الفضاء العربي

June 29th 2010 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

 

الوحدة 29/6/2010

 

عندما اشتد الحصار على ليبيا، ولم يمد لها أشقاؤها العرب الملتزمون بقرارات “الشرعية الدولية” يد العون، وأتاها الخلاص من الحصار عبر الدائرة الأفريقية، نشأت في ليبيا مؤقتاً ردة فعلٍ تتنصل من العروبة وتدعو للهوية الأفريقية… مؤقتاً، لأن المرء لا يملك أن يخرج من جلده، والعروبة ليست قراراً فحسب، بل انتماء حضاري وهوية متجذرة تاريخياً.

 

وعندما اشتد الحصار على غزة، والنظام المصري والعدو الصهيوني يطبقان فكي الحصار على رقبتها، وجدت الخلاص يأتيها عبر الدائرة المتوسطية، المتقاطعة مع الدائرة الإسلامية في حالة تركيا..  حتى العرب والأوروبيون الساعون لرفع الحصار عن غزة كان عليهم أن يمروا من الناحية الجغرافية-السياسية من الدائرة المتوسطية.   وعلى الهامش الأيديولوجي، ترافقت تلك الجهود الحميدة والمباركة مع تفشي نزعاتٍ في الشارع والإعلام العربيين تدعو للأسف لإعلاء شأن أوروبا والمتوسط وتركيا على حساب الدائرة العربية والعروبة!

 

وعندما خنَق الحصار الإجرامي العراق ثلاثة عشر عاماً متتالية، ما بين غزوين مدمرين، فقتَل مئات آلاف العراقيين، فيما كانت أيادٍ عربية وإسلامية تحاصر العراق التزاماً بقرارات “الشرعية الدولية”، ولم يكن للعراق فضاءٌ أفريقيٌ أو متوسطيٌ ليخترق حصارَه، لم تتحول القيادة العراقية عن مسارها العروبي قيد أنملة، ولم تنشد خلاصاً عبر أي فضاءٍ غير الفضاء العربي والإسلامي، حتى إيران حاولت القيادة العراقية التفاهم معها لرفع الحصار… ولكن..!  

 

فتحية لمن لا تبدلهم الرياح الخماسينية ولا عواصف الشمال.  تحية… بيد أن الحقيقة تبقى أن ثمة شللٍ يقبض بشدة على الدائرة العربية، والمشاكل المحتاجة لحلولٍ فورية لن تنتظر حتى ينسل المارد العربي من فانوسه، والعراق أكبر مثال على هذا.  هذا لا نجادل فيه، ولا نجادل فيمن يسعى لفك حصاره بكل السبل المتاحة.  ولا نرد على من يفك الحصار عن غزة، أو ليبيا من قبلها، إلا بكل مودة وتقدير.   أما تحول تلك المودة وذلك التقدير إلى كراهية للذات، وإلى انقضاضٍ على الأمة العربية والعروبة، وتسليمٍ للقيادة طوعاً لدول وقوى ذات أجندات قد تتعارض مع مصالح الأمة العربية، فذلك ما يحتاج لوقفة مطولة.

 

الزعيم جمال عبد الناصر تحدث في أخر كتيب “فلسفة الثورة” عن ثلاث دوائر تتحرك مصر ضمنها: الدائرة العربية، وهي الدائرة التي أفرد لها الاهتمام الأكبر، والدائرة الأفريقية، والدائرة الإسلامية..  وقد ثبت اليوم، مما يرشح من ثرثرة فوق النيل، خطورة إهمال الدائرة الأفريقية.  أما مشروع تفكيك السودان مثلاً، ودور الكيان الصهيوني في تعطيش مصر، فيثبت خطورة إهمال الدائرة العربية. 

 

بجميع الأحوال، تحيط بالأمة العربية دائرة متوسطية وآسيوية، لا أفريقية وإسلامية فحسب… ولو عانت أي من هذه الدوائر من الضغط والتركيز الاستعماريين الذي تعانيه الأمة العربية لتعرضت للشلل أكثر منها بكل تأكيد.  والدليل الراهن على ذلك هو صعود تركيا بالتناسب مع ازدياد الضغط الدولي على إيران.  فمن الطبيعي أن نجد حيوية سياسية أكبر في المتوسط، أو إسلامياً، أو أوروبياً، أو أفريقياً، مما نجد في الأمة العربية بالنظر إلى: أ –  حقيقة التجزئة العربية التي تعيق نشوء أي نهضة، ولو تعرضت إيران أو تركيا لتفكيك عوامل النهضة فيهما كما تعرضت الأمة العربية لما قامت لهما قائمة في ألف عام، ب – سيطرة قيادات متآمرة أو متهاونة ضمن حدود التجزئة وعلى القضية الفلسطينية، ج – غياب الحركة القومية والبرنامج العروبي عن الميدان.

 

وعلى كل حال، يبقى الفضاء العربي هو الأساس، كما حدده جمال عبد الناصر في “فلسفة الثورة”، ويبقى كل ما هو خارجه عاملاً مساعداً أو ضاغطاً، حسب اصطفافه في صراعنا مع الطرف الأمريكي-الصهيوني.  فإن لم ينهض الفضاء العربي بعوامل قوته الذاتية، سرعان ما تتحول أي قوة مساندة خارجية إلى مشكلة، ولنا في سيرة سيف بن ذي يزن واستعانته بالفرس على الأحباش في تحرير اليمن، وتحول هؤلاء بدورهم إلى قوة احتلال، خير دليلٍ على ما ذهبنا إليه.   

 

alloush100@yahoo.com

 

الموضوعات المرتبطة

خطوة ريما خلف مشاكَسة رسمية عربية من تحت السقف

لا يمكن فهم ما قامت به ريما خلف من كشف لـ"العنصرية الصهيونية" في "المحافل الدولية"، بمعزل عن توجهات النظام الأردني، خصوصاً بعدما خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية ووزير الإعلام محمد [...]

في الفرق ما بين الإرهابي التكفيري والمقاوِم الوطني:

من المؤسف أن نضطر لتبيان الفروق بين الإرهابي التكفيري والمقاوِم الوطني، لكن صور التفجيرات العشوائية وقطع الرؤوس والتفنن في أساليب القتل واستباحة ال والأوطان، والخطاب الطائفي المسعور، [...]

مشروع لربط الكيان الصهيوني بسكك حديدية مع الدول الخليجية عبر الأردن

  في شهر تشرين أول 2016 أعلن الكيان الصهيوني عن تدشين خط سكة حديد بيسان-حيفا بتكلفة مليار دولار، الذي كان جزءاً من سكة حديد الحجاز قبل 112 عامأً، وقال بوعز تسفرير، المدير العام لشركة قطارات [...]

قراءة في قرار ترامب بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الولايات المتحدة

زعم إدارة ترامب أنها حظرت مواطني سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان وإيران من دخول الولايات المتحدة لمنع الإرهاب  يصعب أن يصدقه أي متابع عاقل بالنظر إلى أن: معظم تلك الدول (ما [...]

هراء تسووي وتطبيعي في مسودة الدستور الروسي الجديد

بالإضافة إلى نزع عروبة سورية، وتكريس نظام تمثيلي يقوم على المحاصصة الطائفية والمناطقية، يبدو أن مسودة الدستور الروسي الجديد مخترقة صهيونياً.  لاحظوا المادة الثامنة من ذلك الدستور كما [...]
2017 الصوت العربي الحر.