العراق وموقفنا، ناجي علوش

November 11th 2010 | كتبها

عندما أخذت الإمبريالية تهول بقضية أسلحة الدمار الشامل، عرفت القيادة العراقية أن الهدف هو النظام، وبالتالي احتلال الأرض، فلم تجبن ولم ترتعد فزعاً لأنها ستواجه الولايات المتحدة الأمريكية، بل ظلت صامدة.  ومع أنها كانت أمام خطر محدق، ظلت على تماسكها وثباتها في مواجهة المؤامرة، فسمحت لأطقم دولية بعمليات التفتيش، حتى لا يؤخذ ذلك حجةً لشن الحرب، واستعد النظام للمواجهة، فهيأ قواته وقواه، واتخذ إجراءات متنوعة لتعزيز الجبهة، وكان الخيار المواجهة لأن أرض الوطن ليست ملعباً للمتلاعبين، ولأن الدولة، ومنها الجيش، ليست موجودة للاستعراض، بل للدفاع عن الوطن والأرض، ولأن أرض الوطن غالية، لا يعبر عن غلاوتها إلا سيل الدماء.

 

وكان عملاء الولايات المتحدة قد أوهموا حكومتها بأن النظام كله إذا تأكد أن الحرب قادمة سيهرب ويترك أسلحته ومواقعه، وكذلك سيفعل الوزراء ورؤساء الأجهزة الأمنية، وبأنهم سيفرون بلا قتال ويتركون أسلحتهم، ولكن القيادة العراقية، وهي تعرف أنها تواجه الولايات المتحدة الأمريكية، لم يفكر أحد منها بالهرب، فأصروا على المواجهة والقتال، فالوطن لا يسلم للأعداء.

 

والحزب الحاكم في العراق كان يعرف دوره العربي، وفي تحقيق الوحدة، ومواجهة العدو الصهيوني، كما أثبت في أكثر من حرب على الجبهة السورية بالمشاة والدبابات، وعلى الجبهة المصرية بالطائرات.  ولذلك فقد قرر أن يعد مخابئ الأسلحة، وأن يفرز أموالاً خاصة لمهمات القتال، وقد ساعدت هذه الأسلحة والأموال على دعم المقاومة التي قامت في مواجهة العدو الأمريكي.

 

والعدو الأمريكي لم يهاجم العراق لأنه خطرٌ مباشرٌ على الولايات المتحدة، بل لأنه خطرٌ مباشرٌ على العدو الصهيوني، ولأنه داعمٌ أكيدٌ لسورية إذا ما تعرضت لعدوان صهيوني، ولأنه يحمل مشروعاً اقتصادياً وعلمياً كان سيجعل العراق قادراً على تحمل مسؤولية الوحدة العربية، وهذا كان يقلق الكيان الصهيوني ويزعجه ويضعه في مأزق.

 

وفي هذا الوقت كانت حكومة إيران، وهي على علاقة مع المتآمرين العراقيين الذين زودوا الولايات المتحدة بالمعلومات الإستخبارية، تنتظر أن يحقق العدوان أهدافه بسرعة، فيحدث فراغ تملأه حكومة إيران، بضم أجزاء من العراق أو فرض سلطة عملائها فيه على الشعب العراقي.  وكانت الفصائل الموالية لإيران تعمل ليل نهار لتحصل على معلومات تفيد العدو الأمريكي، وتعزز وضع عملاء إيران في العراق.

 

أما عربياً، فإن القوى المستسلمة المندفعة وراء السلام مع الكيان الصهيوني، وعاشقة الاستسلام لحكومة الولايات المتحدة، لم تعتنِ بمصير العراق وشعبه وأرضه والكرامة العربية، بل عنيت بالاستسلام السريع وتسلم السلطات الأمريكية وعملائها لمقاليد السلطة في العراق.  ولم تفعل الأحزاب العربية شيئاً لرفع سوية المواجهة مع المحتل الأمريكي وعملائه العراقيين.  ولم تحاول أن تدرس طبيعة المعركة، أو أن تقف مع العراق في هذه المواجهة لأنها مواجهة قومية، ولو اقتصرت على قطر عربي بعينه، وبدأت اتصالات رسمية عربية مع حكومة إيران التي كانت تخطط للانتقام من العراق، بعد أن هُزمت في حربها معه.

 

وأصبحت إيران قبلة لبعض العرب، رغم احتلال الجزر الثلاث منذ سنوات، ورفض التفاهم حولها.

 

وحين فشلت السلطات الأمريكية وعملاؤها في العراق في تصفية المقاومة الباسلة، ذات التأييد الشعبي الواسع، وقام شكلٌ من الحكم الهش والمفكك الذي ما زال لا يستطيع أن يشكل وزارة أو أن يحفظ أمناً، أو أن يمنع ارتكاب الجرائم ضد الشعب، استغلت حكومة إيران الفوضى لتفرض عملاءها، ولتستغل الظروف لنهب العراق مادياً وبشرياً، وكانت حكومة إيران قد رفضت أية مبادرة لإنهاء الحرب العراقية-الإيرانية، فقد كانت مطالب العراق في الحرب ما يلي:

 

أولاً: أن يُترك مصير الأكراد في كل بلد لحكومته،

ثانياً: أن يكف كل طرف عن محاولة “تصدير الثورة” إلى جاره.

 

ولم تقبل حكومة إيران هذه البادرة السلمية.

 

وحين قامت الحرب مع الولايات المتحدة، كان الطيران العراقي يواجه مشكلة السيطرة الأمريكية على الجو، مما حدا بالقيادة العراقية أن تطلب من الطيارين العراقيين أن يهبطوا في المطارات الإيرانية.  ورغم ذلك لم ترَ الحكومة الإيرانية في هذا الموقف ميلاً إلى السلام، واتجاهاً للتفاهم على المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وما زالت حكومة إيران تحاول أن تطبخ حكومة موالية لها في العراق، مما اضطر بعض القوى السياسية إلى الإعلان أنها لا تقبل بطبخ حكومة على المزاج الإيراني.

 

ومشكلتنا ليست مع إيران فقط، بل مع العرب الذين يقفون إلى جانب إيران في كل مواقفها.

 

إن ما يجري في العراق مقاومة حقيقية، وهي من مفاجآت العرب لنفسها.  فها هي الحرب مشتعلة منذ ما قبل سنة 2003، وها هم قتلى الأمريكيين يبلغون الآلاف، وجرحاهم ومعوقوهم يبلغون عشرات الآلاف، ولا تزال إستراتيجية حكومة إيران في العراق هي السيطرة على كل شيء.  وقد نبهني أحد المتابعين أن الصواريخ التي جربتها إيران، ومشاريعها النووية، هي من إنتاج العلماء العراقيين الذين روعوا “إسرائيل”، والذين تعرضوا للتصفية تحت وطأة الاندماج بالمشروع الأمريكي أو الإيراني.

 

ونحن نطلب من كل عربي أن يتخذ موقفاً مما يجري في العراق، من الدم الذي يسيل أنهاراً، ومن القتل والخطف والنهب، ومن التخريب والتهديم. 

 

أيها العرب إن الحرب مستمرةٌ منذ سنة 2003 ولا يزال الدم يسيل، ولا يزال الجنود الأمريكيون يسقطون صرعى، رغم تقدمهم في الأسلحة، وخاصة الطيران.  فإلى متى نصمت؟  ومتى نتحرك لنقول للمعتدين: قف أيها المعتدي، فالعراق جزءٌ من وطننا، وشعبه جزءٌ من شعبنا، وكل رصاصة تطلق فيه تطلق علينا، وتمز بدمائنا؟

 

إن إيران دولة إسلامية صحيح، ونحن معها في معاركها ضد الإمبريالية إذا كانت تخوض معارك فعلاً.  إما إذا كانت تتحدث عن المعارك ولا تخوضها، فيما تستبيح بلادنا، فإن بلادنا عربية وليست مباحة لأحد.

 

 

 

 

الموضوعات المرتبطة

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]

وثيقة حماس الجديدة

بمناسبة صدور وثيقة حماس الجديدة التي تتبنى فيها رسمياً فكرة "الدويلة" ضمن حدود الـ67، نرى أن الخلل في برنامج حماس لم يبدأ مع هذه الوثيقة، بل سبقه خطاب خالد مشعل في دمشق عام 2009، رداً على خطاب [...]

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]
2017 الصوت العربي الحر.