الوطن والاستفتاء/ ناجي علوش

December 9th 2010 | كتبها

9/12/2010 

أنا في عزلتي المرضية لا أتنقل ولا ألتقي الكثيرين، وكان ظني أن حركة المقاومة الإسلامية حماس ما زالت على عهدها، حتى أخذت أسمع أخباراً من هنا وهناك أن في حماس اتجاهاً لسلوك طريق الحل السياسي.  ثم قرأت صدفةً مقالاً، ثم أخر، ثم أخر، لأشخاص مشهود لهم إما بتأييد حماس، أو بمعارضة السلطة الفلسطينية ورموزها ونهجها مبدئياً، كلٌ منها يتناول تلك المسألة كما بدت من خلال تصريحات مختلفة لقيادات حماس.  ولما كنت متفقاً مع التوجه العام لتلك المقالات، فإنني أود أن أضيف لما جاء فيها.

 

أحد تلك المقالات يقول: لا استفتاء على الثوابت!  وأنا أؤكد ذلك.  فأقل الثوابت لا يخضع للمداولات والاستفتاءات، فما بالك بالوطن؟!  فهو لا يخضع لأكثرية وأقلية، بل هو ثابتٌ فوق جميع الطروحات والآراء.

 

وأضيف: إن الوضع الفلسطيني بحاجة إلى الحشد على قاعدة الالتزام بالثوابت، كما جاءت في الميثاق القومي لعام 64، والميثاق الوطني لعام 68.  وعلى رأس تلك الثوابت عروبة فلسطين من النهر إلى البحر، ورفض كل الحلول السياسية، والتمسك بنهج التحرير الكامل عبر الكفاح المسلح، ورفض التعايش مع التواجد اليهودي في فلسطين لأنه جاء كمشروع استعماري إحلالي، لا كهجرة عادية. 

 

إن أي سلوك يضعف الحشد على أساس تلك الثوابت يخلخل إرادات الصامدين، ويضعف المعنويات، ويشتت الصفوف.  وفلسطين بحاجة للحشد وللمزيد من الحشد، وإلى التمسك بخط القتال، كل أشكال القتال.  وكل خطوة تزعزع السير في هذا الخط خطوة خطيرة ومثيرة للجدل.  وعليه يجب أن يتم إسقاطها حتى لو كان معها ميل جماهيري ربما يكون قد أنتجه التضليل المترافق مع الظروف شديدة الصعوبة للشعب العربي الفلسطيني.  والديموقراطية ضرورية لحفظ حقوق الأفراد.  أما الوطن، فهو الديموقراطية، ولا ديموقراطية تبيحه. 

 

أقول للأخوة في حماس: نحن بحاجة إلى معارك صمود، مثل معركة غزة، وإلى شد الأصابع على الزناد، وإلى إرادة قتالية لحماية حقوقنا، ولسنا بحاجة إلى استفتاءات تبيح الصلح أو الاعتراف بالعدو، أو إلى “وحدة وطنية” توكل أمر المفاوضات للسلطة الفلسطينية ورموزها المفرطين. 

 

وفي هذا الشأن، لا استفتاء على التفريط بالوطن، مهما كانت المحاذير.  الوطن لا يستفتى عليه.  الاستفتاء يكون لدستور أو لبرنامج وطني أو لرئاسة، والاستفتاء على الدستور مثلاً ليس إباحة الوطن للعدو، ولا مجال للتنازل فيه.  الوطن هو وطن الآباء والأجداد والأحفاد، وهو ملكية جماعية للأمة، للأجيال التي قضت، والأجيال التي لم تخلق بعد.  لذا يجب أن نعمل بكل جهد، وبكل صدق، للمحافظة عليه، ولمنع التفريط فيه.

 

كما أن انجراف حماس في طريق الحل السياسي يخلق التباساً حقيقياً عند من أيدها في خلافها مع فتح باعتباره صراعاً ما بين نهجين، لا خلاف على السلطة والمواقع.  فإذا أيدت حماس الدولة في حدود ال67، وأي اتفاق تبرمه السلطة ويقبله استفتاء شعبي، ماذا يتبقى من برنامج النضال والقتال الذي حملت رايته كل السنوات المنصرمة منذ أفول فتح؟

 

وحركة فتح التي رفعت شعار: السياسة تنبع من فوهة البندقية عندما انطلقت، والتي كانت ترى أن خلافنا مع العدو الصهيوني لا يحل إلا بالكفاح المسلح، لا بالمفاوضات والتسويات، عادت ووصلت إلى قناعة بأن الوقت حان للمفاوضة والتسوية، فاندفعت في هذا الاتجاه، وقد رأينا جميعاً النتائج الكارثية لمثل هذا التوجه، لكننا قلنا لأنفسنا أن حماس قد حملت الراية التي ألقتها فتح، وبالتالي فإن الأمور بخير، والخلاف ليس على منصب أو وزارة، ولا على السيطرة على منطقة كغزة، أو الضفة الغربية، بل هو خلاف بين نهجين.

 

أما وقد بات واضحاً من تصريحات بعض قادة حماس في الخارج والداخل أنها تميل للمفاوضة، والحل السياسي، فإن ذلك بات يثير الارتباك في أوساطها ولدى أنصارها الذين نعتبر أنفسنا منهم.  فإذا ظلت حماس تميل نحو الحل السياسي، فإنها سوف تلتحق بفتح، وستصبح التصفية الشاملة للقضية الفلسطينية هي الحل المطروح على الطاولة الدولية، وهو ما نخشاه، لأنه يبلبل شعبنا وأنصاره العرب والأجانب.

 

أيها المواطنون، إن ضياع شبر من الوطن ليس موضوعاً للاستفتاءات.  وفلسطين ببعديها القومي العربي والإسلامي ليست موضوع مساومة، وليست معركتها شكلية.  المهم أن تبقى فلسطين عربية، ولا يُغطى ضياع أي شبر منها باستفتاء أو بقرار برلمان، أو بإقرار ذوي الرأي، وعلى هذا فليجمع المجمعون.

الموضوعات المرتبطة

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]

بعد التعديلات الدستورية في تركيا…

هل سينزل أردوغان عن حصانه الخشبي العثماني إلى أرض الواقع ومعادلاته؟! تشرين السورية 19/4/2017 د. إبراهيم علوش تقدَمَ مؤيدو تحويل النظام السياسي في تركيا إلى رئاسي، على المعارضين، بنسبة 51،3 [...]

بالشام أهلي وبالفسطاط إخواني

  د. إبراهيم علوش معذرةً من أبي تمام، لكن قصيدته (ما اليوم أولَ توديعٍ ولا الثاني) تعبر، قبل ألفيةٍ وربع الألفية تقريباً، عن وحدة الحال في وطننا العربي الكبير اليوم حين قال: (بالشام أهلى [...]

حركة تسلل أمريكية في شرق سورية

تزايد زخم الاندفاعة الميدانية للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية، عبر البوابة الكردية المشرعة، باتجاه الرقة، أوضح أخيراً بعض معالم الاستراتيجية الأمريكية في سورية.  وقد بات من [...]

ضوء في نهاية النفق السوري؟

لعل أهم مخرجات القمة العربية، على تواضعها، هو تبريد الموقف الخليجي من سورية، لتصبح الأولوية الحل السياسي بين جميع الفرقاء، مما يتضمن اقراراً رسمياً ببضرورة التعامل مع الدولة العربية السورية [...]
2017 الصوت العربي الحر.