انتفاضة مصر ليست مجرد حركة احتجاجية مطلبية، د. عماد ملحس

February 5th 2011 | كتبها

         

5/2/2011

انتهت ” جمعة الرحيل ” شأنها شأن ” جمعة الغضب ” المصرية بصمود وثبات لا مثيل لهما، وبدعوة لاستمرار التظاهر والاعتصام وتكرار المظاهرات المليونية في الأيام القادمة.  انتصرت إرادة الشعب وأثبتت انتفاضته أنها عصيّـة على التطويع والإخافة والكسر.  فلقد شبّت انتفاضة الشباب عن الطوق، ولم تعد مجرّد رد فعل على الظلم والاستبداد والفساد فحسب، بل إنها برفعها شعارها الأساس وهو ” الشعب يريد إسقاط النظام ” إنما تعبّر عن وعي عميق للطريق الذي يجب سلوكه لتحقيق الحرية والكرامة المفقودتين.  فالحلّ ليس إسقاط شخص الرئيس فحسب، وإنما إسقاط النظام بشخوصه وسياساته وعلاقاته وارتباطاته.  

          هذه هي نقطة البداية والنهاية، وإذا كان كثير من القوى والناشطين لم يدرك بعد عمق هذا الشعار ومضمونه، فإن الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني يدركانه بعمق، لأنه يعني بالنسبة لهما تغييراً حتمياً في النهج والسياسات يعيد مصر إلى حاضنتها العربية، ويفضي في المستقبل القريب إلى ضرب المصالح والتدخلات الأمريكية في أكبر وأعرق بلد عربي، وإلى إنهاء اتفاقيــة ” كمب ديفيد” المشؤومة بكل ما خلـّفته من خنوع واستسلام وكوارث.  

          لقد حققت انتفاضة الشعب العربي في تونس أهدافاً كبيرة حتى الآن، ولم تستكمل أهدافها النهائية بعد، ويكفي أنها حرّكت المياه الراكدة في شتى أرجاء الوطن العربي، وكانت الملهمة والرائدة، وها هي انتفاضة الشعب العربي في مصر التي حققت أهدافاً مهمة حتى الآن، تسير قدماً نحو تحقيق الهدف الكبير، ألا وهو إسقاط نظام التبعية والاستسلام، وإقامة نظام التصدّي والحرية والعدالة.  

          صحيح أن الطريق وعرة وشاقة، لأن الطرف الأمريكي – الصهيوني وأتباعه لن يستسلموا بسهوله، وسوف يستمرون في وضع العراقيل أمام التغيير الإيجابي، وفي حرف المسيرة عن توجهاتها الرئيسية، وفي إثارة التناقضات الثانوية في صفوف الشعب، لكن الوعي لهذه المخططات المكشوفة والمكرورة والبائسه قد أثبت أن الأمور لم تعد في مصلحة هذا الطرف المعادي، وأن الأساليب التي كانت تنطلي على كثير من السذج والبسطاء قد عفى عليها الزمن ولم تعد تفعل فعلها.  ومع ذلك، فإنه يجب الحذر من الرموز والقوى التي تعمل على ركوب موجة الانتفاضة من داخلها والمساومة على أهدافها العظيمة.  

          إن إسقاط مبارك ومحاكمته يجب أن لا يكون نهاية المطاف، بل يجب العمل على استمرار الانتفاضة حتى اسقاط شركائه في الاضطهاد والفساد والتبعية ومحاكمتهم، وهم الذين ما يزالون في الحكم حتى الآن، وتسعى الولايات المتحدة إلى تثبيتهم في المرحلة التي تسميها ” انتقاليه “، بعد أن ثبت لديها أن بقاء مبارك في موقعه قد أصبح مستحيلاً.  إن تحقيق ذلك يتطلب أن تفرزالانتفاضة قياداتها الجذرية التي تمثلها، وأن تبلور رؤيتها وبرامجها الآنية والمستقبلية بوضوح، وأن ترفض أي شكل من المساومة على أهدافها الرئيسة في الحرية والتغيير وحلّ المعضلات الاجتماعية والمعيشية المتفاقمة، وفي إعادة مصر إلى دورها المركزي في الصراع مع العدو الأمريكي – الصهيوني، وفي التصدي لمخططات التفكيك والتدويل التي تطال الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، وفي الوقوف إلى جانب المقاومة العربية في فلسطين والعراق ولبنان وفي كل بقعة من بقاع هذا الوطن.   

          الولايات المتحدة وأتباعها في مصر والعالم، ما يزالون يناورون ويستخدمون عنصر الوقت لتفريغ الانتفاضة من مضمونها تمهيدا لليّ عنقها، برفع شعارات مضللة عن الإصلاح والتغيير والظهور بمظهر المؤيد للتحركات الشعبية، وهم آخر من يحقّ لهم الحديث عن الديموقراطية وحقوق الإنسان.  فنقل السلطة من طاغية إلى آخر كعمر سليمان الذي يحاولون تلميعه باعتباره رجلاً ” نظيفاً ومحترماً ! “، وهو خريج مدرسة المخابرات المركزية الأمريكية، وبطل ملف العلاقة مع العدو الصهيوني، والصديق الحميم والموثوق لقادته، وميسّر صفقة الغاز الرخيص لهذا العدو، ليس إلا ّ محاولة بائسة مكشوفة للالتفاف على الانتفاضة وإجهاضها.  كما أن مطالبة القوى الدولية ” بنقل السلطة إلى حكومة واسعة التمثيل في مصر وعلى الفور” ليس الا ّ ذراً للرماد في العيون، وتهميشاً لقوى الانتفاضة الأساسية لمصلحة القوى السياسية الوسطية والمساومة.  أما ما أسمي ب ” لجنة الحكماء ” – وبصرف النظر عن طبيعة أعضائها وتكوينها –  فهي ليست سوى مناورة أخرى لإحداث شرخ في صفوف الانتفاضة، وحرفها عن مسارها، حيث بات من الواضح أنها تعمل على تثبيت مبارك حتى نهاية فترة رئاسته وعلى التعاون مع أركان نظامه، وعلى تسهيل ” الحوار ” الذي دعي إليه.

          ان انتفاضة الشعب العربي في مصر ليست مجرد حركة احتجاجية مطلبية، بل إنها حركة تغيير عميقة في النهج والسياسات، ستنعكس آثارها على الوطن العربي بأسره، فمصر كانت دوماً مركز الثقل في حركة النهوض العربي والإسلامي، وستبقى كذلك .  وأول خطوة في هذا النهوض تتمثل في مجابهة العدو الرئيس المتمثل في الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني وحلفائه وأتباعه، والخروج من دائرة التبعية والاستسلام، نحو الاستقلال الحقيقي والتحرّر.   

*********************************   

الموضوعات المرتبطة

سورية الغائب الحاضر عن “قمة” عمان

  ليست "الجامعة العربية" هي ممثل العروبة، بما تشكله الأخيرة من وجود اجتماعي-سياسي راسخ يقاس عمره بالألفيات، بل تمثل الجامعة التوازنات غير المستقرة في موازين القوى بين الأنظمة القُطرية التي [...]

خطوة ريما خلف مشاكَسة رسمية عربية من تحت السقف

لا يمكن فهم ما قامت به ريما خلف من كشف لـ"العنصرية الصهيونية" في "المحافل الدولية"، بمعزل عن توجهات النظام الأردني، خصوصاً بعدما خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية ووزير الإعلام محمد [...]

في الفرق ما بين الإرهابي التكفيري والمقاوِم الوطني:

من المؤسف أن نضطر لتبيان الفروق بين الإرهابي التكفيري والمقاوِم الوطني، لكن صور التفجيرات العشوائية وقطع الرؤوس والتفنن في أساليب القتل واستباحة ال والأوطان، والخطاب الطائفي المسعور، [...]

مشروع لربط الكيان الصهيوني بسكك حديدية مع الدول الخليجية عبر الأردن

  في شهر تشرين أول 2016 أعلن الكيان الصهيوني عن تدشين خط سكة حديد بيسان-حيفا بتكلفة مليار دولار، الذي كان جزءاً من سكة حديد الحجاز قبل 112 عامأً، وقال بوعز تسفرير، المدير العام لشركة قطارات [...]

قراءة في قرار ترامب بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الولايات المتحدة

زعم إدارة ترامب أنها حظرت مواطني سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان وإيران من دخول الولايات المتحدة لمنع الإرهاب  يصعب أن يصدقه أي متابع عاقل بالنظر إلى أن: معظم تلك الدول (ما [...]
2017 الصوت العربي الحر.