كلمة في الذكرى الرابعة لاستشهاد صدام حسين

January 7th 2011 | كتبها

 

(مسودة كلمة د. إبراهيم علوش في الكرك، جنوب الأردن، يوم الجمعة الموافق في 7/1/2011 في المهرجان الجماهيري الحاشد في الذكرى الرابعة لاستشهاد صدام حسين)

 

أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم،

 

السلام عليك يا كرك،

 

يوم الجمعة الماضية، أحيينا ذكرى استشهاد صدام الرابعة في مقبرة الشهداء العراقيين في المفرق… صلينا على أرواحهم صلاة الغائب.  هناك وقفنا وتذكرنا شهداء معارك العرب ضد الغزاة، وتذكرنا سيد الشهداء، بطل القادسية، فارس العرب، وخالد الذكر: صدام حسين.  وقد أدركت وقتها أننا لا نحيي ذكرى صدام حسين من أجله، بل من أجلنا، لنحيي ذكرى كرامتنا، لنسرَ الصديق ونغيظَ العدا. 

 

وبين مقبرة الشهداء العراقيين في المفرق ومقبرة الشهداء العراقيين في جنين في فلسطين المحتلة يقف صرحان عظيمان للقومية العربية، ويمتد حبل الوريد الذي يربط العراق بفلسطين، ويربط فلسطين بالأمة العربية.    

 

في العام الماضي، في الذكرى الثالثة لاستشهاد صدام أحيينا ذكرى استشهاد صدام ها هنا، وها نحن نجتمع من جديد في ذكرى استشهاده الرابعة لا لكي نرثيه أو نبكيه، بل لنحتفل به.

 

نجتمع هنا لأننا نحن أمة العرب نعرف دون الناس بأن الشهادةَ فرح، ولأننا نعرف أن القادة الشهداء يلدون في استشهادهم ألف قائد ومليون شهيد.  وقد سبقه إليها عمر المختار فلم يمت.  وسبقه عز الدين القسام، فلم يمت.  وسبقه قادةٌ ومناضلون ومجاهدون كثر ماتوا ليحيا الوطن.  ومن مات دون وطنه فهو شهيد، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون.

 

أما القائد الشهيد صدام حسين، ورفاقه القياديين الشهداء في القيادة العراقية، فإنهم سيعيشون في وجدان هذه الأمة إلى الأبد.

 

وصدام من فئة القادة العظام الذين يستمر المغرضون بالتعرض لهم بعد سنواتٍ وعقودٍ من استشهادهم أو وفاتهم.   وها هو القائد العظيم جمال عبد الناصر تنبش رفاته كلَ يوم في وسائل الإعلام الصفراء.  وهذا، إن كان يدل على شيء، فإنه يدل على أنه لا يزال حياً، وبأن قتله وقتل ما يمثله يبقى ضرورة ماثلة عند أعداء هذه الأمة.  وهم لن يقتلوه لأنه أيضاً سيبقى حياً ما بقيت هذه الأمة.

 

وكذلك صدام حسين، في الذكرى الرابعة لاستشهاده، تجد فيضاً من الأفلام والبرامج والمقالات والكتب التي تحاول النيل منه ومن ذكراه، بعد الرصيد الخرافي الذي راكمه في الشارع العربي في حياته وفي استشهاده.

 

ولا بد من لفت النظر لنقطة منهجية هنا، وهي أن أهم ما يفعله الذين يحاولون تشويه صدام، غير ممارسة الأكاذيب والدعاية المضادة المكشوفة، أهم ما يفعلونه في المنهج، هو الانطلاق في تقييم صدام حسين الرئيس الشرعي للعراق وقائد المقاومة العراقية ومؤسسِها، خارج سياق معركة الأمة.  ومن هذه البداية المزورة، يحاولون أن يفرضوا علينا التعاطي مع صدام حسين كمجرد، كفردٍ معلقٍ في الفراغ ذي أخطاء أو خطايا، أو كحاكم لإحدى الجزر الضائعة في المحيطات.  إنهم يحاولون أن يقدموا صدام حسين خارج سياق المشروع القومي، خارج سياق التحديات التي تواجهها الأمة، خارج المعركة على النفط ووحدة العراق، خارج صراعنا التاريخي كوطنٍ عربيٍ مع قوى الهيمنة الخارجية، سواء جاءت من الشرق أو الغرب.

 

لكن أي محاولة لوضع شخص أو فكرة خارج سياقها السياسي، أي خارج سياق الصراع على الأرض، ومصالح القوى المتضاربة، يفقدها معناها ويختزل عمقها.

 

ومن هنا يجب أن نسأل: من هو صدام حسين، وماذا يمثل بالنسبة لنا؟

 

فإن كان كل ما تمتع به الرجل أنه كان قائداً فذاً في زمنٍ رث، ومقاتلاً شجاعاً في زمنٍ جبان، ورجلاً معطاءً في زمن المصالح الفردية، وعقلاً ذكياً في زمن الاستهبال، وعربياً أصيلاً في زمن الردة، فإن صدام حسين الفرد قد مات، ونحن لا نعبد الأفراد، حتى لو كانوا عظماء مثل صدام حسين.

 

أما ضمن سياق المشروع الكبير الذي آمن به صدام حسين، المشروع القومي، وضمن سياق المواجهة التي خاضها صدام حسين حتى النهاية مع قوى الهيمنة الخارجية من الشرق والغرب، وضمن سياق الرؤيا التي تمسك بها وعاشها في حياته وفي استشهاده، فإن صدام حسين النهج والرمز، صدام حسين النموذج، وصدام حسين البطل، هو الذي سيعيش في وجدان هذه الأمة إلى الأبد.

 

أيها الأخوة والأخوات، إن صدام حسين يعيش فينا اليوم لأنه يمثل ثلاثة أشياء: 

 

فلقد كان أولاً  قومياً في منهجه..

 

وكان ثانياً مقاوماً في نموذجه..

 

وكان ثالثاً جذرياً في موقفه.. 

 

وتلك الصفات الثلاث، بانصهارها فيه، هي ما يعنيه صدام حسين اليوم.  ومن يحب صدام حسين لغير هذه الصفات لا يعرف الرجل، ومن يكره صدام حسين وهو يحب تلك الصفات لا يعرف الرجل.

 

لقد كان صدام حسين قومياً حتى النخاع، وبقي قومياً حتى لحظة استشهاده، وكان مشروعه قومياً، وقناعاته قومية عربية، وقد استهدف لأنه مثل مشروعاً قومياً.  ذلك هو شهيدنا.

 

وبعد مضي أربع سنوات على اغتيال الرئيس الشرعي للعراق صدام حسين، فإن كل ما يجري في العراق، وفي كل حياتنا العربية المعاصرة ما برح يؤكد بأن لا مخرج لهذه الأمة من مآزقها العديدة إلا بالمشروع القومي. 

 

وإذ ترى تفاقم صراع الطوائف والاثنيات والقبائل والقطريات والهويات الصغيرة في وطننا العربي الكبير، وإذ ترى سعي قوى الهيمنة الخارجية لتفكيك المفكك وتجزئة المجزأ، فإنك تدرك بالقلب أن الانتماء للعروبة هو وحده ما يمكن أن يوحد الشيعة والسنة في العراق وغير العراق، وهو وحده ما يمكن أن يوحد المسلمين والمسيحيين في مصر وغير مصر، وهو وحده ما يمكن أن يوحد الأردنيين والفلسطينيين في الأردن، وهو وحده ما يمكن أن يوحد مواطني هذا الوطن العربي الكبير بأغلبيته وأقلياته.

 

إذ ترى مباراة كرة قدم سخيفة تكاد تشعل حرباً بين النظامين في مصر والجزائر، أو تكاد تشعل فتنةً أهلية في الأردن، وإذ ترى العنف الجامعي والعشائري في الأردن، فإنك تدرك أننا لا يمكن أن نتجاوز مثل هذه الصغائر إلا بالانتماء القومي.

 

وإذ ترى مشروع تفكيك السودان، أو مشروع تفكيك اليمن الذي تتعاون عليه الولايات المتحدة وإيران، بهدف اقتسام الخليج العربي وخيراته، فإنك تدرك أن لا خيار لهذه الأمة إلا بالمشروع القومي.

 

وإذ ترى تصاعد النفوذ الإيراني والتركي في ساحة الفراغ الإستراتيجي الذي تركته الأنظمة العربية، وترى من ينسى منا أن إيران تعاونت مع الولايات المتحدة على احتلال أفغانستان والعراق، ومن ينسى أن إيران تعاونت مع الولايات المتحدة على تدمير العراق، وأنها ما برحت تعيث فيه الفساد والقتل والدمار، كما تظهر مثلاً وثائق ويكيليكس، ومن ينسى أن العلاقات الاقتصادية والعسكرية والأمنية التركية-الصهيونية لا تزال قائمة، كما يستطيع أن يرى كل من يبحث قليلاً، وإذ ترى منا من يتبع إيران أو تركيا، متجاهلاً أن سياساتهما مزدوجة تستهدف توسيع مجال نفوذهما الحيوي في الإقليم على حسابنا كأمة عربية، فإنك تعرف أن لا خلاص لهذه الأمة إلا بالمشروع القومي.

 

أود هنا أن أقول لكل من يتحدث عن التضامن مع المقاومة العراقية، وكل من يزعم أنه يؤيد وحدة العراق وتحريره، دون أن يدين الدور الإيراني في العراق والمشروع الإيراني في الإقليم، أنه ببساطة كذاب ومنافق.  ومن يتغنى بفضائح الحكام العرب غير المفاجئة في وثائق ويكيليكس، دون أن يدين الجرائم الإيرانية في العراق التي كشفتها تلك الوثائق، فإنه كذابٌ ومنافق.

 

لكنني أقتبس من صدام حسين حين أقول أن العدو الرئيسي لهذه الأمة هو الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه.   من يتمسك بالعروبة حقاً لا يتحالف مع عدونا الرئيسي الأمريكي-الصهيوني ولا يتذيل له.  من يدافع عن سيادة هذه الأمة حقاً لا يقدمها على طبقٍ من ذهب للطرف الأمريكي-الصهيوني، ولا يتعاون معه على العراق، ولا يحاصره، ولا يسمح للعدوان على العراق أن ينطلق من أراضيه ومائه وسمائه كما فعلت الأنظمة العربية…

 

من يتحدث عن ضرورة مواجهة التمدد الإيراني والتركي في الإقليم عليه أولاً أن يثبت براءته من الولاء للطرف الأمريكي-الصهيوني.   ومن يحرص على عروبة العراق لا يعقد قمةً عربية في المنطقة الخضراء من بغداد المحتلة في آذار المقبل، ولا يقيم علاقات طبيعية مع النظام العميل في بغداد، وإلا فإنه أيضاً كذابٌ ومنافق.

 

باختصار، من يتحدث عن الخطر الإيراني، وهو مجرد جرو صغير للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، يجب أن نقول له أن يخرس.  ولا يحق لأحدٍ أن يناقش جرائم إيران أو غيرها إن لم يثبت أولاً أنه يتخذ موقفاً حازماً ونهائياً من الطرف الأمريكي-الصهيوني.   ونحن أمة العرب أمة سيدة على أرضها، لا نقبل الاحتلال ولا التبعية ولا الإنحاء، لا للولايات المتحدة، ولا للكيان الصهيوني، ولا لإيران، ولا لغيرها.  

 

الصفة الثانية لصدام حسين أنه كان مقاوماً.  ولا بد من التذكير هنا أن صدام استشهد ليس فقط بصفته الرئيس الشرعي للعراق، بل بصفته قائداً للمقاومة العراقية.  فصدام ورفاقه في القيادة العراقية رفسوا كرسي الحكم بأقدامهم وانتقلوا من ممارسة الرئاسة إلى ممارسة المقاومة، فكم حاكماً عربياً يمكن أن نقول عنه هذا؟! وصدام كان بإمكانه أن يساوم على العراق والأمة، وكان بإمكانه أن يقدم تنازلاتٍ صغيرةً بعرف الحكام العرب لينجو بنفسه، ولكنه، ككل مقاومٍ أصيل، فضل الموت على هذا.  فمات والشهادتان واسم فلسطين على لسانه.

 

وقد مارس صدام المقاومة والصمود خلال ثلاثة عشر عاماً من الحصار.  ورفض أن يُرفع الحصار مقابل الدخول فيما يسمى زوراً “عملية السلام”. 

 

وتترافق الذكرى الرابعة لاستشهاد صدام حسين هذا العام مع الذكرى الثانية للعدوان على غزة، وتترافق مع تجمع نذر العدوان الشامل على غزة من جديد.  وبهذه المناسبة، لا بد أن نحيي صمود الغزيين في مواجهة الحصار المزدوج الذي يعيشونه: حصار الصهاينة، وحصار النظام الرسمي العربي.  وهذا الجدار الفولاذي الذي شيدوه بين سيناء ورفح الفلسطينية بعد إغلاق المعابر، هذا الجدار الذي يعمق حدود التجزئة القطرية، يؤكد أيضاً أن لا خلاص لهذه الأمة إلا بإسقاط الحدود، أي بالمشروع القومي، وأن لا تحرر بلا وحدة، كما لا وحدة إلا بالتحرر، أي بمشروع مقاوم. 

 

الموقف المقاوم أيها الأخوة والأخوات يعني دعم فصائل المقاومة العربية في كافة أماكن تواجدها.  ومن يفاضل بين مقاومة ومقاومة، فيدعم هذه ويقصر بحق تلك، لا يتبنى موقفاً مقاوماً حقيقياً، ويترك ثغرات كبيرة في موقفه وفي جدار الأمة.  نحن المواطنين العرب نستبشر الخير من المقاومة العربية حيثما وجدت.  فلماذا يقصر البعض في دعم المقاومة العراقية أو الفلسطينية أو اللبنانية؟!  بل يجب أن ندعم المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين وحيثما وجدت.   ولهذا نقول أن المقاومة نهجٌ وعقلية لا شعارٌ فحسب، وصدام حسين كرمزٍ مقاوم ليس ملكاً للبعثيين أو للعراقيين وحدهم، بل هو رمزٌ للمقاومة العربية، وهو ملكٌ لكل المواطنين العرب، وهو في ذكرى استشهاده الرابعة إرثٌ عربيٌ يقاوم الزمن.  

 

الصفة الثالثة لصدام أنه مثل موقفاً جذرياً.  والموقف الجذري رؤيا وممارسة.  فهو يعني في الرؤيا معالجة جذور مشاكلنا العربية المعاصرة، لا مظاهرها الخارجية، وهو يعني في الموقف  رفض الاستسلام للأمر الواقع، رفض الحلول الترقيعية، رفض أنصاف الحلول، ورفض المساومة على المبادئ.   فالكيان الصهيوني لا يقبل إصلاحاً.  والأنظمة العربية لا تقبل إصلاحاً.  والخيانة والتجزئة والاحتلال لا تقبل إصلاحاً، بل لا بد من اقتلاعها من الجذور.

 

الموقف الجذري يعني القطيعة النهائية مع مخططات أعداء الأمة ومشاريعهم، ويعني السير بالمواجهة مع أعداء الأمة إلى نهاياتها، حتى النصر أو الشهادة، أي أنه يعني بكل بساطة:  صدام حسين.   

 

عاش العراق حراً عربياً!

 

عاشت فلسطين حرة عربية!

 

عاشت الأمة العربية حرة متحدة!

 

وشكراً جزيلاً لكم.

 

الكرك، الأردن

7/1/2011

 

أخوكم إبراهيم علوش

 

 

    

الموضوعات المرتبطة

“جبهة جنوبية” قد تشعل كل المنطقة

التهديد الأمريكي القادم من الجنوب السوري لن يكون أفضل حالاً من "عاصفة الجنوب"   د. إبراهيم علوش يصعب أن لا يلاحظ المرء أن تغير اللهجة الرسمية الأردنية الناعمة نسبياً إزاء سورية خلال القمة [...]

بعد التعديلات الدستورية في تركيا…

هل سينزل أردوغان عن حصانه الخشبي العثماني إلى أرض الواقع ومعادلاته؟! تشرين السورية 19/4/2017 د. إبراهيم علوش تقدَمَ مؤيدو تحويل النظام السياسي في تركيا إلى رئاسي، على المعارضين، بنسبة 51،3 [...]

بالشام أهلي وبالفسطاط إخواني

  د. إبراهيم علوش معذرةً من أبي تمام، لكن قصيدته (ما اليوم أولَ توديعٍ ولا الثاني) تعبر، قبل ألفيةٍ وربع الألفية تقريباً، عن وحدة الحال في وطننا العربي الكبير اليوم حين قال: (بالشام أهلى [...]

حركة تسلل أمريكية في شرق سورية

تزايد زخم الاندفاعة الميدانية للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية، عبر البوابة الكردية المشرعة، باتجاه الرقة، أوضح أخيراً بعض معالم الاستراتيجية الأمريكية في سورية.  وقد بات من [...]

ضوء في نهاية النفق السوري؟

لعل أهم مخرجات القمة العربية، على تواضعها، هو تبريد الموقف الخليجي من سورية، لتصبح الأولوية الحل السياسي بين جميع الفرقاء، مما يتضمن اقراراً رسمياً ببضرورة التعامل مع الدولة العربية السورية [...]
2017 الصوت العربي الحر.