الجزء الخامس: عروبة بلاد الشام والعراق ومسيحيو الشرق/د. فؤاد المرعي ود. أدمون رباط

January 19th 2010 | كتبها

سلسلة التثقيف القومي

 

 

الجزء الخامس: عروبة بلاد الشام والعراق ومسيحيو الشرق/ د. فؤاد المرعي ود. أدمون رباط

 

 

لائحة القومي العربي  arab_nationalist@yahoogroups.com

  

 

لا تقوم القومية العربية على أساس عرقي طبعاً.  وهي، على عكس ما يرميها به أعداؤها، قومية مناهضة للعنصرية، بمعنى أنها لا تجعل النقاء العرقي واحداً من مكوناتها كما يفعل بعض أصحاب النزعة القومية في الغرب.  والوطن العربي، في موقعه الفريد في وسط العالم القديم، كمعبر للغزوات والهجرات، ولطرق التجارة العالمية، من المستحيل عليه، أكثر من أي وطن أخر، أن يزعم النقاء العرقي لأبنائه.  والعرب، أكثر من غيرهم، قد يكونون من أقل شعوب الأرض نقاءً من الناحية العرقية، بالرغم من حرصهم التاريخي على صفاء النسب من الناحية العشائرية.  ومأثرة الشاعر عنترة بن شداد العبسي تكمن جزئياً في كونه يمثل، كفرد واحدٍ، أول حركة مناهضة للعنصرية العرقية في التاريخ البشري ربما!  وعنترة بن شداد بالضرورة من أجدادنا، عرقياً وإرثاً ثقافياً وموقفاً تقدمياً ضد العنصرية…

غير أن غياب النقاء العرقي، ورفض أساطين القومية العربية، من ساطع الحصري إلى تلاميذه، اعتبار العرق مكوناً من مكونات القومية، لا يعني أبداً أن العرب ككل بلا أصل ولا فصل، وأن القومية العربية كان يمكن أن تنشأ في الصين أو في شبه الجزيرة الاسكندنافية مثلاً، أو في غابات الأمازون، بل يعني أن كتلتهم الأساسية ذات جذور سامية تتمطى إلى الجزيرة العربية عبر مراحل زمنية مختلفة في الماضي، كما أثبت المؤرخون والعلماء… فالأمازيغ جاؤوا من اليمن قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة مثلاً، كما سبق أن أظهرنا في جزء سابق من سلسلة التثقيف القومي، والمصريون القدامى يتألف أجدادهم من غالبية سامية عربية اختلطت بأقلية حامية، أو أفريقية.   ومع التأكيد على الترابط العضوي، غير القابل للانفصال، لمكونات وأجزاء الوعاء الجغرافي العربي، ذي الحدود الطبيعية الواضحة، من المغرب للبحرين، نقدم في هذا الجزء عرضاً مختصراً لعروبة بلاد الشام والعراق من خلال مادة د. فؤاد المرعي “الفتح الإسلامي لم يكن غزواً“، وهي مادة يجب أن تُقرأ بالتزامن مع مادة د. إدمون رباط “المسيحيون في الشرق قبل الإسلام” التي نثبتها أدناه في نهاية مادة د. فؤاد المرعي.

أما مادة د. رباط، فهي تظهر: 1) الأصول السامية العربية للأغلبية الساحقة من سكان بلاد الشام والعراق بالأخص، 2) الصراع القومي العنيف بين مسيحيي بلاد الشام والعراق ومصر من جهة، والكنيسة البيزنطية الممثِلة للمستعمِر الرومي من جهة أخرى، وهو صراع طائفي بين مسيحية عربية ومسيحية رومية كان في الواقع إفرازاً أيديولوجياً للصراع بين مشروعية الاستعمار الروماني ومشروعية مقاومته، أي أنه كان باختصار صراعاً مقنعاً بين قومية عربية مضطهَدة، وقومية رومية مضطهِدة… وقد مهد ذلك الصراع، بشكليه القومي والديني، لمجيء الإسلام بشكل طبيعي إلى بلاد الشام ومصر بلا قتال، لا بل بتأييد الجماهير العربية له وانتقالها إلى صفوفه خلال 24 ساعة بعد حوالي ألفية من الاحتلالين الرومي والفارسي.  الله أكبر!  فإن ذلك يشهد لا على عروبة بلاد الشام والعراق ومصر منذ الأزل فحسب، بل يشهد على عروبة الإسلام نفسه.!

أما مادة د. المرعي، فهي تظهر عبر قنوات شتى وسلاسل مترابطة العرى أن المسلمين دخلوا بلاد الشام والعراق ومصر محررِين لا مستعمِرين، وأن المسلمين الأوائل كانوا يعرفون أن مسيحيي الشرق، أبناء عمومتهم بالنسب، كانوا مضطهَدين من الروم، وبالتالي أنهم سيؤيدونهم على أساس قومي عربي، ولو لم يدخلوا في الإسلام، فذلك حساب إستراتيجي واثق، لا عمل مغامر، وهو يقوم على شعور غريزي بوحدة الأرض العربية والثقافة العربية والإنسان العربي في وعائه الجغرافي الطبيعي الذي لا يميز بين جزيرةٍ عربية وهلالٍ خصيب ووادي نيلٍ ومغربٍ عربي.   كما أن الدولة الأموية قامت على أساس قومي عربي.  وهو تلخيص شديد لا يغني أبداً عن التمتع بقراءة مادة د. فؤاد المرعي أدناه…         

 

أخوكم إبراهيم علوش

 

دراسات في تاريخ الحضارة العربية – الإسلامية

 الفتح العربي الإسلامي لم يكن غزواً

د.   فؤاد المرعي

من مجلة “البيان” الكويتية، عدد شهري تموز/ آب 1998، ص: 6 – 19.

 

إن مقولات بني عليها باحثون كثيرون تصورهم لأصول التراث العربي الإسلامي ومصادره ومراحل تكونه دفعتني إلى القيام بمحاولة، محدودة بطبيعة الأمر الذي انتويته، للدعوة إلى تصحيح ما بدا لي مغلوطاً فيها، والقيام بقراءة لمعطيات التاريخ، قد لا تكون جديدة، ولكنها مختلفة إلى حد ما عن القراءات السائدة في الدراسات المعاصرة.

وأولى هذه المقولات مقولة ترى أن العرب المسلمين الفاتحين حلوا في بلاد غريبة عنهم بدينها وحضارتها ولغتها.  وهذه المقولة إستشراقية في أصلها، نجدها، مثلاً، عند غرونيباوم الذي يؤكد في بحثه أسس الحضارة الإسلاميةأنه لا شك في أن العرب تميزوا منذ البداية بسمات ذهنية وعاطفية خرجوا بها من شبه الجزيرة العربية.   وقد أثرت هذه المقدمات، دون أدنى شك،  في قدرتهم على الاحتكاك بالمحيط الجديد(1)..و نجد لها في قول باحث عربي هو الدكتور حسين مروة، في الجزء الأول من كتابه “ النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” إن الظروف حكمت على العرب الفاتحين أن يعيشوا في البلدان المفتوحة منفصلين عن حياة السكان الأصلين، ومنفصلين- بالأخص- عن عملية الإنتاج المادي، مستقلين بحياتهم اليومية في تلك المعسكرات التي أنشؤوها لجيوش فنح وللمهاجرين من أهل الجزيرة مع هذه الجيوش، حتى ليصح القول بأن الجاليات العربية في هذا العهد كانت تغلب عليها صفة الجاليات العسكرية”(2)

قد يكون من المفيد أن نؤكد عند البدء أن أصحاب هذه المقولة التي ترى أن العرب الفاتحين  حلوا في بلاد غريبة عنهم ينطلقون من الموقف الاستشراقي الذي يرى في العرب المسلمون قبائل بدائية غازية اقتطعت أجزاء من الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية وكانت بمثابة نواة قوة توجب على تلك الأجزاء أن تتوضع حولها مكونة الحضارة الإسلامية. فبسبب من هذه النظرية ذاتها يوازن غرونيبام بين القبائل الجرمانية في غزوها للإمبراطورية الرومانية وبين الفتح الإسلامي،  أنه يرى أن القبائل العربية الفاتحة سلكت الطريق نفسها التي سلكتها القبائل الجرمانية حين غزت الإمبراطورية الرومانية قبل بداية الفتح الإسلامي بثلاثمائة عام فهي كسابقتها احتفظت بالجهاز الإداري للإمبراطورية التي ورثتها ولم تفكر بتغييره أو تعديله قبل مرور جيل كامل على الفتح. وهي أيضا كانت كالقبائل الجرمانية أقلية وطدت سلطانها على أساس غير متين من بنية خاصة معقدة غريبة عنها. والعرب، كالجرمانيين، سعوا إلى تمييز أنفسهم من سكان البلاد التي حكموها فمنعوا الزواج منهم واحتكروا الخدمة العسكرية.

ويرى غرونيباوم أن الاختلاف بين العرب وسابقيهم في الغرب (كذا)  الجرمانيين، هو في عدم رغبتهم في التخلي عن دينهم وعدم رغبتهم في تغيير لغتهم مهما بدت قاصرة في ضوء المهمات التي وضعها الفتح أمامهم، إلى لغة الشعب الخاضع لهم.  لقد شعرت القبائل الجرمانية بضرورة إكساب سلطتها صفة الشرعية عن طريق التحول إلى ورثة لأولئك الذين أزاحتهم عن السلطة، في حين كان مركز جذب العرب المسلمين داخل شعبهم نفسه، إذ عدوا أنفسهم مختارين وعدوا السلطة حقا شرعيا من حقوقهم. (3)

ويتجسد الموقف نفسه في أعمال باحث إسلامي هو أحمد أمين الذي يرى أن الفتح غيَّر طبيعة الأمة الإسلامية فلم تعد “أمة عربية، لغتها واحدة ودينها واحد وخيالها واحد” (4) بل أصبحت “جملة أمم وجملة نزعات وجملة لغات، تتحارب، وكانت الحرب سجالا، فقد ينتصر الفرس، وقد ينتصر العرب، وقد ينتصر الروم” (5)، ثم يعود ليؤكد ما ذكره غرونيباوم بصيغة مختلفة بسبب اختلاف الأرضية الفكرية للباحثين ، فيقول: “والحق أن العرب وإن انخذلوا في النظم السياسية والاجتماعية وما إليها من فلسفة وعلوم ونحو ذلك، فقد انتصروا في شيئين عظيمين : اللغة والدين” (6).

والباحث، إذ يدعو إلى مناقشة هذه المقولة وتصحيحها، لا يفكر مطلقا في إنكار هجرة أعداد كبيرة من عرب شبه الجزيرة بصحبة جيوش الفتح واستيطانها في البلدان المفتوحة، ولا في مناقشة حقيقة سيادة اللغة العربية والدين الإسلامي في تلك البلدان، فهذان الأمران من الوقائع التاريخية الساطعة التي لا تحتمل الإنكار أو المناقشة. ولكن ما يحتاج إلى المناقشة فعلا هو النظر إلى العرب الفاتحين باعتبارهم أمة غريبة عن المنطقة التي شملها الفتح الإسلامي في موجته الأولى (سيكون لنا حديث عن موجة الفتح الإسلامي الثانية في الفقرة التالية من هذا البحث)، وهو اعتبار لا يجعل انتصار العرب المسلمين في معارك الفتح وحده مجال تساؤلات تصعب الإجابة عنها إجابة قاطعة غير مثيرة للجدل، بل يجعل أيضا سرعة تبني الإسلام في تلك المنطقة وتعريبها أمرا مستعصيا على التفسير، ولاسيما في ضوء ما نراه اليوم من آثار بعيدة للفتح الإسلامي حيث يرى الناظر إلى خارطة العالم الإسلامي القديم أن هذا الفتح قد نجح في ترسيخ الإسلام في بعض المناطق التي خضعت له، وعربها، ونجح في ترسيخ الإسلام في بعضها الآخر دون تعريبه، بينما أخفق في ترسيخ الإسلام في بعضها الثالث وأخفق في تعريبه أيضا.

إن الباحثين يعللون انتصار العرب المسلمين الفاتحين بأسباب شتى، منها أن دولتي بيزنطة وفارس كانتا ضعيفتين بسبب الحروب الكثيرة التي دارت بينهما.   ومنها الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي كان يمارسه الحكام البيزنطيون ضد السكان المحليين في سورية والذي جعل من هؤلاء السكان وسطا معاديا وحرم الجيش البيزنطي من الحماية الداخلية، ومنها الروح المعنوية العالية للجيش المسلم الفاتح تقابلها روح معنوية منهارة لمقاتلين مسخرين فاقدين ثقتهم بالدولة التي يدافعون عنها. ومع أن لهذه الأسباب نصيبها من الصحة في تفسير انتصار الفاتحين، إلا أنها ليست، في رأينا، كافية لتفسيره.  أضف إلى ذلك أنها لا تستطيع مطلقا أن تساعدنا في فهم الدور الذي لعبته البلدان التي شملتها موجة الفتح الأولى (سورية والعراق ومصر) في تاريخ الدولة العربية الإسلامية بعد الفتح. ولتوضيح ما نعنيه نذكر ما يلي :

1– لقد أسس العرب الفاتحون مدينة البصرة في العام الثاني من موجة الفتح الأولى، أي في عام 638م. ولكن المدينتين المعسكرين اللتين يفترض المؤرخون بحق أنهما وجدتا لتدعيم سلطة الدولة العربية الإسلامية، تحولتا منذ وفاة الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب من مركز دعم لهذه الدولة إلى مركز معارضة لها وتمرد عليها سواء أكانت في المدينة ( الموقف من الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان)  أم في مكة ( الموقف من عبد الله بن الزبير ) أم في دمشق ( الموقف من الحكم الأموي بعامة) أم في بغداد في مرحلة لاحقة.   وإذا كانت الكوفة قد حافظت فترة أطول من الزمن على التركيب السكاني الذي أسُست به، أي أن أغلبية سكانها بقيت من العرب المهاجرين من شبه الجزيرة أبان الفتح، فإن البصرة لم تبق كذلك.   إن المدينتين اللتين نشأتا في وقت واحد تقريبا  على شكل معسكرين للقبائل العربية المهاجرة بعد الفتح، اجتذبنا بسرعة أهل العراق بخبراتهم الحضرية وبما توارثوه من حضارات وثقافات.   ولم يمض ربع قرن من الزمان حتى كانت المدينتان – المعسكران مركزين للتطور العمراني والإنتاجي والعلمي.  ولكن التاريخ يدل دلالة واضحة على أن البصرة كانت المركز الأكبر لتجمع الفئات الواسعة من الحرفيين والعاملين في الأرض والعبيد والتجار الصغار، فكانت لذلك أحد المنابع الرئيسية المبكرة للتيارات الفكرية والدينية والسياسية في الدولة العربية الإسلامية. إن الذي يعنينا هنا من كل ما ذكرناه عن هاتين المدينتين هو لفت الانتباه والتفاعل الثقافي فيهما بين السكان المحليين والعرب الفاتحين، وهما المدينتان اللتان نشأتا لتكونا مقرا للعرب المهاجرين بعد الفتح ومعسكرا يمد السلطة العربية الإسلامية بالقوة اللازمة لإخضاع سكان البلاد المفتوحة، كما تزعم المقولة الاستشراقية التي نناقشها.

 

2– لقد كان من الطبيعي أن تحتاج ثمار الاختلاط البشري والتفاعل الحضاري في البصرة والكوفة إلى قرابة ربع قرن من الزمن لتبدأ في الظهور، وهذا الزمن الذي استغرقه تكونها ليس نتيجة عزلة العرب المهاجرين من شبه الجزيرة وعزوفهم عن الاختلاط بالسكان المحليين، بل هو الزمن اللازم ليصبح هذا الموقعان مدينتين.   غير أن العرب المهاجرين من شبه الجزيرة مع جيوش الفتح أو بعدها لم يستقروا في الكوفة والبصرة فحسب، بل انتشروا أيضا في سائر البلدان والمواقع التي شملتها الموجة الأولى من الفتح الإسلامي،  من دون أن يقيموا فيها مدنا معسكرات كالبصرة والكوفة.   ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن الاختلاط البشري والتفاعل الحضاري الذي احتاج نشوؤه في البصرة والكوفة إلى زمن معين، قد حدث بين الفاتحين والسكان المحليين في بلاد الشام فور دخول الفاتحين إليها.  إن ما نشير إليه من اختلاط بشري وتفاعل حضاري في بلاد الشام ليس مجرد استنتاج عقلي تنقصه الأدلة التاريخية، فبلاد الشام، بعد عشرين عامل من الموجة الأولى للفتح الإسلامي، واجهت، بالمسلمين وغير المسلمين من أهلها والمهاجرين إليها، سلطة الدولة الراشدية في شبه الجزيرة والعراق وقهرتها، ثم أصبحت بعد سنوات قليلة المركز القوي للدولة العربية الإسلامية ووسعت رقعة هذه الدولة شرقا حتى حدود الصين، وغربا حتى الأندلس  والمحيط الأطلسي.   وما كان ذلك ليحدث لو أن العرب المسلمين الفاتحين حلو في بلاد غريبين عنها غربة القبائل الجرمانية عن سكان الإمبراطورية الرومانية، أو لو كانت “الأمة الإسلامية” بعد الفتح “جملة أمم تتحارب”.

 إن تكرار المستشرقين لهذه المقولة التي نحن بصددها ليس علميا وهو ليس نزيها دائما، فهو يهدف عند بعضهم إلى :

1- إظهار العرب الفاتحين بمظهر القبائل البدائية الغازية التي دمرت حضارة بيزنطية- ساسانية كانت قائمة في الشرق.

2- حصر إسهام العرب في الحضارة العربية – الإسلامية بعامة بنشر اللغة والدين الإسلامي.

3- إظهار إنجازات الحضارة العربية الإسلامية وكأنها إرث بيزنطي – ساساني شوهه الإسلام، أو مجرد نقل من الخارج وترجمة للمعارف التي تكدست لدى البيزنطيين وغيرهم.

وهذا كله يخدم فكرة “المركزية الأوروبية” التي تزعم أن الحضارة البشرية كلها صدرت عن أوروبا، وأن الشرق، في أفضل عطاءاته، لم يكن سوى جسر انتقلت حضارة أوروبا القديمة عبره إلى أوروبا الحديثة. 

أما الباحثون العرب فقد أخذوا بهذه المقولة بدوافع عديدة منها:

1- عقدة النقص التي نعاني منها بسبب تخلف الواقع العربي، والتي تجعل بعضنا يعتقد أن كل ما يصدر عن أوروبا مدروس دراسة علمية وافية.

2- الرغبة في تضخيم عبقرية العرب الفاتحين العسكرية، تلك العبقرية التي مكنتهم من القضاء على أكبر إمبراطورتين في القصر القديم وفي زمن قياسي.

3- الرغبة في تضخيم دور العرب الفاتحين في تعريب البلدان المفتوحة وترسيخ الدين الإسلامي فيها. 

4- الرغبة في إبراز قدرة العقل العربي الإسلامي على استيعاب الحضارات الأخرى وتطويرها. 

ومهما تكن أهداف المستشرقين أو رغبات الباحثين العرب فهي لم تكن السبب الوحيد في نشوء هذه المقولة وسيادتها، فثمة سبب آخر، أكثر أهمية في هذا المجال، هو غياب الرواية الشامية ( الأموية) للتاريخ الإسلامي بعد الفتح أو تغييبها.

إن معظم المصادر التاريخية الإسلامية القديمة، إن لم نقل كلها، مصادر عباسية أو شيعية متأخرة.   ونحن لا نملك مصادر أو أخبارا عن تاريخ الفتح الإسلامي والدولة الإسلامية في الشام غير تلك التي أشرنا إليها.  ومهما قيل عن موضوعية المؤرخين العرب المسلمين ودقة تقصيهم للأخبار ونزاهتهم، فإن ذلك لا يمكن أن ينفي تأثرهم بالعداء للأمويين الذي كان سائداً في الأوساط الشيعية والعباسية، من ناحية، وبالصراع العربي – الفارسي (الذي نسميه شعوبية مع أنه كان بين العرب والفرس حصرا، ولم تشترك في أية شعوب أخرى داخلة في الدولة العربية – الإسلامية) من ناحية ثانية.

ولقد كان من نتائج ذلك التأثير تفسير مغلوط لحقائق تاريخية هامة أدى إلى استنتاجات متناقضة منطقيا، عن طبيعة الدولة العربية – الإسلامية في الشام ودورها الحضاري والفكري.   ذلك ما نراه، مثلا في كتاب الدكتور حسين مروة “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”، فهو يؤكد أن معاوية بن أبي سفيان وثق في زمن إمارته الطويلة على الشام” علاقات حسنة مع الفئات النافذة والغنية في سورية، وذلك بمراعاته التامة لمصالحها الطبقية، إذ أبقى المحاكم والشرطة في أيدي كبار الملاكين العقاريين المحليين وأغنياء المدن وكبار التجار من السكان الأصليين، وأبقى الحواجز الجمركية على حدود سورية بالرغم من كون هذه البلاد صارت جزءا من الإمبراطورية العربية، وفرض مع ذلك ضرائب جمركية عالية على البضائع المنافسة للمنتجات السورية المتطورة، ثم أنه – أي معاوية – أعفى من الضرائب كافة رجال الدين على اختلاف أديانهم ” (7) ويعتقد د.مروة أن هذه السياسة ضمنت لمعاوية تأييد الفئات السائدة في الشام وعطف رجال الدين جميعا على حكمه، ولكنه يتكلم في مكان آخر من بحثه (8)  على انحراف الدولة الأموية عن الوجهة الإسلامية في المساواة بين الأجناس البشرية وعلى اتصاف هذه الدولة بالعصبية العربية، ويفسر الدور السياسي الهام  الذي قام به عرب بلاد الشام في توطيد الدولة الأموية على أنه نتيجة لحذق معاوية السياسي الذي أراد أن يجعل من تحالفه مع هؤلاء العرب (الكلبيين) دعامة أساسية لطموحه الشخصي وطموح الارستقراطية الأموية.  وهو عندما يجد أن الكلبيين كانوا دائما السند القوي للدولة الأموية حتى بعد وفاة معاوية الأول وابنه يزيد وحفيده معاوية الثاني وإعلان عبد الله بن الزبير لخلافته التي كادت تعصف بهذه الدولة لولا استبسالهم في الدفاع عنها، يفسر ذلك تفسيرا أكثر عقلانية بقوله أن الكلبيين استبسلوا “في الدفاع عن دولة بني أمية دفاعا عن مصالحهم” (9).

غير أنه لا يقول شيئا عن هذه المصالح بل يتحول تحت تأثير المصادر التاريخية العربية الكبرى كمؤلفات الطبري والبلاذري واليعقوبي إلى الحديث عن “الملكيات العقارية التي دخلت في حوزة العائلات الأموية وأنصارها” (10)، وهي ملكيات يرى الدكتور مروة أنه “كان من المفترض – حسب نظام الأراضي في الإسلام – أن تكون ملكا عاما للدولة الإسلامية، ولكنها تحولت، تحت سلطة معاوية وأقربائه وبطانته، إلى ملكية خاصة استخدم معاوية الخبراء السوريين في تنظيم زراعتها وريها، حتى أصبح هو ( أي معاوية ) وأخص أقربائه وبطانته من أكبر الملاكين العقاريين وتألفت منهم الارستقراطية شبه الإقطاعية الجديدة بعد الفتح، في حين كان العرب الآخرون مشغولين بأعمال الفتح في مناطق بعيدة، أو مرابطين في المعسكرات لحماية الدولة من الانتفاضات أو لمحاربة الأحزاب المناوئة للأمويين في العراق وغيرها ” (11).

إن نغمة العداء للأمويين ترن واضحة فيما أوردناه حتى الآن من آراء الدكتور مروة بشأن النظام الاجتماعي في الدولة الأموية إذ لا يمكن أن نفسر بغير التأثر بالمصادر التاريخية القديمة المشحونة بالعداء للأمويين كلامه على الدور السياسي الكبير لمعرِّب بلاد الشام بوصفه إحياء للعصبية القبلية جاء نتيجة لدهاء معاوية الشخصي وزواجه من “ميمونة الكلبية”. ولا يمكن بغير ذلك تفسير تقسيم الدكتور مروة العرب في الدولة الأموية إلى أمويين مشغولين بجمع الثروات وعرب آخرين مشغولين بأعمال الفتح في مناطق بعيدة أو مرابطين في المعسكرات لحماية الدولة من الانتفاضات أو لمحاربة الأحزاب المناوئة للأمويين في العراق وغيرها. 

وتزداد نغمة العداء للأمويين وضوحا عندما يقول الدكتور مروة بما تقول به المصادر التاريخية القديمة كلها تقريبا بشأن “نزعة التعالي على غير العرب التي أخذت بها الدولة الأموية” (12) فهو يرى أن مؤسس الدولة الأموية اتبع سياسة تمييز العرب من غيرهم لتحقيق “مصلحة مؤقتة دعته أن يستفيد من التخاصم القيسي –الكلبي (لاحظ هنا أن التخاصم القيسي – الكلبي لم يكن من صنع معاوية) لتوطيد عرشه حين هو لا يزال مهددا بهزات عنيفة بعد تغيير وجهة الخلافة من مواقعها الراشدية.   غير أن الخلفاء الأمويين الذين جلسوا بعده على هذا العرش قد أفرطوا في إبراز العصبية العربية حتى أثاروا نقمة الفئات غير العربية من مواطني دولتهم كما أثاروا فيها نزعة التعصب المضاد، وهذه النزعة نفسها هي التي كانت منشأ تلك الحركة التي ظهرت في أواخر عهد الدولة الأموية واستمرت تتبلور في عهد الدولة العباسية إلى أن أصبحت حركة معادية للشعب العربي ذاته، ولتاريخه وثقافته بحيث دفعها العداء لكل ما هو عربي لأن تخلق تيارا فكريا يحمل راية التشنيع بكل ما في تاريخ العرب من أدب وفكر وقيم وتقاليد، نعني بها حركة ” الشعوبية ” المعروفة “(13).

لقد أوردنا هذا المقطع المطول من كتاب الدكتور مروة لنظهر الآثار الوبيلة التي تنجم عن غياب الرواية الشامية “الأموية” للتاريخ.   نحن لا نريد من قولنا هذا أن ننفي الحقائق التاريخية التي أوردها الدكتور مروة، بل نريد أن نناقش الأحكام التي خرج بها منها فقادته إلى تفسير أحادي الجانب للصراع التاريخي بين الحضارات، يحمِّل من خلاله العرب وحدهم مسؤولية نشأة “الشعوبية” وتطورها. 

إن القضية التي تثير اعتراضنا الأساسي هي رؤية كل الحقائق المتعلقة بالتغيرات التي حدثت في بلاد الشام ومنطقة ما بين النهرين في القرن السابع الميلادي وما تلاه من خلال أفعال الفاتحين ورغباتهم، بل من خلال أفعال البيت الأموي الحاكم ورغباته، فهذه الرؤية تهمل تماما الدور الحقيقي لسكان بلاد الشام ومنطقة ما بين النهرين أنفسهم، وهو دور يحتاج فهمه إلى نظرة، ولو سريعة، في تاريخ المنطقة السابق للفتح الإسلامي. 

لقد شهد القرن العشرون، ولاسيما في النصف الثاني منه، حركة نشطة في ميدان الكشوف الأثرية وقراءة لغات الشرق القديم، واكتشف العلماء حقائق جديدة وصاغوا فروضا أقاموها على أسانيد وأدلة غيرت التصورات القديمة عن العرب وأصلهم وتاريخهم، ووضعت تصورات أخرى مستندة إلى قراءة النقوش والوثائق ودراسة الآثار. 

وقد عززت دراسة تاريخ شعوب المنطقة ولغاتها ودياناتها وفنونها الرأي القائل إن الجزيرة العربية وسورية وأرض الرافدين كانت الموطن التاريخي للشعوب السامية وأن هذه الشعوب أقامت في تلك البلاد إقامة ثابتة متصلة (14) كما أن الدراسات اللغوية الحديثة أثبتت، بما لا يقبل الشك، انتماء اللغات السامية إلى أصل واحد تدل على ذلك الوحدة العضوية القوية بين هذه اللغات (15)  الأمر الذي جعل من العسير على أي باحث أن يتجاهل الصلة الوثيقة بين الشعوب التي كانت تتكلم تلك اللغات، وجعل باحثا متخصصا في الدراسات السامية مثل ساباتينو موسكاتي يقول : “يبدو أن الشعوب السامية اللغة تؤلف كتلة واحدة، لا باجتماعها في صعيد جغرافي واحد والتحدث بلهجات لغة واحدة فحسب، ولكن باشتراكها في أصل حضاري تاريخي واحد أيضا.   ومن هنا يبدو أنه يجوز لنا ألا نقصر الصفة السامية على الميدان اللغوي، وأن نتحدث أيضا عن ” الساميين ” وعن الشعوب والحضارة السامية” (16).

يتبين مما تقدم أن علوم التاريخ القديم والآثار واللغة تتجه بوضوح نحو تأكيد وجود الوحدة الاتنية والوحدة الحضارية – التاريخية لشعوب الشرق القديم السامية قبل الفتح الإسلامي بآلاف السنين، بل منذ فجر التاريخ، وتأكيد أن هذه الشعوب التي فرضت العوامل الجغرافية تميز بعضها من بعض تاريخيا وسياسيا، إنما كانت “أجزاء لا يستقل بعضها عن بعض، فكان لكل حركة تنشأ في جزء منها آثار في الأجزاء الأخرى” (17)  وقد بات من الجلي الآن أن الساميين الذين وجدوا أصلا في هذه المنطقة الجغرافية من العالم (ونعني هنا شبه الجزيرة العربية والشام والعراق) قد شاركوا في كل الحركات التاريخية التي وقعت فيها، وأن الحضارات التي أنشؤوها كانت شديدة التواصل والتفاعل فيما بينها سواء أكانت سومرية أم آشورية أم بابلية أم آرامية

نحن لن نعالج الأسئلة المتصلة بالتاريخ القديم السابق للفتح فنعود إلى النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد حين استوطن الآراميون بلاد الشام ومنطقة ما بين النهرين. ولن نستعرض أيضا تواريخ الدول – المدن الآرامية العديدة التي نشأت في سوريا منذ أواخر الألف الأول قبل الميلاد.  ولكن لا بد لنا من الإشارة إلى الوضع الذي كانت تعيشه بلاد الشام ومنطقة ما بين النهرين منذ القرون الأولى بعد الميلاد. ففي هذه الفترة كان معظم سكان المنطقة المذكورة من الآراميين الذين كانوا يشكلون وحدة اتنية على الرغم من توزعهم  بين كيانين سياسيين هما الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية، وعلى الرغم من وجود أقليات من شعوب أخرى  تشاركهم الحياة في المنطقة ( ولاسيما في المدن ) كاليونانيين والفرس والرومان.  وقد كانت الثقافة –وهي مفهوم كان الدين يستوعبه تماما في ذلك العصر – العنصر الذي يوحد سكان بلاد الشام ويميزهم من الشعوب المجاورة الأخرى. فالمسيحية التي انتشرت انتشارا واسعا وعاصفا في القرون الأولى للميلاد شملت سورية القديمة كلها. وكانت اللغة الآرامية هي المستخدمة في الدعوة إلى الدين الجديد (من المحتمل أن تكون بعض الوثائق المسيحية قد كتبت أصلا باللغة الآرامية) وذلك لجعله مفهوما لفئات واسعة من السكان.   وقد أدت كتابة النصوص الدينية باللغة الآرامية إلى ارتفاع مكانتها وتثبيت قواعد الكتابة بها، وساعدت اللغة والكتابة، بدورهما، على وعي السكان لوحدتهم الأتنية، وعلى توطيدها.   هكذا تبلورت شخصية الشعب الذي أطلق عليه في الإمبراطورية الرومانية اسم ” السريان ” (18).

كانت سورية القديمة، إذن، أول بلد توطدت فيه المسيحية في الإمبراطورية الرومانية ولعل هذه الحقيقة كانت عاملا من العوامل التي جعلت لها ذلك الدور الكبير في تاريخ المسيحية المبكر. فمن المعروف أن انتشار المسيحية ترافق منذ بدايته والتطور المستمر للفكر العقائدي المسيحي. وقد تمثل هذا التطور في مرحلته المبكرة باختلاط التبشير الديني بالنظريات الفلسفية رابطا بذلك المسيحية بالإرث الحضاري الهيليني. ومن المعروف أيضا أن سورية القديمة كانت موطن مناقشات دينية حادة، وأن رجال الدين  المسيحي السوريين دافعوا باستمرار في تلك المرحلة عن الفكرة القائلة بوجود طبيعة بشرية حقيقية في السيد المسيح وعن الفكرة القائلة بحرية إرادة الإنسان الحاصل على حق السيطرة على الطبيعة، كذلك من المعروف أن النقاشات الدينية التي امتدت ما بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين بلورت اختلافا عميقا بين الفكر المسيحي الرسمي في مركزيه الرئيسيين القسطنطينية وروما والفكر المسيحي في الشرق في مركزيه الرئيسيين الإسكندرية وانطاكيه. غير أن فهم هذا الاختلاف من خلال الإطار الديني وحده، أمر يدل علة قصر نظر القائلين به، فالخلافات الدينية في العصور الوسطى  كانت الشكل المعبر في معظم الحالات عن الخلافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعرقية أيضا.   ذلك ما أدركه الأب الكسندر شميمان الذي جاء في كتابه ”الطريق التاريخي للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية” أنه “لا يجوز مطلقا أن نضخم الوحدة الحضارية والنفسية للإمبراطورية (يعني بقوله الإمبراطورية البيزنطية).   لقد حفظت لنا الوثائق الرسمية “وعي هذه الإمبراطورية لذاتها”.  ولكن إذا تركنا تلك الوثائق جانبا نحصل على صورة مغايرة تماما بجدر بنا أن نقول صراحة إنها صورة حزينة.  فتحت الغطاء الرقيق من الهيلينية وثقافتها التي ترسخت في المدن وفي أوساط “المثقفين”.  استمرت المشاعر القومية القديمة في الغليان واستمرت التقاليد القديمة في الحياة لقد كان يوحنا فم الذهب يضطر في ضواحي أنطاكية إلى لقاء مواعظه باللغة السريانية فلم تكن اليونانية مفهومة هناك.   أما الدراسات المعاصرة فتبين بوضوح متزايد أن جمهور السوريين وكذلك الأقباط كان ينظر إلى سلطة الإمبراطورية بوصفها نيرا كريها.   أضف إلى ذلك بدايات الكتابة المسيحية السريانية كانت قد بدأت تظهر في شرق الإمبراطورية وهي بدايات مرتبطة طبعا بالكتابات اليونانية ولكنها تشير إلى إمكانية التطور المستقل”.  (19)

إن المقطع الذي اقتطفناه من كتاب شميمان جزء من وصفه لحالة الإمبراطورية البيزنطية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، ومن الواضح أن الرجل يشير إلى عوامل قومية واجتماعية وفكرية كانت قد قطعت شوطا بعيدا في التهيئة لانفصال مصر وبلاد الشام ومنطقة ما بين النهرين عن الإمبراطورية المذكورة، وذلك قبل الفتح الإسلامي بثلاثة قرون تقريبا.   ولذا فهو يرى في الفتح الإسلامي لهذه البلاد استكمالا  لهذه العملية التي بدأت منذ زمن بعيد فالإسلام من وجهة نظره  “… رسم مرة والى الأبد، حدود الحضارة البيزنطية في الشرق: كل ما ليس يونانيا أو ما لم يكتسب الصبغة اليونانية إلى درجة كافية، خرج عمليا، منذ ذلك الحين، من الفلك البيزنطي وأصبح نقيضا له، نقيضا غريبا ومعاديا” (20).

 ومع أن الرجل يقوم بعد ذلك بمحاولات عديدة لإظهار انفصال الشرق عن الإمبراطورية البيزنطية وكأنه “تفضيل لمآزق اليعقوبية والنسطورية التاريخية والدينية على العبودية  للإمبراطورية البيزنطية”(21)، فإن حقيقة كبرى تظل بارزة للعيان وهي أن الإمبراطورية البيزنطية لم تكن نسيجا حضاريا واحدا، وان الحكم البيزنطي والكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية لم ينجحا في إضفاء صبغتهما على بلاد الشام وما بين النهرين ومصر طيلة الفترة الواقعة ما بين انتشار المسيحية والفتح الإسلامي. لقد بقي الحكم البيزنطي والكنيسة البيزنطية غريبين عن هذه المنطقة عرقيا وحضاريا ولغويا ودينيا أيضا.   غير أن الآراميين لم يكونوا الشعب الوحيد في بلاد الشام  ومنطقة ما بين النهرين في تلك الفترة التاريخية.   فمنذ القرون الأولى للميلاد راحت مجموعات من القبائل العربية تخرج خارج حدود شبه الجزيرة العربية مشكلة في جنوب سورية دولة الغساسنة،  وفي الجنوب الغربي لمنطقة ما بين النهرين مملكة المناذرة.   ولم تكن هاتان الدولتان بالإضافة إلى تلك القبائل التي استوطنت سورية القديمة وتنصرت (وهي قبائل كبيرة وقوية النفوذ ككندة وتنوخ وتغلب) حاجزا يحمي الدولتين البيزنطية والفارسية من غزوات البدو المقيمين في شبه الجزيرة فحسب، بل كانتا أيضا، في الوقت نفسه، جسرا يصل بين عرب شبه الجزيرة وبلاد الشام وما بين النهرين، جسرا عبرت إلى شبه الجزيرة عن طريقه اللغة الآرامية ومفاهيم دينية وتقاليد حضارية لا يمكن إهمالها عند التحدث عن تاريخ الحضارة العربية قبل الإسلام.   وقد شكلت هذه المفاهيم والتقاليد عنصر قرابة هاما بين عرب شبه الجزيرة وسكان المنطقة المذكورة بالإضافة إلى عنصري القرابة العرقية والقرابة اللغوية. ولعلنا نشير إلى مظهر جديد من مظاهر تأثر حياة عرب شبه الجزيرة بحضارة بلاد الشام وما بين النهرين، كالدين والعلاقات التجارية والنقدية وتقاليد الحكم، بقولنا أن كثيرا من الشعراء الجاهليين زار سورية وشواطئ الفرات أو ذكرهما في شعره في مناسبات مختلفة، وان الحكايات الشعبية التي تتحدث عن العرب في الجاهلية كثيرا ما جعلت أبطالها يزورون إيوان كسرى وبلاط ملك الروم.   لم يكن، إذن، وجود العرب في بلاد الشام وما بين النهرين وليد الفتح الإسلامي عندما انتقل المزيد من القبائل العربية إلى هذه المنطقة.  ونحن، وإن كنا نوافق على قول فيلشتينسكي وشيدفار أن” التأثير الحضاري للعرب البداة في سكان المناطق المجاورة لشبه الجزيرة كان ضئيلا جدا” ( 22)، لا نرى أن قلة تأثير العرب البداة حضاريا في الشعوب المجاورة يحدد عمق التفاعل الحضاري بينهم وبين تلك الشعوب.  فلهذا التفاعل وجهه الآخر المتمثل في تأثير عرب شبه الجزيرة بحضارة الشعوب المجاورة. 

 إن حقيقة استيطان قبائل من العرب البداة في بلاد الشام ومنطقة ما بين النهرين، وهي عملية استمرت على امتداد القرون الميلادية السابقة للفتح الإسلامي، واقترنت بتصاعد في العلاقات الاقتصادية والسياسية والدينية (الثقافية) بين عرب الجزيرة وشعوب تلك المنطقة، تشير بوضوح إلى أن التفاعل الحضاري بين العرب قبل الإسلام وسكان بلاد الشام وما بين النهرين كان أعمق بكثير مما تصوره الدراسات التاريخية حتى الآن.

 لقد كان لوجود العرب في بلاد الشام وما بين النهرين وتفاعلهم الحضاري مع سكان المنطقة (السريان) دورهما الكبير أبان الفتح الإسلامي وفي مرحلة الأسلمة والتعريب التي تلته.   ومن دون الإقرار بذلك لا يمكن تقديم تفسيرات معقولة لمجرى عمليات الفتح والأسلمة والتعريب.  إن الحديث في أسباب الفتح العربي الإسلامي ليس جديدا.   ويكاد الباحثون في هذه الأسباب ينقسمون إلى ثلاث مجموعات يحدد كلا منها السبب الذي ترجحه فتضعه في مقدمة الأسباب الحاسمة في حركة الفتح. 

 أما المجموعة الأولى فتؤكد أن الحماسة الدينية (ما يسميه بعض المستشرقين تعصبا بالتعصب الديني) هي التي دفعت عرب الجزيرة إلى شن حروب الفتح إلى البلدان غير الإسلامية بقصد دعوة شعوبها إلى الإسلام. 

وأما المجموعة الثانية فترى أن مشكلة الطعام هي الدافع إلى حروب الفتح.  ويخمن أصحاب هذا الرأي أن يكون الجفاف قد سيطر على الجزيرة العربية فحرم أهلها وفرة الغذاء وحرم ماشيتها وفرة العلف فخرجوا منها باحثين عن لقمة العيش في البلدان الخصيبة.   

أما المجموعة الثالثة فتأخذ بالرأي القائل أن مشكلة الطعام والجفاف هي عامل واقعي من عوامل الفتح، لكنها تقول بوجود عامل تاريخي جعل عوامل الفتح أكثر حسما وتأثيرا، هو ”عامل التطور التجاري داخل الجزيرة ونشوء فئة من كبار التجار العرب كانت تنمو نموا تسارعا بين القرنين السادس والسابع الميلاديين، وهي تحمل في عوامل تكونها الاجتماعي تباشير ولادة مجتمع العلاقات الاجتماعية التجارية” (23).

من الواضح أننا سنكون عاجزين، سواء أخذنا بأي من هذه الآراء، أو بها مجتمعه، عن إيجاد ما يسوغ توجه العرب المسلمين في آن واحد لمحاربة الجيوش النظامية الضخمة لأكبر دولتين متحضرتين في القرن السابع الميلادي، ونعني بذلك الإمبراطوريتين الفارسة والبيزنطية المتفوقتين من حيث مستوى تطورهما الحضاري على “الفاتحين الخارجين من جزيرتهم للمرة الأولى” (كذا…)، فأبسط  قواعد الإستراتيجية العسكرية كانت تحتم على الفاتحين المسلمين، الأقل عددا وعدة وتدريبا على خوض المعارك الحربية الكبرى، أن يوحدوا قبضتهم العسكرية ويوجهوها إلى هدف واحد بدلا من توزيعها على جبهتين تتفوق القوات المعادية في كل منهما عليهم.   إن توجه العرب المسلمين لمحاربة الدولتين الكبيرتين في آن واحد يبدو وكأنه موقف ينافي أبسط قواعد المنطق العسكري، بل العادي البسيط، موقف لا تتضح صحته من خلال الحديث عن حماسة المسلمين لنشر الدين أو عن حاجة العرب الفاتحين إلى الطعام والمراعي الخصيبة أو مطامحهم التجارية الواسعة، ولكن، إذا وضعنا في الاعتبار الوحدة العرقية واللغوية والدينية والحضارية بعامه، التي كانت تربط سكان بلاد الشام وما بين النهرين، على الرغم من توزعهم تحت السيطرة الفارسية والبيزنطية، ودور تميز هؤلاء السكان العرقي واللغوي والديني في إنضاج شروط انسلاخهم عن الحضارتين الفارسية والبيزنطية وإمكانية تطورهم المستقل، نعني بذلك تلك الإمكانية التي أشار شميمان إلى بدء بروزها  في القرن الرابع الميلادي، هذا من جهة، ووضعنا في الاعتبار، من جهة أخرى، وجود القبائل والممالك العربية في بلاد الشام وما بين النهرين منذ القرون الأولى للميلاد، وعناصر القرابة العرقية واللغوية بين العرب وشعب المنطقة، وكذلك عناصر القرابة الدينية والحضارية التي خلقها التفاعل الذي أحدثه هذا الوجود إذا أخذنا ذلك كله بعين الاعتبار، يتضح لنا المنطق الكامن وراء توجه العرب المسلمين لفتح منطقة بلاد الشام وما بين النهرين في آن واحد، وتخليصها من سلطان الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، ويصبح لحدوث معركة القادسية      (المعركة الفاصلة ضد الإمبراطورية الفارسية) في موقع وجود المناذرة، ومعركة اليرموك (المعركة الفاصلة ضد البيزنطيين) في موقع ووجود الغساسنة، معنى أكبر من مجرد المصادفة التاريخية أو الجغرافية.  كما أن مبدأ عمر بن الخطاب القائل “أن العرب هم جيش الإسلام” الذي سمح بمقتضاه للعرب من سكان البلدان المفتوحة أن ينتظموا في سلك الجيوش العربية المسلمة الفاتحة سواء ادخلوا في الإسلام أم بقوا على نصرانيتهم، وانضمام رجال القبائل العربية التي كانت تعيش في العراق وسورية منذ زمن بعيد قبل الفتح العربي، إلى جيوش الفتح، يكتسبان معنى أعمق من مجرد العصبية القبلية أو الرغبة في المساواة التامة بين أولئك العرب وبين الفاتحين المنتصرين.  فمن الواضح، من خلال الصورة التي رسمناها للمنطقة التي شملتها الموجة الأولى للفتح الإسلامي، أن العرب كانوا، كباقي سكان سورية وما بين النهرين، معارضين للسلطتين البيزنطية والفارسية وغريبين عنهما وكارهين لهما.   إن شعار “العرب هم جيش الإسلام” كان يعني إشراك فئة من سكان البلاد في محاربة سلطتي الإمبراطوريتين أكثر مما كان يعني منح الامتيازات للعنصر العربي في الدولة الإسلامية.   

وليس من الصعب على متتبع تاريخ المنطقة في هذه المرحلة أن يكتشف وجود امتيازات (إذا صحت تسمية هذه الإجراءات بالامتيازات) كثيرة منحت لغير العرب (السريان) من سكانها، إذ جعل الحكم الإسلامي أجهزة المحاكم والشرطة في أيدي أولئك السكان، وفرض الضرائب العالية على البضائع المنافسة للمنتجات السورية على اختلاف أديانهم من الضرائب كافة.   وإذا جاز لنا أن نفسر الإبقاء على أجهزة الإدارة في أيدي السوريين بعجز الفاتحين وعدم درايتهم بمثل هذه الأمور، فان هذا “الجهل” لا يمكن أن يكون أيضا سبب التسامح الديني الذي أظهره الفاتحون، أو سبب تخفيف الضرائب عن الأقباط والسريان في مصر وسورية وجعل دخولهم الإسلام أمر اختياريا دون  ضغط.   أضف إلى ذلك أن جهل الفاتحين لا يفسر مطلقا التطور الصناعي والزراعي السريع الذي شهدته بلاد الشام منذ سنوات الفتح الأولى.   نحن لا نود من خلال قولنا السابق أن نزعم أن إرادة الفاتحين الذاتية ووعيهم الذاتي هما سبب التغيرات النوعية التي طرأت على المنطقة.   فمع كل احترامنا لدور الإرادة والوعي في صنع التاريخ نؤكد أن التغيرات النوعية في الحياة الاجتماعية لا تحدث إلا إذا كانت تحقيقا لضرورة تاريخية.   والشروط الموضوعية للضرورة التاريخية التي نتحدث عنها كانت قد بدأت تكاملها في بلاد الشام وما بين النهرين ومصر قبل الفتح الإسلامي بزمن طويل.   وكان لاكتمالها دور حاسم في نجاح الفتح الإسلامي السريع في تحطيم أجهزة السلطة البيزنطية والفارسية التي غدت عائقا في وجه التطور الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، وكان الفاتحون المسلمون القوة التي أحدثت التغييرات الضرورية في البنية الاجتماعية لتتلاءم وضرورات التطور اللاحق.   فبعد مرور اقل من ربع قرن على انتهاء عمليات الفتح برزت تركيبة اجتماعية جديدة مركزها السياسي والإداري في دمشق هي الدولة الأموية التي لم تكن استمرارا للدولة الراشدية في المدينة، كما إنها لم تكن أيضا استمرار للدولة البيزنطية في سورية أو الفارسية في منطقة ما بين النهرين.   تشهد على ما نقول الإحداث التاريخية (جهود الأمويين لإخضاع شبه الجزيرة والعراق وفتح إيران واسيا الوسطى وحربهم المتواصلة ضد البيزنطيين) وموقف القبائل العربية (القيسية) والفرق الإسلامية المختلفة (السنة والشيعة والخوارج) من هذه الدولة.   لقد كانت الدولة الأموية انعطافا تاريخيا نوعيا في حياة سكان المنطقة بأسرها، حقق نشوء وحدة سياسية جديدة وسلطة مركزية قوية، وأنشأ علاقات اقتصادية واجتماعية كانت ضرورية من أجل التطور اللاحق.   لم تكن الدولة الأموية، إذن، من صنع العرب الفاتحين القادمين من شبه الجزيرة إلى بلاد الشام فحسب، بل هي دولة قامت أساسا بجهود سكان بلاد الشام على اختلاف أصولهم ودياناتهم.   أما الوجه العربي لهذه الدولة فلا يعود إلى اعتماد الحكام الأمويين العصبية القبلية الجاهلية أو إلى عزلة العرب الفاتحين وتعاليهم على سكان البلاد، بل يعود إلى عظم الدور الذي كان لعرب بلاد الشام في إقامتها وحمايتها والى عمق التفاعل الحضاري بين هؤلاء العرب وبين سكان البلاد الأصليين ( السريان ) والى القرابة العرقية واللغوية والدينية (الثقافية) التي تربط بينهم.   إن معظم الدراسات الاستشراقية التي تناولت هذه المرحلة تتجاهل عناصر القرابة بين العرب الفاتحين وبين سكان سورية وما بين النهرين، كما تتجاهل عناصر الغربة والصراع بين هؤلاء السكان وحكامهم البيزنطيين الفرس، ولكننا نجد أحيانا عبارات تشير إلى تلك القرابة إشارات غير مباشرة، فغرونيباوم يرى أن الحوار بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين “لم يبدأ إلا بعد الفتح بخمسين أو ستين سنة”، وهو يشرح ذلك في الحاشية بقوله : “أن المسيحيين ظللوا وقتا طويلا بعد الفتح لا يدركون أن سادتهم الجدد يعتنقون دينا مختلفا عن دينهم” ( 24).  أما شيدفار وفيلشتينسكي فيذكران في جملة معترضة بين قوسين أن “المسيحيين عدوا الإسلام في بداية عهده بدعة مسيحية جديدة” (25).

 ثمة في هذا الطرح ما يوحي بأن سكان بلاد الشام والعراق لم يعدوا الفاتحين المسلمين غرباء عنهم.   ولكننا نجد فيه، في الوقت نفسه، ما يوحي بأن شعور هؤلاء السكان بالقرابة بينهم وبين الفاتحين المسلمين كان نتيجة عدم إدراكهم للفوارق بين المسيحية والإسلام.   والسبب في مثل هذا التفسير الخاطئ لمصدر ذلك الشعور يعود إلى إهمال الباحثين لخصائص الفكر المسيحي في سورية القديمة

فالمسيحيون الذين يدور الحديث بشأنهم هم المسيحيون السوريون الذين كانوا على خلاف عقائدي عميق وقديم وحاد مع الكنيسة البيزنطية الرسمية وكانوا على قطيعة تامة تقريبا مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ( يجدر بنا هنا أن نشير إلى أن علاقة الكنيستين البيزنطية والرومانية بالمسيحيين في مصر كانت كعلاقتهما بالمسيحيين السوريين). ولا شك أن الإسلام قدم للمسيحيين السوريين (النساطرة واليعاقبة)، ولاسيما للعامة منهم غير المتعمقة في الفكر اللاهوتي المسيحي حلولا مرضية بشأن وحدانية الرب والطبيعة البشرية للسيد المسيح، وان تسامح الفاتحين المسلمين الديني وديمقراطية التعاليم الإسلامية الخالية من التمييز العرقي أو الطبقي شكلا في نظر هؤلاء نقيضا ايجابيا للاضطهاد الديني والتمييز العرقي اللذين مارستهما السلطة البيزنطية والكنيسة البيزنطية.   فإذا أضفنا إلى ذلك كله القرابة العرقية بين الفاتحين العرب المسلمين وسكان البلاد الأصليين (السريان)، والقرابة بين لغة الدين الجديد (العربية) ولغتهم (اللغة الآرامية)، ندرك بأن شعور القرابة لم يكن نتيجة التباس زال فيما بعد، بل كان شعوراً صادقاً أملته هذه الخصائص التي شكلت بمجموعها عاملاً أساسياً من عوامل سرعة انتشار الإسلام في هذه المنطقة وتعريبها. 

من كل ما تقدم يتضح لنا الفارق الكبير بين غزو القبائل الجرمانية للإمبراطورية الرومانية في أوروبا وبين الفتح الإسلامي، ذلك الفارق الذي لا يتجلى في عدم رغبة العرب الفاتحين في تغيير لغتهم ودينهم فحسب، بل يتجلى أيضاً في رغبة سكان البلدان المفتوحة للإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، وفي استعدادهم لتقبل اللغة العربية والدين الإسلامي، وما ذلك إلا لأن وجه الحضارة في سوريا ومنطقة ما بين النهرين ومصر لم يكن بيزنطياً أو فارسياً بل كان وجهاً أقرب إلى عرب شبه الجزيرة منه إلى بيزنطة وفارس.

 

 

هوامش

1- غرونيباوم، غ.  أي

“ السمات الأساسية للحضارة العربية الإسلامية”، مجموعة مقالات مترجمة إلى اللغة الروسية، موسكو-1981،ص.ص32-33.

2- مروة،حسين “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”، الجزء الأول، بيروت-1978، ص:34.

3- انظر غرونيباوم، غ.أي-”السمات الأساسية للحضارة العربية الإسلامية”،ص:34

4 و5 و6- أمين، أحمد-”فجر الاسلام”،الطبعة التاسعة-القاهرة،ص:95.

7- مروة،حسين “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”، الجزء الأول،ص:439.

8- المصدر السابق نفسه، ص.ص70-74

9- المصدر السابق نفسه، ص:471

10- المصدر السابق نفسه، ص:475

11- المصدر السابق نفسه، ص:473

12- المصدر السابق نفسه، ص:473

13- المصدر السابق نفسه، ص:473

14-انظر موسكاتي، سبتينو-”الحضارات السامية القديمة”،تر : السيد يعقوب بكر، دار الرقي، بيروت – ص43.

15- انظر حسين طه –”في الشعر الجاهلي”، تقديم د.عبد المنعم تليمة،ط 3، دار النهر – 1996، الصفحات :28-33.

16- موسكاتي، سبتينو -”الحضارات السامية القديمة”، ص:49.

17- انظر المصدر السابق نفسه، ص: 35

18- انظر كتاب بيغوليفسكايا، ن.ف-”حضارة السوريين في العصور الوسطى” الطبعة باللغة الروسية، موسكو- 1979، ص:8

19- شميمان،الكسندر –”الطريق التاريخي للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية”الطبعة باللغة الروسية، نيويورك – 1954، ص:182-183.

20- المصدر نفسه، ص:215.

21- المصدر نفسه، ص:217.

22- فيلشتينسكي، أي.م.وشيدفار، ب.يا-”مقالات في الحضارة العربية الاسلامية”،الطبغة باللغة الروسية، دار “ناووكا”،موسكو-1971، ص:6

23- مروة،حسين “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”، الجزء الأول،ص:412.

24- غرونيباوم، غ.أي-”السمات الأساسية للحضارة العربية الإسلامية”،ص:45.

25- فيلشتينسكي، أي.م.وشيدفار، ب.يا-”مقالات في الحضارة العربية الاسلامية”، ص:129.

 

المسيحيون في الشرق قبل الإسلام

الدكتور إدمون ربّاط*

 

يتّصف المسيحيون الشرقيون بظاهرة خاصّة بهم، لا يبدو أنّ لها مثيلاً في سائر البلاد التي تعمّها المسيحية، وهي في توزيعهم إلى طوائف مختلفة، قائمة بذاتها، تستند كل منها إلى تاريخ سحيق، فتتمتّع بهيكلية كهنوتية، وتشريعات كنسية، ومحاكم مذهبية أو روحية، خاصّة بها. وهي منقسمة في الوقت الحاضر إلى فئتين؛ فئة الطوائف الشرقية، المستقلّة عن كل سلطة دينية خارجة عنها، وفئة الطوائف الموصوفة بالغربية، أي الكاثوليكية، من جرّاء خضوعها إلى الكنيسة الرومانية وانتمائها إلى عقيدتها وتعاليمها – مع ملاحظة أنّ هذه الطوائف الكاثوليكية كانت وليدة انشقاق قد أصاب طائفتها الأصلية، وهي الطائفة الشرقية الأم، باستثناء الطائفة المارونية، التي استطاعت المحافظة على وحدتها الكنسية والاجتماعية، في إطار الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، بفضل انحسارها في إقليم جغرافي واحد في شمال جبال لبنان.

 

ومن المعلوم أنّ هذه الطوائف هي من رواسب الماضي البعيد، العائد إلى ما قبل الإسلام، وأنّها نشأت وتكوّنت قبل الإسلام والفتح العربي، عندما كانت المسيحية تعمّ العالم القديم بأسره، أي أوروبا الوسطى والغربية، والإمبراطورية البيزنطية، ما عدا المملكة الفارسية، التي كانت المسيحية قد تغلغلت فيها من جوانبها الغربية، في العراق والقسم الشرقي الأكبر من بلاد بين النهرين، أي الجزيرة في لغة العرب.

 

فالمسيحية قد احتلّت، بعد سنوات قليلة من صدور مرسوم الإمبراطور قسطنطين الكبير، عام 313، مرتبة دين الدولة الرسمي في الإمبراطورية الرومانية، وعندما تحوّلت هذه الإمبراطورية، تدريجياً إلى إمبراطورية إغريقية بلغتها وثقافتها، فغدت معروفة – فعلاً لا رسمياً، إذ أنّها احتفظت بتسميتها الرومانية الرسمية، وهي التسمية التي تحرّفت إلى تسمية “الروم” في اللغات الشرقية – باتت معروفة بالإمبراطورية البيزنطية.

وإليها كانت تمتّ بلاد الشام، أي سوريا وفلسطين ومصر، وإفريقيا الشمالية وأسبانيا الفزيغوتية، القائمة على سواحل البحر المتوسط، ومن بداهة القول إنّ شعوب هذه الأقطار كانت جميعها تدين بالمسيحية الرسمية، على مذهب الدولة، وكانت منتظمة في أربع بطريركيات كبرى، هي بطريركية إنطاكية – وهي الأقدم عهداً- وبطريركية القسطنطينية، و بطريركية الإسكندرية، و بطريركية أورشليم القدس.

 

أمّا الجزيرة العربية فقد كانت راسخة في الوثنية، على الرغم من انسلال بعض الأفكار والتقاليد المسيحية إلى الحجاز، وبخاصّة إلى مكّة، هذه التيّارات الروحية، التي وصفها العرب منذئذ بالنصرانية، إلماحاً إلى مدينة الناصرة التي ينتمي إليها يسوع الناصري، وهي التسمية الواردة وحدها، كما هو معروف، بالقرآن الكريم.

على أنّه إذا كانت النصرانية قد تعرقل سيرها في المناطق الحضرية، فإنّ تعاليمها وطقوسها قد تمكّنت من الانتشار في عدد من القبائل العربية، وذلك عبر بادية الشام والعراق، فكانت آثارها خصبة، لأنّها كانت بمثابة الخميرة التي أعدّت العرب في الجزيرة إلى تقبّل الإسلام.

ففي هذا البحر الزاخر من المسيحية ظهرت الطوائف المسيحية، التي ما زالت حيّة، ولو بأحجام أقل رقعة، إلى يومنا هذا.

وأمام هذا الواقع الديني الشامل، ينتصب السؤال عن الأسباب التي حوّلت المسيحيين في سوريا وفلسطين والعراق ومصر إلى طوائف مختلفة بينما بقيت سائر شعوب الإمبراطورية البيزنطية، في القسطنطينية والأناضول وإفريقيا الشمالية وأوروبا، متمسّكة بوحدتها – هذه الوحدة التي ستنفصم هي أيضاً، في القرن الحادي عشر بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية، وللمرّة الثانية، في القرن السادس عشر، بين الكثلكثة والبروتستنتية.

أوّل ما يتبادر إلى الذاكرة للجواب عن هذا السؤال هو القول بأن الأسباب – وليست العوامل، بمفهومها السوسيولوجي – إنّما كمنت في المجادلات الصاخبة التي عمّت العاصمة وبلاد الشام ووادي النيل في القرنين الرابع والخامس، حول شخصية السيد المسيح وطبيعته، وهو جواب يبدو، في أوّل وهلة، وافياً بالمرام، ولكنّه سرعان ما تظهر فيه بعض علامات الاستفهام، إذا ما حاولنا التعمّق في العوامل العرقية والقومية أيضاً، التي لعبت دوراً فعّالاً في نشوب هذه الانقسامات التي أدّت في النهاية، إلى بروز الكيانات الطائفية.

وسنحاول قدر المستطاع إلقاء بعض الأضواء المستقاة من التاريخ على هذه الجوانب الخاصة بالمسيحيين الذين باتوا، في اللغات الغربية موصوفين “بمسيحيي الشرق” وذلك بالطبع بشكل مقتضب جداً، باعتبار أنّ الغاية من البحث الحاضر ترمي إلى تلمّس الجذور الإثنية التي تجعل من هؤلاء المسيحيين عرباً، يتكلّمون العربية ويساهمون بالشعور العربي، أسوة بمواطنيهم المسلمين في الأقطار العربية التي ما زالت تقوم فيها جماعات مسيحية.

 

أولاً: الانقسامات اللاهوتية:

منذ زمن بعيد تميّزت شعوب الشرق، ومنها أيضاً الروم في القسطنطينية بشغفها الزائد للمساجلات اللاهوتية، وقد كانت الفرصة سانحة ابتداءً من القرن الرابع، عندما بدأ آباء الكنيسة والفلاسفة بالتمعّن في شخصية السيد المسيح، وذلك بعد أن رفعته رسائل القدس بولس إلى مرتبة ابن الله، الذي أوفده الأب بفعل الروح القدس، بشكل إنسان، مخلصاً للبشر من الخطيئة.

وهذه الخصلة قصّها غريغوريوس النيسي، أي من مدينة نيسا في آسيا الصغرى، وقد رفعته الكنيسة بعد وفاته إلى مرتبة آباء الكنيسة، بشكل من الطرافة، لا تخلو من الانزعاج ممّا شاهده في العاصمة ذاتها من هذا القبيل، بقوله ما نصّه:

“إذا سألت أحدهم كم هو ثمن هذه السلعة فيجيبك بالمناقشة حول المولود وغير المولود، وإذا سألته عن ثمن الخبز أجابك “إنّ الأب أعلى والابن إنّما يأتي بالدرجة الثانية، وإذا ما سألته عمّا إذا كان الحمام معداً، أجابك أنّ الابن إنما هو مخلوق من العدم”.

 

وكم كانت منتشرة الأفكار الجديدة حول طبيعة المسيح، هذه الأفكار التي أدّت بالنتيجة إلى الانقسامات، التي اتسم بها تاريخ المسيحية في الشرق.

ومن هذه “الهرتقات”، كما تصفها الكنيسة الرسمية برزت ثلاث نظريات رئيسية، في غمرة من الهرتقات العديدة، وقد لعبت دوراً حاسماً في الانشقاقات المسيحية، وهي الآرية، والنسطورية، والمنوفسية، مع ما كان لهذه الأخيرة من صيغة فرعية تجلّت بالمنوثلية، التي أراد صانعوها بابتكارها إيجاد حل وسط لتقريب المنوفسية من مذهب الكنيسة الرسمية.

 

* الآرية:

وهي البدعة التي ابتكرها الكاهن آريوس، في الإسكندرية، وكان من أصل ليبي، وذلك في القرن الربع، وكان قد أعلن وحدانية الله، وأن المسيح لم يكن سوى كلمة الله المخلوقة، فأوفده الله إلى البشر رسولاً ونبياً.

إلا أن هذه الفكرة، التي كان من شأنها تقويض الإيمان الأساسي بالثالوث المقدس، الذي اعتنقته وعلّمته الكنيسة، دانها المجمع المسكوني، الذي انعقد مدينة نيسيا، في شمالي غربي آسيا الصغرى، عام 325، برئاسة الإمبراطور قسطنطين شخصياً، فكان من نتيجة هذا المجمع إزالة هذه العقيدة من الشرق، إزالة تامّة، وبخاصة تحديد الإيمان بالثالوث الأقدس تحديداً قاطعاً نهائياً.

ومنذ ذلك الحين تحوّلت الآرية إلى القبائل الجرمانية في أوروبا، إلى أن توصّلت الكنيسة الرومانية إلى القضاء عليها قضاءً مبرماً – لكي تظفر في النهاية في القرآن والإسلام.

 

* النسطورية:

أمّا النسطورية فهي العقيدة التي تحمل اسم صاحبها، نسطور السوري الأصل الذي شغل مدّة سنوات، كرسي بطريريكية القسطنطينية، وأخذ يعلن وذلك بتأثير من الآرية على ما يبدو، أن المسيح، إذا ما كانت في شخصه قد اتحدت الطبيعتان، الإلهية والبشرية، فهذا الاتحاد لا يعني أنّ عذاب الصليب قد نال من الطبيعة الإلهية، بل إنّ هذا العذاب قد اقتصر على الطبيعة البشرية وحسب، وهي عقيدة كان من شأنها أن تجعل من الإيمان بأن الله قد بعث بابنه لتخليص البشر، إيماناً بدون أساس، طالما أنّ عذاب الصليب لم يشمل شخص المسيح بطيعتيه المتحدتين، الأمر الذي يجعل عندئذ السيدة مريم أم المسيح الإنسان، وليس أم الله، كما يأتي اسمها بصلاة مريم.

وأثر الاحتجاجات المدوية التي قامت من كل جانب على البطريركنسطريوس، ولا سيما من شعب القسطنطينية، الذي كان جدّ متعلّقاً بالقديسة مريم أم الله، قضى المجمع المسكوني الثالث، المنعقد في أفسوس، عام 431،  بالهرتقة على هذا المذهب، وبخلع نسطوريوس عن كرسيّه وإرساله منفياً إلى شمال الجزيرة العربية – لجهة البتراء التي كانت واقعة تحت سيادة الإمبراطورية البيزنطية – حيث توفّي منسيّاً.

 

إلا أنّ أتباعه الكثر قد اضطرّوا من جهتهم إلى الهجرة فلجأوا إلى بلاد فارس، ولا سيما في بلاد بين النهرين، في نصّيبين والرّها، حيث ازدهرت الكنيسة النسطورية ازدهاراً عجيباً، لدرجة أنّها تمكّنت، خلال العصر الوسيط، من إرسال البعثات التبشيرية إلى أقطار آسيا الوسطى، وإلى مملكة التتر أو المنغول، وحتى إلى الصين، حيث تألفت على أساس مذهبها جاليات عديدة وضخمة.

 

* المنوفسية:

ولكن المذهب الذي لعب دوراً حاسماً في الانشقاقات الكنيسية، إنما كان عقيدة الطبيعة الإلهية الواحدة، الموصوفة بالمنوفسية.

وأوّل من بشّر بها كان ناسكاً ورعاً في القسطنطينية، اسمه أتويشيوش، وذلك في أوائل القرن الخامس، ولكن مؤسس هذه العقيدة إنما كان في النهاية ساويروس الكبير، بطريرك إنطاكية في القرن السادس.

وهذه العقيدة كانت تقول بالطبيعة الإلهية الواحدة بالمسيح دون الطبيعة البشرية، التي زالت من الوجود بفعل تجسّد ابن الله في هيئة إنسان.

وقد انتشرت هذه العقيدة على الأخص في سوريا، ومصر، وحتى أنّ أرمينيا ذاتها قد اعتنقتها، ولكن بإضفاء تفسير خاص عليها.

وكان لا بدّ للكنيسة الرسمية من أن تثير حيال هذه العقيدة ردّة فعل قاسية، فتجلّت ردّتها بادئ ذي بدء، في المجمع المسكوني الذي انعقد في مدينة خلقيدونية، في شمال آسيا الصغرى، بقرب العاصمة، عام 451، حيث صدر القرار بدينها وتحريمها، وإعلان عقيدة الكنيسة الرسمية، أي الكاثوليكية – الأرثوذكسية، المبنية على الإيمان باتحاد الطبيعتين، الإلهية والبشرية، في شخص المسيح، اتحاداً غير قابل للانفصام.

 

الكنائس المنوفسية:

لقد كان مجمع خلقيدونية فاتحة الانشقاق العميق بين الكنيسة الرسمية والكنيسة السريانية في سوريا، والكنيسة القبطية في مصر، كما كان هذا المجمع منطلقاً حافلاً بالاضطهادات من جانب الدولة البيزنطية وكنيستها الرسمية، كما أنّه قد أثار في سوريا ومصر موجة من السخط ضدّهما.

المؤرّخون، على اختلاف نزعاتهم، من شرقيين وغربيين، ومن كاثوليك وسريان، وصفوا الأشكال الفظيعة التي اتخذنها هذه الاضطهادات من مذابح جماعية، وتقتيل فردي بالسيف والنار، ومن تشريد خارج المدن والأديرة، إلى ما هنالك من أنواع التعذيب التي تقشعرّ لها الأبدان، وكل ذلك باسم يسوع الناصري، رسول المحبّة والرأفة، وهي حالة حدت كاتباً سورياً كبيراً، أميانوس مارسلانوس، على القول:

“لم يرَ التاريخ بهائم متوحشة أشد افتراساً وقساوة من المسيحيين، بعضهم لبعض”.

 

وكان من أثر هذه الأعمال أن تأسست في بلاد الشام الكنيسة السريانية، وفي وادي النيل الكنيسة القبطية، وهو عمل جبار يعود الفضل بالمبادرة به وإنجازه، إلى كاهن سرياني، يعقوب البراذعي، أي في السريانية ذو الثياب الرثة والممزقة، التي كان يرتديها، للتخفّي عن أعين الشرطة البيزنطية، التي كانت تلاحقه في كل مكان.

ولا غرو أنه كان من أثر هذه الاضطهادات، ليس فقط إنشاء كنيسة وطنية في سوريا، وهي الكنيسة السريانية، وكنيسة وطنية في مصر، هي الكنيسة القبطية، وذلك بجانب الكنيسة الرومية، الرسمية، بل وعلى الأخص انبثاق شعور عميق من العداء والكراهية للسلطة البيزنطية، هذا الشعور الذي سيمهّد الدروب للفتح العربي في القرن السابع.

 

وأمام هذه الانتفاضات التي ظهرت في الشام ومصر قبيل الإسلام، تساءل المؤرّخون الغربيون، أمثال الروسي فاسيليف، والروماني نقولا يورغا، والفرنسي شارل ديل والفرنسي أرنست رينان، والإنجليزي ألفرد بتلر، والنمساوي أرنست شتاين، وعدد كبير من سواهم، عمّا إذا كانت هذه الحالة النفسية التي هيمنت على أهل الشام ومصر إزاء الحكم البيزنطي، بل هذه الانشقاقات التي قضت على وحدة الكنيسة الشرقية في القرنين الخامس والسادس، عمّا إذا كانت وليدة الاختلافات في العقيدة حول شخصية المسيح فحسب، أم أنّ ثمّة عوامل أخرى قد ساهمت في انطلاقها، وهو الوجه من تاريخ المسيحيين في الشرق، الذي وجد فيه المؤرّخون الغربيون الذين ذكرنا، أنّ لتلك الانتفاضات أسباباً قومية، كانت سوريّة في سوريا، وقبطية في مصر، وإنّها ارتدت وقتئذ شكل الحركات الدينية، لأنّ الدين إنما كان الرداء الذي كانت تتجلّى به في ذلك العهد، كما سيجري بعدئذ في الإسلام، الحركات السياسية والاجتماعية.

 

وهي نظرة إلى حقيقة تلك الحركات، يقتضي توضيحها بالعودة إلى الجذور العرقية التي تمتّ إليها شعوب هذه المنطقة، الموصوفة اليوم بالشرق الأوسط .

 

ثانياً: الأصول السامية

ممّا لا شكّ فيه أنّ معظم الشعوب القاطنة في الوقت الحاضر الأقطار التي يتألف منها الهلال الخصيب، وهو التعبير الذي أوجده، في أوائل هذا القرن، المؤرّخ الأثري الأميركي، جيمس بريستد، بوصفه الأقطار المحيطة بالجزيرة العربية بالهلال الخصيب، إنّما هي محض سامية في أصولها.

والساميون الذين ورد ذكر جدّهم الأعلى، سام بن نوح، في التوراة، إنّما يؤلفون مجموعة واسعة من الأقوام التي تربطها صلة النسب من جهة، وعلاقة التربة من جهة أخرى، وهذه الأقوام، التي ظهرت منذ فجر التاريخ بشكل قبائل وعشائر، هي التي استوطنت بلاد الشام والعراق – ولربما أيضاً، وعلى حد قول بعض العلماء، مصر ونوبيا والحبشة.

والإشكال الذي أثار الاهتمام منذ أوائل القرن الماضي كان في التحرّي عن المحيط، الذي كانت تنطلق منه الأقوام السامية.

للجواب عن هذا السؤال، توصّل الألماني أدولف شبرنغر في أواسط القرن التاسع عشر، إثر دراسات وتحرّيات معمّقة، إلى القول الجازم “إنّ الساميين جميعهم عرب”، لأنّهم قد نبتوا من الجزيرة العربية، فتبعه بهذا الرأي، استناداً إلى أدلة جديدة، عالمان ألمانيان أخوان، شرادر وفنكلر، ولهذا الأخير عبارة معروفة، وهي “أنّ منبت الساميين الأصلي إنّما هو الجزيرة العربية”.

 

وهذا الرأي قد تحوّل إلى نظرية علمية بفضل العلامة الإيطالي ليوني كايتاني، صاحب “حوليات الإسلام” الضخمة. ففي هذا المؤلّف، وبخاصّة في مؤلَّف آخر بعنوان “دراسات في التاريخ الشرقي”، قد توصّل إلى الدلالة على أنّ القبائل كانت تنفر، تباعاً، خلال الأزمنة الغابرة ومنذ أكثر من خمسة آلاف سنة قبل المسيح، من الجزيرة العربية منذ زمن بعيد جداً بسبب تحوّلها إلى صحاري رملية وبوادٍ عارية من النبات، وتزايد الأعداد البشرية في القبائل، تزايداً مستمراً، الأمر الذي كان يدفعها إلى اجتياز الجزيرة، لكي تنصبّ على الأقطار المجاورة، فتغمرها كمياه الأنهار الصاخبة، وتحتل أراضيها، وتشيد فيها الممالك والإمبراطوريات، التي كانت جميعها سامية في أصولها العرقية، باستثناء قبائل سومر التي ما زال العلماء مختلفين حول تعيين أوطانها الأصلية.

وهكذا كاد اليوم الإجماع أن يتمّ بينهم على أنّ الساميين قد وردوا، تباعاً، خلال الأزمنة الغابرة، من الجزيرة العربية، وإن كانت آراؤهم برحت متضاربة حول الأسباب التي كانت تدفعهم، دورياً، إلى اجتياز شواطئ الجزيرة والفيض على أقطار الهلال الخصيب.

وهذه النتيجة لتحرّيات وأبحاث طويلة، فقد لخّصها المؤرخ الفرنسي ألكساندر موريه بخمس من الأمواج السامية الآتية جميعها من الجزيرة العربية، على الوجه التالي:

·                       بلاد عقاد أو أكاد، في جنوبي العراق، وهي متاخمة لحدود الجزيرة العربية في الألف الرابع قبل المسيح.

·                       الكنعانيون، وهم فئتان؛ فئة كنعانيي سواحل بلاد الشام، الذين أسماهم الإغريق بالفينيقيين، مع العلم أنّ مدنهم الدولية (بفتح الدال) بمعنى الدولة – المدينية، كانت تتسمّى بالكنعانيين.

وفئة كنعانيي الداخل، الذين امتدّ انتشارهم إلى فلسطين وبعض أقسام من سوريا الوسطى، وذلك حوالي عام 2900، أي في أواخر الألف الثالث.

·                       الآراميون في سوريا من شمالها حتى دمشق، والعبريون في فلسطين، قريب عام 1500، أي في أواسط الألف الثاني.

·                       الأنباط بجوار عام 500، وذلك كله بالطبع قبل الميلاد.

·                       وفي القرن السابع، بعد الميلاد، اندفعت الموجة الأخيرة، التي أتت بالعرب، تحت راية الإسلام.

وهي موجات قد توقفت ظاهراً، منذ الفتح العربي، بشكلها العنفي، لكي تتحوّل إلى حركات تسلّلية، كانت تغذّي بصورة متواصلة، سكان سورا الساميين، بدم قبائلها، فكان منها من يبقى على حياة البادية والرحّل، وسواها على الحياة الحضرية في أنحاء سوريا كافّة، كما أثبت ذلك المؤرّخ الفرنسي رينه دوسو في كتابين معروفين.

وهذا مع الإشارة إلى أنّ الجغرافي الإغريقي، سترابون، قد أشار في مؤلَّفه المسمّى “بالجغرافيا” أنّ جبل لبنان كانت تقطنه، في القرن الأول من الميلاد، قبائل وعشائر عربية وإيتورية (علماً بأنّ الإيتوريين هم أيضاً من العرب)، وأن هذه الأقوام كانت تعيش من الغزو وسائر وسائل الحياة البدوية.

 

في ضوء هذه المعطيات التاريخية، قد نستطيع إجراء المحاولة للتحرّي، على وجه التقريب، عن الأصول العرقية لأهالي بلاد الشام، قبيل الفتح العربي في القرن السابع – مع الملاحظة أنّه من العسير تطبيق الطريقة ذاتها على أقباط مصر، الذين نبقيهم خارج بحثنا الحاضر، لأسباب عدّة ومنها على الأخص لأنّ للشعب القبطي المصري، الذي تحوّل إلى الإسلام فيما بعد، لكي لا يبقى منه في الوقت الحاضر سوى ستة أو سبعة ملايين فقط، جذوراً عرقية ممتزجة بالسامية والحامية السوداء، التي لمّا يتوصّل العلم إلى توضيحها.

 

ثالثاً: المسيحيون  في سوريا والعراق

نحصر البحث بسكان سوريا والعراق، علماً بأن سوريا التاريخية إنما تشمل أيضاً فلسطين، وبالطبع لبنان – تاركين خارج هذا الإطار الأقباط في مصر، الذين كان يتألف من كثرتهم الساحقة شعب مصر قبل الإسلام.

فمن المسلّم به إذن أن الجماعات التي كانت قاطنة في سوريا والعراق، قبل الفتح العربي، كانت مسيحية برمّتها، كما أنّه من المتّفق عليه بين المؤرخين أنّ هذه الجماعات كانت منتمية إلى المنوفيسية في سوريا، وإلى النسطورية في العراق، وذلك بجانب جماعات كان لها أيضاً قيمتها العددية، مؤلفة من الروم، الخاضعين للكنيسة الرسمية في سوريا، ومن المنوفيسيين أتباع كنيسة إنطاكيا اليعقوبية، في العراق، وكان بعضهم في سوريا من أصل إغريقي والبعض الآخر من الآراميين، بينما كانوا في العراق، بمعظمهم على الأقل، من الآراميين ومن غير الفرس الإيرانيين.

 

المسيحيون في سوريا والعراق توسّموا الخير والخلاص على يد الفاتحين العرب

 

إلا أنّ في شمال سوريا، وبالتخصيص في مدينة خوروس، الواقعة قرب مدينة عزار، وكذلك حول دير كان كائناً على العاصي قرب مدينة أفاميا، وهو المكان المعروف اليوم بقلعة المضيق، تكوّنت جماعة الموارنة، الذين تسمّوا باسم مار مارون، منشئ هذه الجماعة، وقد عاش ناسكاً في القرن الرابع.

وحول العقيدة التي انبثقت عنها هذه الجماعة، التي هي آرامية في أصول أتباعها، تضاربت الآراء. فهنالك شبه إجماع لدى المؤرخين والمبشرين الغربيين، على أن هذه الجماعة قد نشأت بوحي وعلى أساس المنوثيلية، القائلة بأن للمسيح مشيئة واحدة في طبيعته الإلهية والبشرية، في حين أنّ المؤرخين والأحبار والكهنة من الموارنة إنما ينكرون بشدة ما يعتدّونه وصمة في “أرذوكسيتهم الدائمة”.

ومهما كان الأمر، فالواقع أن هذه الجماعة كانت في وطنها الأصلي وليدة تربته مما يعني أنها كانت، ولم تزل، آرامية بعرقيتها، وإذا ما انتقلت، ابتداءً من القرن التاسع، على أغلب الظن، إلى أعالي جبال لبنان الشمالية، فإنما بقيت محافظة على وحدتها، وبالطبع على أصولها، مما يدعو إلى القول بأنها، هي أيضاً، سامية الأصل، وعربية المنشأ.

إلا أن في الواقع كانت تلك الجماعات في سوريا والعراق خليطاً من الآراميين والعرب، فكان العنصر الآرامي سائداً في المدن الساحلية والداخلية، وعلى الأخص في القرى والأرياف، بينما كان العرب، وهم كانوا وما زالوا منضويين في إطاراتهم القبائلية والعشائرية، متوطنين، منذ الأزمنة البعيدة، بأعداد كثيفة، في المناطق الشرقية من سوريا والمناطق الغربية والشمالية من العراق.

وهكذا نشأت وازدهرت في تلك البوادي إمارة الغساسنة في سوريا، وكانوا يعتنقون المذهب اليعقوبي، ومملكة اللخمين في الحيرة من أعمال العراق، التي كان ملوكها ورعاياها من النسطوريين، – مع الملاحظة أن دولاً عربية قد نشأت أيضاً في تلك الأصقاع، قبل القرنين الخامس والسادس، اشتهرت منها جمهورية البطراء في الأردن، ومملكة تدمر (بالميرا) في سوريا.

هذا وقد كانت الآرامية اللغة المهيمنة في ذلك العهد، وقد بقيت الآرامية منتشرة، مدة ستة قرون على الأقل، لدرجة أنها غدت اللغة الدولية، وأيضاً الرسمية حتى في المملكة الفارسية- وكانت هي اللغة الدارجة في فلسطين، بدلاً من العبرية التي اندثرت كلغة محكية ومكتوبة، فانزوت في طقوس العبادة لدى اليهود – ومن المعروف عن المسيح أنّه بشّر بالآرامية وليس بالعبرية، وأن آخر كلماته على الصليب إنما لفظها بالآرامية.

غير أنه بجانب الآرامية، كانت العربية اللغة الدارجة في بوادي الشام والعراق، وأيضاً في المدن والقرى المتاخمة، وعلى الأخص في حمص وقنسرين وفي وادي الأردن وفي الشام، وفي الأنبار والمدائن والموصل والرها ونصيبين ألخ، في العراق والجزيرة. وذلك كله بجانب اللغة الإغريقية، لغة الدولة والدواوين في سوريا، والفارسية لغة الساسانيين في العراق.

ومن المعلوم أن اللغة إنما تؤلف أحد المؤشرات الدالة على الأصول العرقية، بل هي المؤشر الأكبر في الجماعات الدولية، لدرجة أنه بفضل اللغة القديمة جداً في الهند، والمعروفة بالسانسكريتية، قد توصّل العلماء إلى كشف الغطاء المجهول الذي كان يحجب أصول الشعوب الآرية الموصوفة أيضاً بالهندو-أوروبية، أو الهندو-الآرية.

فإذا كانت الآرامية الممتزجة بالعربية اللغة العامية والأدبية في الوقت ذاته، في جماعات سوريا والعراق المسيحية، فلأن هذه الجماعات إنما كانت متحدرة من أصل سامي، وأن أصولها القريبة والبعيدة، كانت متصلة بالجزيرة العربية، وذلك إثر الموجات البشرية الكثيفة التي ما فتئت، مدة أربعة أو خمسة آلاف سنة، تجتاح أقطار الهلال الخصيب.

 

رابعاً: القابلية النفسية للفتوحات العربية

وكان من الطبيعة الإنسانية أن تولد تلك الانقسامات اللاهوتية، والاضطهادات الدينية، نفوراً وكراهية وعداء في سوريا ومصر، حيال الإغريق في بيزنطيا، كما كانت عليه الحالة النفسية في العراق تجاه الساسانيين الفرس، الذين لم يمتنعوا هم أيضاً عن اللجوء إلى العنف وسفك الدماء لإخضاع المسيحيين، من نساطرة ويعقوبيين، إلى سياستهم المجوسية.

وكان لا بدّ للأصول السامية من أن تهيء النفوس لهذا النفور نحو المملكتين العظميين في ذلك الحين، وهي التي دفعت سكان سوريا والعراق على الأخص، إلى أن يتوسّموا الخير وينشدوا الخلاص على يد الفاتحين العرب، ليس فقط من محنتهم الدينية، بل أيضاً من ظلم الضرائب وكثرتها التي كانت تثقل كاهل المكلفين في أقطار الهلال الخصيب ووادي النيل.

وهذه المعطيات أجمع المؤرخون على أنها ساهمت كثيراً بتسهيل سبل النصر للفتوحات العربية، لدرجة أنه جزموا بأن سكان هذه الأقطار قد تقبلوا العرب بقلوب رحبة، لأنهم رأوا فيهم محرّرين لا غزاة.

وحسبنا الاستشهاد ببعض الأقوال من هذا القبيل، كميخائيل السرياني، بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثاني عشر، أي بعد خمسة قرون من الفتح، وفي تاريخه الطويل نجد عبارات استهجان لسياسة الروم، كالتالية:

“لأنّ الله هو المنتقم الأعظم، الذي وحده على كل شيء قدير، والذي وحده إنما يبدّل ملك البشر كما يشاء، فيهبه لمن يشاء، ويرفع الوضيع بدلاً من المتكبّر، ولأنّ الله قد رأى ما كان يقترفه الروم من أعمال الشر، من نهب كنائسنا ودياراتنا، وتعذيبنا بدون أيّة رحمة، فإنما قد أتى من مناطق الجنوب ببني إسماعيل، لتحريرنا من نير الروم … وهكذا كان خلاصنا على أيديهم من ظلم الروم وشرورهم وحقدهم واضطهاداتهم وفظاعاتهم نحونا”.

وهي شهادة رهيبة، نجد مثلها، مما يتعلق بأقباط مصر، في تاريخ يوحنا النيقوسي، الذي تولى أسقفية نيقو في دلتا النيل، بعد فتح مصر بقليل، وكذلك في تاريخ سواروس الأشموني، الذي جاء من بعده، وهي شهادة لا شك بأنّها تدل على ما كان عليه مسيحيو مصر وسوريا والعراق من الشعور نحو البيزنطيين والفرس من جهة، وحيال العرب المسلمين من جهة ثانية.

ولأنهم قد تحققوا من هذا الوضع النفساني، الذي كان عاملاً حاسماً في إنجازات الفتح العربي، بسرعة مذهلة، فقد توافق المؤرخون الغربيون في عصرنا على إعلان هذه الحقيقة، أمثال الهولندي دي غوج، والبريطاني ألفرد بتلر، والفرنسي أرنست رينان وعدد كبير من سواهم.

ونكتفي في هذا المضمار بإيراد مقطع من دي غوج، في بحثه العميق حول فتح سوريا، الصادر في أوائل القرن الحالي، وفي معرض تذكيره بالتبعة التي يتحملها الإمبراطور هراقليوس، أو هرقل، في ضياع سوريا، بسبب سياسته الخرقاء، بفرض تعاليم المجتمع الخلقيدوني والمنوثلية، بوسائل شتى من الاضطهاد، وذلك مع إشارته إلى ازدياد الضرائب التي أثقلت كاهل سكان سوريا، مما حدا هؤلاء السوريين على اليقين بأن سلطان العرب سيكون أكثر رحمة وأشد حرية لمعتقداتهم. يقول هذا المستشرق الهولندي أن العرب والسوريين معاً كانوا يرون في بلاد الشام، جزءاً لا يتجزأ، مكملاً من الجزيرة العربية، وذلك بقوله ما نصّه:

 

“منذ أبعد الأزمنة، كانت سوريا موطناً للعرق السامي، وعلى الرغم من أن الحكومة كانت، في عهد بيزنطيا، متمركزة في القسطنطينية، فإن الشعب كان بمعظمه سامياً وحتى عربياً، ولذلك لم يكن من أثر الفتح العربي الاستيلاء على قطر غريب، الغاية المباشرة منه جباية الضرائب من سكانه، وإنما تحرير جزء من الوطن العربي الذي كان رازحاً تحت طغيان الاحتلال الأجنبي، وبالتالي استعادة عدد عظيم من المواطنين المهيئين نفسياً لإشراكهم بالدفاع عن مجد الله ونبيه”.

 

ولا غرو أن السياسة التي اتبعها العرب المسلمون منذ أول فتوحاتهم قد أعدّت تلك الجماهير في البلاد التي دانت لهم، إلى تقبل سلطاتهم، وهي سياسة كانت، هي أيضاً، فتحاً بذاتها، في عالم الفكر والدين. ومن المعلوم أنها استندت إلى آيتين كريمتين، الواحدة التي تقضي أن “لا إكراه في الدين”، والثانية أن على أهل الكتاب، الذين يختارون البقاء على دينهم، أن “يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”.

 

فمن الممكن وبدون مبالغة القول بأن الفكرة التي أدّت إلى انتجاع هذه السياسة الإنسانية “الليبرالية” إذا جاز استعمال هذا الاصطلاح العصري، إنما كانت ابتكاراً عبقرياً، وذلك لأن للمرة الأولى في التاريخ انطلقت دولة، هي دينية في مبدئها، ودينية في سبب وجودها، ودينية في هدفها، ألا وهو نشر الإسلام، من طريق الجهاد، بأشكاله المختلفة، من عسكرية ومثلية وتبشيرية، إلى الإقرار في الوقت ذاته بأن من حق الشعوب الخاضعة لسلطانهم، أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وطراز حياتها – وذلك في زمن كان يقضي المبدأ السائد إكراه الرعايا على اعتناق دين ملوكهم، بل وحتى على الانتماء إلى الشكل الخاص الذي يرتديه هذا الدين، كما كان الأمر عليه في المملكتين العظميين اللتين كان يتألف منهما العالم القديم.

 

هذه القاعدة التي لم تندثر في البلاد الغربية إلا بفضل الثورة الأميركية والثورة الفرنسية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.

 

وكان لا بدّ إذن لهذه السياسة الإسلامية، المتحدرة عن القرآن، من أن تسفر عن نتيجتين حاسمتين ما لبثت آثارهما ماثلة في الشعوب العربية، وهما قيام الطوائف المسيحية على أساس النظام الطائفي من نحو، ودخول سكان الأقطار التي فتحها العرب في دين الإسلام من نحو آخر.

فتلك الجماهير الكثيفة، التي تشكل كثرة أهالي سوريا ومصر والعراق، إنما كانت تدين بالمسيحية، وقد اعتنقت الإسلام بأفواج متلاحقة، منذ القرن الأول من الهجرة بملء حريتها، في حين أن من بقي من هؤلاء النصارى، موزعين إلى طوائفهم المعروفة بتسمياتها المختلفة إنما هم شهود عدل، عبر التاريخ، ليس على سماحة الإسلام – وهو تعبير لا يفي بالواقع، لأن وجودهم كأهل ذمّة في الماضي، إنما كان مبنياً على قاعدة شرعية وليس على شعور، من طبيعته أن يتضاعف أو أن يضعف – وإنما على إنسانية هذا الدين العربي الذي أنزله القرآن.

 

وهو الدين الذي أقرّ لغير المسلمين، ليس فقط بحقوقهم الفردية والجماعية الكاملة، بل وأيضاً بالمواطنية الشاملة في عصرنا الحاضر، الذي زال فيه نظام الذمّة، لكي يحل محله نظام الحريات العامة، المنطوية، لزاماً، على مبدأ المساواة التامّة في المواطنية.

 

ألم يكن الرسول العربي الذي قال في حديثه الشهير:

“ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلّم بالعربية، فهو عربي”.

 

 

====================

* (بحث قدّمه الدكتور إدمون ربّاط خلال المحاضرات التي نظّمها النادي الثقافي العربي في بيروت عن المسيحيين العرب– آذار/مارس 1981، ونشرته مجلة “الحوار” في عددها الثالث الصادر في حزيران/يونيو 1989).

 

 

 

 

 

2017 الصوت العربي الحر.