ما بعد المفاوضات المباشرة!

August 25th 2010 | كتبها

 

 

د. إبراهيم علوش 

 

السبيل 26/8/2010

 

ذكر أكثر من محلل سياسي أن عملية الانتقال مما يسمى المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة لم تستند حتى لمرجعيات اتفاقية أوسلو أو محادثات مدريد أو مبادرة السلام العربية أو حتى مؤتمر أنابوليس.   وليس هذا بمستغربٍ أبداً، فقرار 242 المذكور في ديباجة تلك الاتفاقيات أو المحادثات كان مجرد درجة في سلالم الاعتراف ب”إسرائيل”، تلتها درجات أدنى منها مثل كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، وصولاً إلى درجة التفاوض من أجل التفاوض اليوم، بدون مرجعيات، ولا إيقاف للاستيطان، وبغطاء رسمي عربي. 

 

وهو تسلسل طبيعي جداً مقدمته دوماً الاعتراف بمشروعية التواجد اليهودي في فلسطين.  وبعد عشرين عاماً، بات من الواضح أن تبني السلام ك”خيار” إستراتيجي يحول المفاوض العربي والفلسطيني إلى “مخلل” في المرطبان الصهيوني…

 

لن نقول كفانا تفاوضاً وهزلاً، لأن سخف الموقف يعبر عن نفسه بوضع نتنياهو للشروط على المفاوضات المباشرة، وعلى رأسها الاعتراف بيهودية الدولة، وبالترتيبات الأمنية، وإعلان إنهاء النزاع…  بعد أن كانت السلطة الفلسطينية والجامعة العربية هما اللتان تضعان الشروط. 

 

السؤال الحقيقي يبقى: إلى أين يذهب نتنياهو في النهاية؟  يعني من الواضح أن حكومة نتنياهو-ليبرمان-باراك – وباراك من حزب العمل (المعتدل؟) لمن غاب عنه ذلك بالمناسبة –  تريد أن تفرض الوقائع على الأرض، وأن تجعل “الأمن الصهيوني” على رأس أجندة أي طرف يريد مجرد العيش في المنطقة، ولو تحت البسطار “الإسرائيلي”…  لكن إلى أين يتجه اليمين الصهيوني بالنسبة للعلاقة مع الفلسطينيين على المدى البعيد؟  هذا هو السؤال.  هل صحيح أن سياسة حكومة نتنياهو-ليبرمان تمليها لا عقلانية جمهورٍ يهوديٍ يزداد أصوليةً وتشدداً ويفتقد لأي إستراتيجية سياسية حقيقية، كما يذهب البعض؟  أم ماذا؟

 

بالرغم من حديث نتنياهو عن ضرورة الاعتراف بيهودية الدولة، وبالإجراءات الأمنية، كأساسين للمفاوضات، فقد مرر أصدقاءٌ مقالة مهمة جداً للصحافي البريطاني جوناثان كوك نشرت على عدة مواقع على الإنترنت في 21/7/2010 يلخص فيها ميل الليكود المتزايد لتبني مقولة “الدولة الواحدة”، كحل نهائي للصراع.  وانتبه، رجاء، فالحديث يدور هنا عن الليكود، وليس عن “اليسار” الصهيوني مثلاً الذي يصر على فكرة الفصل ما بين الشعبين وحل الدولتين. 

 

“الدولة الواحدة” باتت تتبلور إذن كطُعُمٍ ليكودي يا أنصارها العرب!  ويشير جوناثان كوك هنا لعدة قيادات ليكودية تؤيد فكرة “الدولة الواحدة” مثل موشيه أرينز، وزير الحرب ثم الخارجية الصهيوني الأسبق، وأحد قيادات الليكود، ومثل الناطق باسم الكنيست روفن ريفلين، ومثل الدكتورة تسيبي هوتوفيلي، إحدى أبرز نواب الليكود… وغيرهم.

 

هؤلاء المعتنقون الجدد لفكرة “الدولة الواحدة” يريدونها ديموقراطية ولكافة مواطنيها أيضاً بالمناسبة، والأهم أنهم يرونها مخرجاً مما يراه المجتمع الدولي احتلالاً للضفة والقدس والجولان، يتيح ل”إسرائيل” في الوقت نفسه أن تحتفظ بالأراضي التي تريدها للتوسع والحفاظ على أمنها (غور الأردن مثلاً)، دون أن تضطر للتخلي عن شيء فعلياً، في الوقت الذي تتمكن فيه من دفع تهمة “العنصرية” عن نفسها، ما دامت تلك النقطة هي التي يتم التركيز عليها، قبل الاحتلال!!! 

 

وقبل أن يتلقى قيادات الليكود المذكورين دعوات لحضور المؤتمرات واللقاءات المناصرة ل “الدولة الواحدة”، التي سيتضح للجميع يوماً ما أنها “مقلب” أكبر من مقلب “الدولة الفلسطينية”، لا بد من الإيضاح أيضاً أن “الدولة الواحدة” عند أنصارها الليكوديين الجدد مربوطة بالمحافظة على أغلبية يهودية فيها عن طريق ما يلي: 1) لا عودة للفلسطينيين من الخارج، 2) تحويل حياة فلسطينيي الضفة والقدس وال48 إلى جحيم لكي يرحل أكبر عدد منهم من تلقاء نفسه، 3) لا يُقبل الغزيون كمواطنين في “الدولة الواحدة”، 4) الوجود الفلسطيني في “الدولة الواحدة” يخضع لشروط أمنية صارمة.  وبعد ذلك تتنازل “إسرائيل” عن “يهودية الدولة” وتقبل “الدولة الواحدة”!  أهلاً…

 

ومن يقبل ب”الدولة الواحدة” كمبدأ، كمن يقبل التسوية كمبدأ، عليه أن يفاوض على شروطها حسب ميزان القوى، لا حسب مزاجه الشخصي.  ولذلك سيقبل أنصار “الدولة الواحدة” بشروطها الليكودية، ثم سيقولون لنا: نناضل من الداخل، الخ… ألم يقل لنا أنصار “الدويلة” من قبل: نأخذها ونضحك عليهم لنحولها لقاعدة لتحرير بقية فلسطين؟! فإذا كان أنصار “الدويلة” قد مرروا الاعتراف المبدئي تحت هذا الشعار، فإن أنصار “الواحدة” سيمررون التعايش تحت شعارهم الجديد. 

 

alloush100@yahoo.com

 

 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]

بعد التعديلات الدستورية في تركيا…

هل سينزل أردوغان عن حصانه الخشبي العثماني إلى أرض الواقع ومعادلاته؟! تشرين السورية 19/4/2017 د. إبراهيم علوش تقدَمَ مؤيدو تحويل النظام السياسي في تركيا إلى رئاسي، على المعارضين، بنسبة 51،3 [...]

بالشام أهلي وبالفسطاط إخواني

  د. إبراهيم علوش معذرةً من أبي تمام، لكن قصيدته (ما اليوم أولَ توديعٍ ولا الثاني) تعبر، قبل ألفيةٍ وربع الألفية تقريباً، عن وحدة الحال في وطننا العربي الكبير اليوم حين قال: (بالشام أهلى [...]

حركة تسلل أمريكية في شرق سورية

تزايد زخم الاندفاعة الميدانية للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية، عبر البوابة الكردية المشرعة، باتجاه الرقة، أوضح أخيراً بعض معالم الاستراتيجية الأمريكية في سورية.  وقد بات من [...]

ضوء في نهاية النفق السوري؟

لعل أهم مخرجات القمة العربية، على تواضعها، هو تبريد الموقف الخليجي من سورية، لتصبح الأولوية الحل السياسي بين جميع الفرقاء، مما يتضمن اقراراً رسمياً ببضرورة التعامل مع الدولة العربية السورية [...]
2017 الصوت العربي الحر.