الحراك الشعبي العربي أردنياً

February 9th 2011 | كتبها

د. إبراهيم علوش

السبيل 10/2/2011

يشهد الشارع الأردني منذ أسابيع حراكاً غير عادي كان من أبرز تجلياته المظاهرات الشعبية في عمان والمحافظات، والاعتصامات المتكررة أمام السفارة المصرية في جبل عمان التي بلغت أوجها مساء يوم 8/2/2011 في حراك شبابي قارب الألفين تم ربطه عبر الشاشات مع المعتصمين في ميدان التحرير في القاهرة، وتم فيه ترديد الهتافات والأغاني الوطنية الملتزمة والتلويح بعلم مصري ضخم وصور عبد الناصر مع الأعلام الأردنية.  وكان من الهتافات التي ترددت تكراراً في ذلك الاعتصام أمام السفارة المصرية: الشعب يريد إسقاط النظام.  وهي رسالة واضحة، ولولا التباس مكان إطلاقها : )

ويمكن اعتبار الحراك الشعبي الأردني اليوم امتداداً للتحركات المطلبية للمعلمين وعمال المياومة والكهرباء والموانئ خلال العام المنصرم، من جهة، كما يمكن اعتباره، من جهة أخرى، امتداداً مباشراً للزلزال الشعبي التونسي-المصري الذي لما تتكشفْ كل أصدائه وتداعياته في الوطن العربي بعد.   ولعل التحركات المطلبية، الأولى، ويمكن أن نضيف إليها اعتصام الكالوتي الأسبوعي أمام السفارة الصهيونية المستمر منذ حوالي عشرة أشهر، تؤكد بحد ذاتها أن الظروف الموضوعية التي فجرت انتفاضتي تونس ومصر الشعبيتين تشبه إلى حد بعيد الظروف الموضوعية في الأردن، ومنها:  1 – ذلك المزيج المتفجر من بطالة الشباب وارتفاع مستواهم التعليمي في آنٍ معاً، 2 – إفقار الشعب بالترابط مع استشراء الفساد وتمتعه بالحماية السياسية على أعلى المستويات، 3 – التفريط بالثروات العامة وإخضاع البلاد لنهج اقتصادي ليبرالي متطرف لا يطبق حتى في الولايات المتحدة نفسها، 4 – التبعية للخارج ورهن القرار السيادي بقوى الهيمنة الخارجية وممارسة التطبيع مع العدو الصهيوني، 5 – مصادرة القرار السياسي للمواطن وحقه في تقرير شؤونه العامة إما بشكل قمعي مباشر أو من خلال واجهات شكلية مثل مجلس النواب الأردني لا تغني ولا تسمن وتم تفصيلها على مقاسات الأجهزة الأمنية والسلطة التنفيذية…

والقائمة تطول… لكن مغزاها هو أن نقاط التشابه الأردنية مع ظروف تونس ومصر أكثر بكثير من نقاط الاختلاف من وجهة نظر المواطن العادي، على عكس ما يصر عليه البعض من أن الظروف الأردنية مختلفة جذرياً عنها في تونس ومصر.

لا بل أننا نتشابه مع تونس ومصر في كون الشباب المدني المرتبط بالإنترنت عبر الفيس بوك وتويتر والمنتديات وقوائم الإيميل الشخصية بات العماد الرئيسي للحراك الشارعي غير المقيد بالقوى والأطر والقيادات التقليدية للمعارضة، وبأن ذلك الشباب سبق تلك القيادات والقوى في: 1 – استلام زمام المبادرة السياسية في مواجهة النظام العربي، 2 – المشاركة النسائية الفاعلة والقيادية في الحراك الشعبي، 3 – إبداع شبكات ووسائل جديدة لتنظيم النشاطات والائتلافات العريضة، 4 – رفع السقف السياسي للحراك والمطالب في الشارع وداخل القوى المعارِضة نفسها، 5 – مشاركة مواطنين من خلفيات متنوعة وأعمار مختلفة في الحراك، مع بقاء القيادة للشباب.  

ونحن نتشابه مع تونس ومصر، فوق ذلك، في وجود قوى وشخصيات انتهازية ما فتئت تحاول امتطاء ظهر الحراك الشعبي إما لتحقيق أجندات شخصية أو ضيقة، وإما لحرفه عن هدف التغيير الجذري، وإما لتحويله إلى “ثورة ملونة” على نمط الثورات الملونة الموالية للولايات المتحدة في أوروبا الشرقية.  كما أننا نتشابه مع تونس ومصر في غياب حركة ثورية منظمة تقود الحراك على هدي برنامج واضح للتغيير الحقيقي إلى بر الأمان.  ولعل هذا التشابه بيننا وبين تونس ومصر ربما يصح أيضاً في المقارنة بينهما وبين المغرب والجزائر وبقية الدول العربية المرشحة لانتقال العدوى الثورية إليها…

صحيح أن الحراك الشعبي الأردني لما يصلْ بعد في اتساعه وحجمه وديناميكيته إلى مستوى الحراك التونسي والمصري، وهنا يعود السبب لظروف تتعلق بالشارع نفسه، وانقساماته العامودية على نفسه على حساب الأفقية إزاء ناهبيه ومضطهدِيه، وليس لأن ظروف حياتنا أفضل بكثير من ظروف حياة التونسيين أو المصريين، على ما زعموا، لكن الصحيح أيضاً هو أن الحراك الشعبي التونسي والمصري كان محفِزاً حقيقياً للحراك الشعبي الأردني الذي كان سيكون أقل بكثير مما هو عليه اليوم، وكان سيبقى على طابعه الجزئي والمتخصص قطاعياً، لولا تونس ومصر. 

النقطة الأهم التي يجري تغييبها عند مناقشة الحراك التونسي والمصري هي أن علاقة المواطن العربي الحارة بهما ليست مجرد علاقة “تضامن”، كما لو كانت تونس أو مصر في أمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا مثلاً، بل أن تونس ومصر هي نحن، هي المواطن العربي ذو الهم الواحد والظروف الواحدة، وبالتالي فإن قصرها على”التضامن” تمييع للموقف السياسي المطلوب إزاء انتفاضتي تونس ومصر، لأن انتفاضة تونس ومصر هي ثورتنا وانتفاضتنا وحراكنا، وهي بداية تحررنا ووحدتنا، وما شرع به التونسيون والمصريون (ولما ينجزوه بعد) هو مشروع التغيير الحقيقي الذي نحتاجه نحن، لأنهم فرطوا أول حبيبات مسبحة النظام العربي التابع للطرف الأمريكي-الصهيوني، وما يريده المواطن العربي حقاً هو ذلك التغيير الحقيقي الذي فتح التونسيون والمصريون بابه، وفرط باقي حبيبات المسبحة وتفرقها في أرجاء الأرض، وليس ترقيع الثوب الرث والمهلهل الذي يسميه البعض “إصلاحاً”.

والحراك الشعبي الأردني الذي يرفع صور عبد الناصر ويلهج بهتافات الوحدة العربية وإسقاط معاهدة وادي عربة وإغلاق سفارة الكيان الصهيوني، كما يجري أمام السفارة المصرية في عمان يومياً تقريباً، أي ذلك الحراك المسييس غير المقتصر على الشأن المطلبي فحسب، الحراك المدرك لعمق العلاقة العضوية غير القابلة للانفصام بين الدار البيضاء والمنامة وما بينهما، ليس مجرد رفاهية، ولا هو شطحة، بل هو وحده القادر أن يعبئ الشارع الأردني نفسه في حراك سياسي حقيقي يتسامى على الفتن والفروق بين الشمال والجنوب والوسط، والفروق بين الأردني والفلسطيني، وبين المسيحي والمسلم، الخ…

أي أن التأكيد على القاسم المشترك العروبي في الأردن بالذات، أكثر من أي قطر عربي أخر، هو شرط الحراك السياسي الفاعل، وشرط احتواء الفتن، على الصعيد المحلي، فالحديث عن الوحدة العربية يوحد الشارع الأردني حتى لتحقيق أهداف مطلبية جزئية، أما الاقتصار على الجزئيات والشأن المطلبي المحض فحسب، بذريعة المطالبة بشيء “ملموس”، بدلاً من الشعارات “الفضفاضة”، على ما زعموا، فكثيراً ما يدخِل الأردنيين في متاهات وفتن خبيثة من نوع “أردني-فلسطيني” لا تحقق تغييراً ولا إصلاحاً، كما رأينا في بعض البيانات المشبوهة التي تسعى لإدخال البلاد في النفق الدموي الأحمر الذي يريده له العدو الصهيوني ودعاة التفكيك الذين نشطوا في التحريض السافر في لحظة تصاعد الحراك الشعبي الأردني.  باختصار، إذا أردنا حراكاً شعبياً حقيقياً في الأردن، فإن ذلك سيأتي فقط عبر: 1 – طرح نقاط التناقض مع النظام بوضوح، وليس تمييعها، 2 – التركيز على السياسات لا الشخصيات، 3 – ربط السياسات الداخلية والاقتصادية بالتبعية للخارجية والتطبيع مع العدو الصهيوني، 4 – ربط المطالب الجزئية، على أهميتها، بمجمل مشروع التغيير، 5 – التركيز على البعد العروبي للحراك والهوية والرؤى السياسية التغييرية.

  

 

 

الموضوعات المرتبطة

خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

د. إبراهيم علوش لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار [...]

من التنف إلى جنيف..

لا يحق لأحدٍ أن يسائل سورية كيف تحرك قواتها وكيف تؤكد سيادتها على أرضها د. إبراهيم علوش إذا كانت رسالة العدوان الأمريكي الغادر على إحدى نقاط الجيش العربي السوري والقوات الحليفة على طريق [...]

نصر القابون واستراتيجية التسكين والتمكين

د. إبراهيم علوش التركيز على قتال "داعش" و"النصرة" والتوجه شرقاً وجنوباً شكّل السياق الاستراتيجي لمذكرة مناطق تخفيف التوتر، كما لاحظ أي مراقب حصيف للمشهد السوري.  الجيش العربي السوري وحلفاؤه [...]

الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

د. إبراهيم علوش للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة "مناطق خفض التصعيد" الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع "المناطق الآمنة" الذي طالما حاول [...]

هل تبدّل صور ضحايا الحروب السياسة الأمريكية حقاً؟

وهل السياسات الأمريكية تحركها النزعات "الإنسانية" بالفعل؟ د. إبراهيم علوش كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات [...]
2017 الصوت العربي الحر.