قراءة في قرار ترامب بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الولايات المتحدة

January 31st 2017 | كتبها

زعم إدارة ترامب أنها حظرت مواطني سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان وإيران من دخول الولايات المتحدة لمنع الإرهاب  يصعب أن يصدقه أي متابع عاقل بالنظر إلى أن:

  • معظم تلك الدول (ما عدا السودان) تجري عمليات الإرهابيين التكفريين من غير مواطنيها على أراضيها، أي أنها مسرح للعمليات الإرهابية القادمة من الخارج، أكثر بكثير مما يمكن نسبة العمليات الإرهابية التي تجري في الخارج لمواطنيها، فهي مستورد صافٍ للإرهاب التكفيري، بمعنى أن ما تستورده من إرهاب تكفيري أكثر بكثير مما يصدره تكفيريوها إلى دول أخرى،

  • معظم تلك الدول تعرضت لتدخل عسكري أمريكي مباشر أو غير مباشر، من الصومال في بداية التسعينيات إلى العراق في بداية التسعينيات ثم في العام 2003، إلى ليبيا في العام 2011، إلى سورية التي تعرضت لتدخل مباشر وغير مباشر من حلف الناتو، إلى اليمن الذي يتعرض لعدوان مباشر منذ حوالي عامين، إلى السودان الذي تعرض لعملية تقسيم خلفها تمرد مدعوم من الغرب، إلى إيران التي اتخذت التدخلات الغربية فيها شكل حصار ومحاولة تأجيج “ثورة ملونة” عام 2009 وعمليات إرهابية،

  • التدخل الأمريكي والحليف في معظم تلك الدول سعى أو تمكن من تفكيك مؤسسات دولتها المركزية، أو فكك البلد جغرافياً، أو وضعه على طريق التفكك، ولنا في الصومال والعراق وليبيا والسودان واليمن خير أمثلة، وهي البيئة المثالية لنمو الظاهرة الإرهابية التكفيرية وانتشارها، ناهيك عن الدعم المباشر الذي تم تقديمه للتكفيريين، كما صرح مباشرة مستشار الأمن القومي الأمريكي مايكل فلين بعد استقالته من منصب رئيس الاستخبارات العسكرية قبل ثلاثة أعوام بصدد دعم إدارة أوباما للإرهابيين التكفيريين لتمكينهم من تأسيس إمارة لهم في شرق سورية،

  • الدول الداعمة رسمياً للإرهاب التكفيري، خصوصاً مملكة آل سعود، لم يُمنع مواطنوها من دخول الولايات المتحدة بعد.

إذن لا بد لنا أن نبحث عن سبب حظر دخول مواطني الدول السبع المحظورة إلى الولايات المتحدة في مكان آخر.  فكل ما سبق لا ينفي توظيف ترامب لهذا القرار في الصراع الأمريكي الداخلي، لكن اختيار تلك الدول السبع بالذات له بعد آخر، يتعلق بها، أكثر مما يتعلق بالولايات المتحدة.  فإذا انطلقنا من الحيثيات الواردة أعلاه، يصعب أن لا نصل إلى أن منع مواطني تلك الدول التي خربتها الولايات المتحدة، أو اجتهدت في تخريبها، سيكون مآله أساساً زيادة الاحتقان الداخلي، ومنع تصريفه من خلال الهجرة والسفر المؤقت أو الدائم، خصوصاً أن ما تتخذه الولايات المتحدة من إجراءات سيشكل سابقة تحذو حذوها الكثير من الدول الأخرى في العالم.  ولعل وعي النخبة الأمريكية تشكل حول فكرة أن الهجرة للعالم الجديد، وإلى القارة الأمريكية، شكل صمام الأمان الذي نفّس الصراعات الطبقية والأهلية الأوروبية على مدى قرون.  فهذه الفكرة نابعة من التاريخ الأمريكي نفسه.  وبالتالي فإن فرض حظر للسفر والهجرة على مواطني الدول السبع سيخلق شعوراً بالضيق مما يعني، إذا أخذنا التناقضات السائدة الطائفية والعرقية والمناطقية بعين الاعتبار، أنه سيؤدي إلى تفاقم الصراعات الداخلية، وإلى خلق بيئة أكثر ملائمة لتفجير تلك البلدان من الداخل بعد أن أمعنت الإدارة الأمريكية المتعاقبة في تمزيقها من الخارج.  فمبقدار ما يبدو قرار ترامب غوغائياً ومرتجلاً، من الواضح أن عواقب قراره ستكون خطيرة، وستصب في مشروع التفكيك، وربما تكون تلك “صدفة” غير مقصودة، إذا لم نرغب في الانسياق خلف “نظرية المؤامرة”! J

أخيراً، من الطبيعي تماماً أن تحتج سورية والسوريون على فرض حظر للسفر عليهم وعلى عدد من مواطني الدول العربية، سواء من قبل الولايات المتحدة أو من غيرها، خصوصاً أن سورية كانت مفتوحة تاريخياً لإقامة المواطنين العرب بدون فيزا.  أما الدول العربية التي كانت، ولا تزال، تفرض على المواطن العربي أن “يعبد العجل” قبل أن يدخلها أو يعمل فيها، فمن الأفضل لها أن تبقي فمها مغلقاً قبل الاحتجاج على إجراءات ترامب، حفظاً لماء الوجه على الأقل.

الخلاصة هي أن هذا القرار قد يبدو غوغائياً، لكنه ليس كذلك في الواقع…

إبراهيم علوش

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1606812869335942&set=a.306925965991312.96654.100000217333066&type=3&theater

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.