العولمة وصعود نجم اليمين الشعبوي في الغرب

December 4th 2016 | كتبها

د. إبراهيم علوش

نداء الوطن 4/12/2016

فجّر نجاح دونالد ترامب المفاجئ في الانتخابات الرئاسية الأمريكية تساؤلات ملحة حول أبعاد صعود نجم اليمين الشعبوي في الحياة السياسية الغربية، لا في الولايات المتحدة فحسب، بل في العديد من دول الاتحاد الأوروبي، من بولندا وهنغاريا في شرقه، إلى بريطانيا وفرنسا في غربه، إلى ألمانيا في وسطه.  وكان النقاش حول هذه الظاهرة قد بدأ منذ سنوات في وسائل الإعلام الغربية، مثل أسبوعية “ذي إيكونوميست” البريطانية المرموقة، وجريدة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، وغيرها.

وبعد الاستفتاء الذي مال فيه البريطانيون للخروج من الاتحاد الأوروبي، وتقدم فرانسوا فيون ومارين لوبين في مؤشرات الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، باتت العولمة، التي يرغي ويزبد مرشحو اليمين الشعبوي ضدها، في قفص الاتهام في الغرب، وبات المدافعون عن العولمة في حالة دفاعية لا يحسدون عليها.  فهم يصرون أن صعود اليمين الشعبوي ليست تصويتاً ضد العولمة بمقدار ما هو تصويتٌ ضد الهجرة، مما أضحى ثيمة مكرورة وبائسة في السعي لتفسير ما يجري.  صحيفة “وول ستريت جورنال” مثلاً نشرت في 8/6/2016 تقريراً بعنوان “صعود اليمين الشعبوي لا يؤشر على نهاية العولمة” تقول فيه أن التصويت لليمين الشعبوي لا علاقة له بالأحوال الاقتصادية للناخبين، إنما ينبع من تحفظات اجتماعية-ثقافية على تدفق المهاجرين الأجانب، والرسالة المتضمنة هنا هي أن أنصار اليمين الشعبوي هم أناسٌ عنصريون مغلقون ضيقو الأفق.  وكانت “ذي إيكونوميست” بدورها قد نشرت تقريراً في 12/12/2015 بعنوان: “الشعبوية المناهضة للهجرة: مسيرة الترامبات (جمع ترامب) الصغار في أوروبا”!  وهكذا…

لكن تسطيح المسألة بهذه الطريقة لا يفسرها بتاتاً، إذ تدل استطلاعات الرأي المختلفة أن التصويت لترامب في الولايات المتحدة، وللخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا، كان الأعلى بين فئة الرجال البيض الأكبر سناً والأقل تعليماً، مقارنةً بالنساء والأقليات والرجال البيض الأكثر تعليماً.   وهذه الشريحة بالذات تشكل الخزان البشري للعمالة غير الماهرة في الغرب التي وجدت نفسها في حالة منافسة مباشرة مع العمال الأجانب إما عندما يأتون للهجرة واللجوء في الغرب، أو عندما تهاجر المصانع من الولايات المتحدة إلى المكسيك مثلاً بحثاً عن أجورٍ أدنى.

وفي ظل انحلال دولة “الرفاه الاجتماعي”، مع سيطرة النيوليبرالية المتوحشة على عجلات السياسات الاقتصادية في الغرب، فإن تلك الشريحة وجدت نفسها تحدق فجأة في وجه المستقبل الغامض ولقمة العيش المهددة.  وليست صدفة أن الرئيس المنتخب دونالد ترامب بدأ يوم الخميس الموافق 1/12/2016 ما اسماه “جولة النصر” على الولايات الصناعية في الولايات المتحدة التي كان لها الفضل الأكبر في صب الأصوات لصالحه.   وقد بدأ تلك الجولة بزيارة لمصنع “كاريير” للمكيفات في ولاية إنديانا الذي يعمل فيه ألف عامل، والذي كان على وشك أن يغلق للذهاب إلى المكسيك، لولا رزمة حوافز قدمتها ولاية إنديانا من خلال مايك بنس، حاكمها، ونائب الرئيس المنتخب!  (الغد، 2/2/2016، ص. 22)

ويشير تقرير لوزارة العمل الأمريكية في عام 2011 أن الولايات المتحدة خسرت أكثر من 56 ألف مصنع في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، انتقل الآلاف منها للمكسيك.  ويشير تقرير صادر عن مؤسسة مستقلة في شهر شباط 2016 أن هجرة المصانع الأمريكية للمكسيك وحدها تركت 700 ألف عامل أمريكي في الشارع.   وبالنسبة لمثل هؤلاء، تشكل حرية حركة رؤوس الأموال عبر الحدود، كعنوان مركزي لبرنامج العولمة، خطراً وجودياً على حياتهم وحياة عائلاتهم!  فحديث ترامب عن بناء جدار عملاق بين الولايات المتحدة والمكسيك يحمل أهمية رمزية كبرى لا لإبقاء المهاجرين من أمريكا اللاتينية في الخارج فحسب، بل لإبقاء المصانع الأمريكية في الداخل… إنما وصلتنا الرسالة مفلترة عبر وسائل الإعلام الليبرالية المعادية لترامب لتوحي أنه عداءٌ مسعورٌ ولاعقلاني للأجانب فحسب.    أما الخطاب الديماغوجي الموجه ضد الصين، فلا يستهدف السلعة الصينية الرخيصة التي تهدد المصنع الأمريكي بالإغلاق فحسب، بل تستهدف هجرة المصانع الأمريكية إلى الصين على نطاقٍ واسع.

الروس، من جهتهم، لا يغيب عنهم معنى إبعاد النقاش في وسائل الإعلام الليبرالية عن نقد العولمة وتحويله إلى عداءٍ عنصري حاقد على المهاجرين والأجانب فحسب.  وقد نشر موقع “روسيا اليوم” بالإنكليزية يوم 30/11/2016 ملخصاً لدراسة ألمانية بعنوان “دراسة: المخاوف من العولمة تساعد على ازدهار أحزاب اليمين الشعبوي”، استناداً إلى عينة من 11 ألف شخص في 28 دولة منضوية في الاتحاد الأوروبي، تضع العولمة في دائرة الاستهداف.

لا يعني ما سبق بالطبع أن اليمين الشعبوي يدافع عن العمال والطبقات المنسحقة تحت عجلات العولمة.  إنما يستثمر ذلك اليمين في النقمة على العولمة ليعيد إحياء برنامج اليمين التقليدي وخطابه ما قبل العولمة، أي اليمين المستند إلى دولة وبرجوازية قوميّتين.  وليكن واضحاً أن برنامج اليمين الشعبوي هو برنامج يميني علناً، يمجد الاقتصاد الحر، ويدعو لتخفيض الضرائب على أرباح الشركات وإلى ما هنالك، إنما ضمن إطار الدولة القومية، على النمط القديم ما قبل سيادة عصر العولمة، فهو يهاجم النقاط التي تضررت منها عامة الشعب من العولمة لتعبئته في خدمة الحرس القديم من البرجوازية المتضررة من العولمة، والبيروقراطية العليا التي تشهد المزيد والمزيد من الصلاحيات تنتقل من يدها إلى أيدي مؤسسات ما فوق قومية، مثل الاتحاد الأوروبي، أو مثل المؤسسات الاقتصادية الدولية.  ومن هنا صرخة ترامب  الشهيرة في حملته الانتخابية: Americanism, not globalism, will be our credo!، أي أن الأمركة، لا العولمة، ستكون عقيدتنا!

صراع اليمين الشعبوي مع النخب هو بالضبط ما يجعله شعبوياً.  ويرى تحليلٌ نشر في مجلة “فورن أفيرز” الأمريكية في 3/6/2016 أن الأحزاب اليسارية (الاشتراكية) في الغرب انتقلت في التسعينيات وما بعدها للتخلي عن الأيديولوجيا، ولتبني سياسات يمينية فيما يتعلق بالاقتصاد، توني بلير من حزب العمال البريطاني نموذجاً، وأن الأحزاب اليمينية التقليدية في الغرب انتقلت لتبني مواقف أقرب لمواقف اليسار الليبرالي في القضايا الثقافية (مثل التعددية الثقافية وما شابه)، وأن نخب اليمين واليسار التقليدييّن تقاربت إلى درجة لم يعد من الممكن معها التمييز بينها بوضوح، وأنها انخرطت في مساومات مع بعضها البعض في الأطر ما فوق القومية، مثل الاتحاد الأوروبي وغيره، لفرض سياسات ورؤى باتت النخب المحلية تشعر أنها همشتها… ومن هنا ردة الفعل ذات الطابع القومي ضد تلك النخب وضد المؤسسات التي تدير العالم عبرها.

أما مدى قدرة، وحقيقةً استعداد، ترامب أو اليمين الشعبوي في أوروبا لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فمسألة بحاجة لنقاشٍ آخر.  يكفي القول أن البنية التحتية للعولمة من تطور في قوى الإنتاج، على مستوى تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات مثلاً، هي التي خلقت قوة الدفع نحو فرض التشريعات التي تكرس علاقات الإنتاج المعولمة الجديدة.  فما يجري حالياً لن يعدو عن أن يكون أداة تنفيس داخلية، وصيغة لإعادة التفاوض حول ميزان العلاقة بين الداخل والخارج، ما بين النخب المحلية والنخب المعولمة.  لكن كل ما سبق لا يجوز أن ينسينا أن ما سمح بإعادة التموضع في العلاقة مع العولمة هو مأزقها الذي وجدت نفسها فيه منذ الأزمة المالية الدولية في العام 2008.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1533240066693223&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.