ما لا يقولونه عن مذكرات آني فرانك

January 6th 2011 | كتبها

 

د. إبراهيم علوش

السبيل 6/1/2011 

خلال الأسبوعين الأخيرين من سنة 2010 طرحت وسائل إعلام أردنية قضية تدريس “المحرقة” في منهاج اللغة الإنكليزية للصف الثامن في بعض المدارس الخاصة الأردنية، وهو ما أثار ضجة إعلامية وشعبية ودفع وزارة التربية والتعليم للشروع باتخاذ إجراءات عملية، نأمل أن يتم الالتزام بها حرفياً وحقاً في كل المدارس الأردنية، لمنع تكرار مثل هذه المهزلة. 

 

لكن القصة لن تنتهي هنا، لأن محاولات الاختراق الثقافي من خلال استبطان “المحرقة” هي المفتاح الأهم لفك لغز التعاطف الشعبي الغربي مع اليهود والحركة الصهيونية.   ومن ينكر أهمية “المحرقة” كأداة هيمنة فكرية ومعنوية وأخلاقية بإمكانه أن يركض، لكنه لن يستطيع أن يختبئ من سطوتها طويلاً. 

 

“المحرقة” هي الأداة العقائدية الأهم التي يطوع بها اليهودُ عقلَ الإنسان المعاصر.   لهذا تتحرق الحركة الصهيونية شوقاً لتمرير أساطير “المحرقة” عبر كل القنوات الممكنة، من السينما إلى وسائل الإعلام إلى المناهج الدراسية إلى النسخ المشوهة عربياً من التيارات الإسلامية أو القومية أو اليسارية الساعية لتمرير “التعاطف مع معاناة اليهود في المحرقة” إما باعتبارهم “أهل كتاب” في حالة الإسلاميين المزعومين، وإما بالدعوة لتقبلهم ك”يهود عرب” في حالة القوميين المزعومين، وإما بتبني “القضية اليهودية” في سياق مواجهة النازية والفاشية في حالة اليساريين المزعومين، ناهيك عن التيار الليبرالي الذي يرى “التعاطف مع اليهود في المحرقة” تتويجاً لدفاعه عن “حقوق الإنسان والأقليات”!!

 

وكل هذا يتطلب منا بالضرورة أن ننطلق بلا مواربة باتجاهين متوازيين:

 

–         أولاً، دراسة كتابات وأعمال الكتاب المراجعين في الغرب الذين فندوا أساطير “المحرقة” علمياً ومنهجياً، والعمل على تأصيلها عربياً في سياق صراعنا التناحري مع الحركة الصهيونية وحلفائها. 

 

–         ثانياً، الانتقال من الدفاع العفوي الغريزي في مواجهة هذا الشكل من الاختراق الثقافي إلى وضع برنامج تثقيفي لتفنيد أساطير “المحرقة” المزعومة على مستوى شعبي كإجراء وقائي، لا بل أن مثل ذلك البرنامج هو ما يجب أن يصبح جزءاً من مناهجنا الدراسية العربية.

 

وحيث أن جوانب أخرى من المخرقة سبق تناولها، ويمكن لمن يرغب أن يجدها على الإنترنت، فإن الحديث يدور هنا حول جانب محدد من أساطير “المحرقة” هو “مذكرات آني فرانك” المزعومة التي تدور شكوكٌ كثيرة وكبيرة حول أصالتها، والتي اكتشفنا في نهاية عام 2010 المنصرم أن صفحاتٍ منها باتت تدرس في بعض المدارس الخاصة الأردنية، مع العلم أنها أحد أكثر الكتب شهرةً في الغرب، ناهيك عن دمجها في المناهج الدراسية، وأنها مادة عدة أفلام ومسرحيات.

 

أولاً، لا بد من التذكير أن آني فرانك مراهقة يهودية ماتت من مرض التيفوس في معسكر اعتقال نازي هو بيرغن-بلسن، وليس في أي محرقة من أي نوع، حسب الرواية الرسمية، وقبل أن ندخل في أي “تشكيك”…  مرض التيفوس طبعاً قتل عدداً كبيراً ممن يُنسب قتلهم للمخرقة، وهو مرض يسهم القمل بنقل عدواه بالمناسبة، ولذلك كانت توجد في معسكرات الاعتقال النازية غرف مغلقة صغيرة جداً لتعقيم ملابس وبطانيات المعتقلين لوقايتهم من الأمراض لا يزال بعضها قائماً حتى الآن.

 

آني فرانك يهودية ألمانية ولدت عام 1929.  وفي الثالثة عشرة من عمرها، أي عام 1942، بدأت بكتابة مذكراتها المزعومة خلال وجود عائلتها في أمستردام في هولندا هرباً من الاضطهاد النازي لليهود، على ما زعموا.  وفي عام 1944، أي بعد عامين من بدء كتابة الطفلة آني لتلك المذكرات، تم اعتقالها مع عائلتها وإرسالهم لمعسكر أوشفيتز.  وفي عام 1945 ماتت آني وأختها مارغو من مرض التيفوس.  وبعد الإفراج عن أبيها أوتو فرانك، الذي لم يمت في المعسكرات، في “غرف غاز” أو غيرها، عاد إلى أمستردام، فوجد المذكرات بانتظاره، وسعى لنشرها. 

 

المذكرات صدرت منها عدة نسخ في الواقع، وما برح الباب مفتوحاً لكشف المزيد من “الصفحات المفقودة” منها… كما نفهم من الرواية الرسمية.  وتقول آني فيها، فيما تقوله، أنها كتبتها كرواية خيالية، لكنها تقدم اليوم للعالم كوثيقة تاريخية عن اضطهاد اليهود في ظل الحكم النازي، من طفلة يفترض أنها كانت حبيسة مخدع سري! 

 

وقد نشر الكاتبان المراجعان روبرت فوريسون وسيغفريد فيربيكيه كتيباً عن مذكرات آني فراك عام 1991 جادلا فيه، وقد سبقهم في ذلك آخرون كثر، أن نمط الكتابة وخط اليد ليس لمراهقة في الثالثة أو الرابعة عشرة من عمرها، ناهيك عن تأليف ما يعادل مجلدات من الأوراق!   والكتيب الناقد للمذكرات ممنوع بقرار من محكمة في امستردام في 9/12/1998 يعاقب أي إنكار لمذكرات آني فرانك بغرامة مقدارها 25 ألف غيلدر، عملة هولندا في ذلك الوقت… ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتصدى فيها المحاكم الأوروبية لمفندي مذكرات آني فرانك.

 

لكن ثمة مشاكل أخرى، فهنالك صفحات كاملة من “النسخة الأصلية” للمذكرات مكتوبة بقلم الحبر الناشف، الذي لم ينتشر في أوروبا الغربية إلا عام 1951!!!  رد اليهود: أبو آني، السيد أوتو فرانك، حرر المذكرات بقلم الحبر الناشف قبل نشرها، و”أعاد نسخ” بعضها، عام 1950 في فرنسا وألمانيا (قبل انتشار الحبر الناشف بأشهر؟)… مع العلم أن النسخة الأولى من المذكرات نشرت في أمستردام عام 1947 من دار نشر “كونتكت”!

 

ولا يقولون لك أن الأب أوتو فرانك، الناجي المزعوم من “غرف الغاز”، هو نصاب دولي حوكم في ألمانيا قبل هتلر بكثير لأن المصرف الذي أسسه عام 1923 مع آخرين تورط بقضايا نصب واحتيال… وأن هذا النصاب هو من “وجد مذكرات آني” و”حررها” للنشر!

 

وهناك الكثير لنضيفه حول مجلدات المراهقة آني فرانك مما أثاره الكتاب المراجعون وحوكموا بسببه في بلاد “حرية التعبير والفكر”، لكن مثل هذه القضايا تحتاج لدراسة منهجية تتجاوز مقالة صغيرة.

 

العبرة هي أننا لا نتناول “رواية تاريخية” هنا، بل أكبر كذبة سياسية في القرن العشرين.. والواحد والعشرين، على ما يبدو…

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.