراك” في الأردن في العام 2011، كان موقفنا بأن أي “حراك” لا ينطلق من أولوية مناهضة التبعية للمنظومة الإمبريالية والتطبيع مع العدو الصهيوني، أي لا ينطلق من برنامج للتحرر الوطني والوحدة القومية، سيكون حراكاً لا تختلف مآلاته كثيراً عن مشاريع “الإصلاح” الأمريكية والغربية القائمة على تدوير الوجوه والاحتفالات الانتخابية الفارغة من أجل تكريس شرعية منظومة حكم الكمبرادور ولوردات الدولة الريعية من دون أي تغيير حقيقي في السياسات والمؤسسات.

عليه رفعنا شعار: “بطلان وادي عربة أساس التغيير…!”، ولا نزال مصرين كلائحة قومي عربي في الأردن على هذا المنطلق البرنامجي كأساس لمقاربة أي مشروع عمل حقيقي في الساحة الأردنية…  وقد جاءت مشاركتنا المنتظمة في اعتصام “جك” الدوري على مدى خمس سنوات ونيف، قبل أن يتم قمعه وحظره والتضييق الأمني على المشاركين فيه، في سياق إصرارنا على إبقاء تلك القضية مطروحةً في الشارع، بما نملكه من إمكانات، خصوصاً في ظل تراجع المد الوطني والقومي في الشارع، وزوغان البوصلة عن التناقض مع العدو الصهيوني تحت رايات “ربيع الدم العربي”.

غداً الثلاثاء يوافق موعد الانتخابات البرلمانية الأردنية في ظل قانون انتخابي جديد يكرس القوائم على مستوى المحافظة، كبديل لقانون الصوت الواحد المعمول به منذ العام 1993، الذي أفرز البرلمان الذي أقر معاهدة وادي عربة، وصمت أو شارك في قوننة الأحكام العرفية في الأردن وخصخصة القطاع العام.

وقد أعلنت كل الأحزاب والقوى السياسية المرخصة في الأردن مشاركتها في المهرجان الانتخابي، القائم على أساس القانون الجديد، ترشيحاً أو انتخاباً، لتقدم نفسها كغطاء معنوي لمجلس نيابي لا يمتلك من أمره شيئاً، ولا يمتلك أي صلاحيات فعلياً، ويمكن حله بقرار ملكي في أي وقت، ولا يستطيع أن يؤثر في الخيارات الاستراتيجية للنظام قيد أنملة، ويقتصر دوره على أن يكون جزءاً من الديكور “الديموقراطي” الذي تتطلبه تقارير الدول المانحة للمساعدات، مقابل “حوافز” مالية وسياسية للقوى والأحزاب المشاركة في مثل هذه المسرحية ربما تكون قد أسهمت أيضاً بتركيز دعايتها الانتخابية على الشأن المعيشي و”الإصلاح السياسي”، بعيداً عن طرح التوجهات الجوهرية للنظام، وعلى رأسها التوجه نحو تعميق التطبيع والتبعية باعتبار ذلك أساس الأزمة المعيشية والسياسية…

قانون الانتخابات الجديد، على أساس القوائم على مستوى المحافظة، يعزز بدوره فكرة “اللامركزية الإدارية”، وهو جزء من المشروع الأمريكي لإضعاف الدول المركزية وتعزيز النزعات المناطقية والجهوية عموماً.   لكنه قانون يقصد به أن يفرز أيضاً نسبة أعلى من التمثيل الأردسطيني (الأردني-الفلسطيني)، وثمة من يربط ذلك بمشروع الكونفدرالية مع “الدولة الفلسطينية” بعد إعلانها صورياً ومع الكيان الصهيوني، وبما يتم رسمه على المدى المتوسط لشرق سورية وغرب العراق.

العبرة هي أن الانتخابات هنا تصبح غطاءً لشرعنة مشروع إقليمي معادي، لا لشرعنة واجهة نيابية لنظام سلطوي لا تملك أي قدر من التأثير عليه فحسب.  أما قصة الدولة المدنية التي يتم طرحها في المساجلات الانتخابية، فتأتي ضمن ذلك السياق السياسي الإقليمي، بغض النظر عن حسن النوايا، لأن طرح الدولة المدنية لا يتم خارج سياق المشروع القومي النهضوي الذي يضع وحده الأساسات الحقيقية لقيامها، لأن شرط الدولة المدنية هو الاستقلال الحقيقي، والاقتصاد المستقل، والوعي القومي (المتجاوز للحس الإقليمي والطائفي والعِرقي والمناطقي)، فالدولة المدنية لا تهبط من السماء على مجتمعات مجزأة محتلة تابعة ومتخلفة اقتصادياً واجتماعياً من خارج تلك الشروط.

والأهم، أن شعار المواطنة الحقة يتطلب رفع شعار العمل على تحرير فلسطين، كواجب فلسطيني وأردني وعربي، على نهج الشهيد سعيد هايل العمرو، لا استبداله بشعار التوطين السياسي ضمن سياق كونفدرالي، مع التأكيد أن أهم طرفين في هذه المعادلة في الأردن هما النظام الأردني والإخوان المسلمين، لأن شعار “الدولة المدنية” يتحول إلى ضحية سياسية في مثل هذا المعمعمان.  ومن البديهي أننا بإدانتنا لفكرة التوطين السياسي كمدخل للتسوية مع الكيان الصهيوني، فإننا ندين التضييق على الفلسطينيين في الدول العربية، الذي يهدف لدفعهم أيضاً لقبول أي تسوية مع العدو الصهيوني بداعي “الخلاص”!

لهذا كتبنا في العدد 28 من مجلة “طلقة تنوير”، الصادر في 1 أيلول 2016، والذي حمل محور “زيف التمثيل البرلماني”:  بعد تغيير القانون الانتخابي في الأردن مؤخراً، بالاستعاضة عن قانون الصوت الواحد بقانون الدوائر والقوائم المشتركة على مستوى المحافظة، فإنّ السياق السياسي يصبح أكثر خطورةً، لأنه يمثل عملية انتقال من إنتاج نواب خدمات إلى تحقيق مشروع اللامركزية في الأردن، والتهيئة للكونفدرالية بين المملكة والسلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني (وشرق سورية وغرب العراق إذا نجح المشروع الصهيوني)، بحسب ضالعين في الشأن الأردني، من دون أن يكون للمجلس النيابي صلاحيات تذكر، ومن دون أن يكون هناك مرشحون للمعارضة صاعدون على كتف موجة شعبية صاعدة يعبرون عنها، ولذلك فالأولى في الأردن اليوم هو مقاطعة الانتخابات النيابية ترشحاً وتصويتاً.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1451260038224560&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.