الجزء العاشر: معنى القومية العربية/ د. محمد عمارة

September 20th 2010 | كتبها

سلسلة التثقيف القومي

الجزء العاشر: معنى القومية العربية/ د. محمد عمارة

لائحة القومي العربي arab_nationalist@yahoogroups.com

 

تقديم ونقد: نقدم فيما يلي مادة قيمة للدكتور محمد عمارة حول معنى القومية العربية.  ونقول أنها قيمة من ناحيتين، إحداهما سلبية، والأخرى إيجابية.  أما الأولى، فتتمثل في تعامل النص أدناه مع القومية العربية كأنها ولدت بعد الإسلام فحسب، أو هكذا نفهم من النص على الأقل… فهو يشير ل”وليد قومي جديد” تبلور في ظل الدولة العباسية، وانصهرت فيه عناصر عربية وغير عربية، وتبلورت فيه العوامل المؤسسة للقومية العربية!! 

 

لكن العروبة أقدم من الدولة العباسية بكثير.  وبالتالي، فإننا نقدم هذه المادة كنموذج لما لا يجب أن يكون عليه الفكر القومي.  فإنكار العروبة قبل الدولة المركزية التي تأسست في ظل حركة الوحدة والتحرير القوميين التي أسسها محمد (عليه الصلاة والسلام)، فضلاً عن كونه منافٍ لحقائق العلم والتاريخ، كما نرى في الفصول المتعلقة بجذور العروبة قبل الإسلام في “سلسلة التثقيف القومي”، يجعل العرب خارج الجزيرة العربية احتلالاً، كما يزعم دعاة الفتنة والتفكيك والتعاون مع الأجنبي اليوم، وهو ما ندحضه علمياً من خلال مقتطفات لبعض كبار الكتاب القوميين. 

 

بيد أنه أمرٌ ذو دلالة سياسية خطيرة وراهنة أيضاً تجعل منه أكثر من مجرد مسألة أكاديمية أو بحثية.  ويقع المؤلف في تناقض كبير هنا إذ يحلل العروبة في الإطار العام كنتاج للدولة المركزية بعد الإسلام، ومن ثم يسرد عدد المرات التي ذكر فيها تعبير “قوم” (الذي اشتقت منه لفظة “قومية”) في القرآن الكريم (384 مرة)، مشيراً، عن وجه حق بالتأكيد، أن المقصود بقوم الرسول محمد هم العرب الذين بعِث فيهم “النبي العربي” رسولاً.  أفلا يثبت ذلك بجلاء أن القومية العربية التي احتضنت الإسلام وحملت رايته أقدم بكثير من 1400 سنة؟!

 

عمومأً نستغرب التهجم على بني أمية عند الكاتب في سياق تأكيده الضمني بأن الدولة المركزية العربية هي التي أنتجت العروبة! أوليس بنو أمية هم الذين أنتجوا الدولة العربية القومية إن كانت الأمة العربية قد عاشت دولة وحدة يوماً؟!  لقد كان لبني أمية ما لهم وعليهم ما عليهم، ونحن لا نقول أنهم كانوا أنبياء أو قديسين، لكننا نقول أنهم أسسوا موضوعياً الدولة القومية العربية واستكملوا تعريب الجغرافيا العربية، وأقاموا المؤسسات العربية، ووضعوا أسس العصر الذهبي للأمة العربية.  والشعوبيون الذين يهاجمون بني أمية قديماً وحديثاً لا يهاجمونهم لما نعتبره نحن أخطاء لهم، بل لأن الشعوبيين ببساطة ضد الصعود القومي العربي.

 

أما الجانب الإيجابي في المادة أدناه فيظهر في قدرتها العالية على الربط ما بين النهضة من جهة، والقومية من جهة أخرى.  إذ يوضح الأستاذ القدير محمد عمارة هنا أن انحطاط العرب حضارياً، بعد تقدمٍ، جاء بسبب حكم الإقطاع العسكري غير العربي وغير الحضاري عليهم، وهو الأمر الذي لم يجدوا منه مفراً نظراً لتصاعد خطر غزوات الفرنجة الهمجية من جهة، والانتصارات العسكرية لأمراء وفرسان ذلك الإقطاع العسكري المدافع باسم الإسلام عن الأمة العربية من جهة أخرى. 

 

بالمقابل، فإن الغرب استنتج بعد هزيمته في الحروب “الصليبية” أن عقلانية العرب والحكم الإسلامي مقارنة بلا عقلانية الغرب التي كانت تفرضها الكنيسة الكاثوليكية فرضاً على المجتمع، وتهاب الحكم العربي-الإسلامي بسببها، هي سبب تأخر الغرب وتقدم العرب، وهو ما دفع الغرب لتبني مبدأ العقلانية، مما أسس للنهضة الأوروبية وحركات الإصلاح الديني.  بالمقابل، فإن خضوع العرب لنظام الإقطاع العسكري الذي حكمته نخب لا عقلانية وغير متحضرة وغير عربية تعاملت مع بلادنا كغنائم كان سبب السقوط الحضاري البطيء والثابت للأمة العربية وصولاً للعصور الحديثة.  وقد ميزنا الفقرات أدناه التي تعالج هذه المقولة بالخط العريض. 

 

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ هنا أن الغزوات الغربية “الصليبية” الجديدة التي تحمل عناوين شتى، من “الحرب على الإرهاب” إلى “إسقاط الديكتاتورية”، باتت تدفع العرب دفعاً لتوخي الحماية من نخب غير عربية، تزعم أنها تدافع عن الإسلام، وهي تغطي على مشاريعها القومية الخاصة بها ومصالحها… وهو ما سينتج في أرضنا المزيد من الانحطاط والشلل لمشروع النهوض العربي على المدى البعيد حتى لو أمن حماية مؤقتة.  فلا حماية حقيقية للأمة، ولا نهضة لها، بدون مشروع قومي خاص بها. 

 

لكن بعيداً عن هذا البعد السياسي المباشر أو طويل المدى، فإن ما يهمنا هنا هو مسألة “العقلانية”، التي لا تقوم نهضة عربية أو غير عربية بدونها.  ففاقدو عقولهم لا يمكن أن ينتجوا نهضة أو مجتمعاً حضارياً، أكثر مما يمكن أن ينتج فاقدو الهوية والانتماء وحدةً أو تحريراً.  وهذه الحلقة المركزية – العقلانية – التي أمسك بها الأستاذ محمد عمارة، هي الحلقة التي لا يقوم أي مشروع قومي أو نهضوي عربي بدونها.   لأن أي مشروع حضاري بدون سلطة العقل، هو مشروع فاشل بالضرورة، إن لم يرتد ضد ذاته.   والقومي العربي الحقيقي عقلاني بالضرورة وهو ما يتيح للقومية العربية أن ترتقي في مواجهة التحديات والصعوبات وتغير الأزمنة.

 

أخوكم إبراهيم علوش

=============================================

 

معنى القومية العربية/ د. محمد عمارة

 

أولا: في المصطلح

 

 

مصطلح القومية من المصطلحات الحديثة في أدبنا السياسي، لكن مضمونه ليس كذلك، فعهد الواقع العربي بنشأة الروابط والقسمات التي جعلت الجماعة البشرية العربية قومية واحدة هو عهد بعيد يعود إلى ما قبل عصرنا الحديث، والى ما قبل استخدام مصطلح “القومية” للتعبير عن هذا الواقع، بعدة قرون.

 

ففي عصر ازدهار الحضارة العربية الذي بلغ قمته في القرن الثاني الهجري عرف الواقع العربي ثلاثة تيارات فكرية تصارعت في الواقع ووجدت لنفسها انعكاسات في الدراسات والأعمال الفكرية التي يمكن أن نسلكها في عداد “تراث العرب في الفكر القومي”، وهي:

 

1. التيار الشعوبي: الذي انطلق من العداء للعروبة والعرب والتعريب، مستهدفا تفكيك أواصر الدولة العربية التي جاءت ثمرة للفتوحات السياسية التي وحدت الشرق تحت قيادة العرب المسلمين، ومتخذا من التمايز العرقي والتعصب الجنسي سبلا لعرقلة حركة التعريب التي كانت تبشر بتوحيد هوية الجماعات البشرية التي تعيش في الدولة العربية الجديدة.

 

2. تيار العصبية العربية: الذي بعثه الأمويون لاستغلاله في الصراعات القبلية التي كرسوها لتدعيم سلطانهم، والذي امتد إلى أن أصبح عداء لغير العرب من الشعوب التي دخلت في الدولة، بعد الفتح، ولكنها تنحدر من أصول عرقية غير عربية.

 

3. تيار القومية العربية: الذي نشأ ليعبر عن الضرورات التوحيدية لهوية أبناء الدولة الجديدة، وليعكس حقائق الواقع الجديد الزاخر بالمصالح الموحدة لأبناء هذه الدولة بغض النظر عن الأصول العرقية والخلفيات الحضارية التي كانت سائدة قبل نشأة هذا الواقع التوحيدي الجديد.

 

ولقد أعتمد هذا التيار الفكري – الذي كان المعتزلة رواده الأول، والذي برزت أفكاره في رسائل الجاحظ (159-254هـ / 775-868م) بالذات – للعروبة معيارا غير عرقي، ورأى في العروبة، بالمعنى الحضاري، رباطا جديدا يخلص أبناء العرب القدماء من عصبيتهم ضد الرعايا المتحدرين من أصلاب غير عربية، ويفتح الميدان للاستفادة من كل الحضارات التي تمثل تراث شعوب هذه الدولة الجديدة، باعتبارها ميراثا شرعيا لهذه الجماعات البشرية التي أخذت في التوحيد والانصهار، ومن ثم، فلقد أسقط هذا المعيار الحضاري للعروبة المبررات المعلنة للتيار الشعوبي الذي كان يناصب العرب والعروبة العداء، كما أسقط الأسس التي قامت عليها عصبية بني أمية وتعصبهم ضد الموالي.

 

ومنذ ذلك التاريخ أدرك الناس، وكتب الكتاب، ورسخ في الواقع العربي أن اللغة العربية الواحدة، والعادات والشمائل والتقاليد الموحدة أو المتقاربة، والولاء الموحد للحضارة العربية الشابة والمستنيرة والمزدهرة، هي الوعاء الجديد والإنساني الذي تنصهر فيه الجماعات المنحدرة من أصلاب عدة، كي تكوّن جماعة واحدة قومية متحدة هي الجماعة والقومية العربية.

 

ولقد أسهمت وحدة الدولة، عندما كانت سلطتها المركزية في أوج قوتها، في تنمية القسمات المشتركة والعامة لهذا الوليد القومي الجديد، كما حفظت وحدة الفكر والاعتزاز بالثراء الحضاري الجديد المزدهر، المناخ الملائم لنمو القسمات القومية العامة والموحدة حتى في ظل الفترات التي ضعفت فيها السلطة المركزية وازدهرت فيه الدول والدويلات والإمارات. وأسهم في هذا الميدان كذلك بسهم وافر نمو حركة التجارة، الداخلية منها والعالمية، بسبب موقع الوطن العربي الحاسم، باعتباره حلقة وصل في تجارة آسيا خاصة الصين والهند وجزرها مع أوروبا، فغدت طرق التجارة التي سلكتها القوافل من المشرق إلى المغرب ومن الجنوب إلى الشمال شرايين وحدة وخيوط توحيد للمجتمع العربي. وكذلك صنعت رحلات العلماء، عندما شاركت حركة التجارة ورحلات التجارة في الحفاظ على نمو القسمات القومية التوحيدية للمجتمع العربي، حتى في ظل ضعف السلطة المركزية وازدهار حكم الولايات والإمارات.

 

ولقد أثمرت تلك العوامل والمؤثرات، المادية منها والفكرية، وحدة هوية الجماعة البشرية التي اتخذت الوطن العربي مستقرا لها، وبرزت القسمات القومية التي ربطت هذه الجماعة برباط قومي جديد، فأصبح لهذه الجماعة من قسمات القومية وشروطها:

 

1. أرض مشتركة، خلت من الموانع الطبيعية الحاجزة، ومن ثم، غدت هذه الأرض وعاء يساعد على الانصهار القومي ويتيح للقسمات القومية العامة المزيد من المحتوى التوحيدي والمزيد من الغنى والثراء في هذا المجال.

 

2. لغة مشتركة، هي اللغة العربية، التي أصبحت إحدى القسمات القومية العامة بعد أن اكتملت حركة التعريب لأبناء الدولة الجديدة، تلك الحركة التي نمت ديمقراطيا واختياريا وبطيئا، وساعد على تقدمها ذلك الثراء الذي جعل العربية لغة الفكر والعلم والفلسفة والأدب عدة قرون كانت فيها كل المراكز الحضارية في العالم تعيش سبات عصور الظلمات.

 

3. تكوين نفسي مشترك، تمثل في البناء الفكري والثقافي الغني الذي تجسد في آثار العرب في ذلك التاريخ، وهو البناء الذي تلتقي فيه بالقيم والمثل والعادات والتقاليد الموحدة، التي أصبحت موضع الاحترام ومقصد الولاء وموطن الاعتزاز من أبناء العروبة جمعاء. وكما يقول الجاحظ، فلقد غدت هذه العادات والتقاليد والشمائل والواحدة بمثابة “الرحم” الذي ولدت فيه هذه الجماعة الواحدة، بعد أن كانت ممزقة الهوية غير متحدة الولاء، فكان هذا بالنسبة إليها، ولادة جديدة قامت مقام النسب الواحد والعرق الواحد!

 

4. سوق تجارية واحدة واقتصاد متحد، ساعد على بقائها رغم الصعوبات التي كانت تنشأ عن ضعف السلطة المركزية، أن المنطقة طريق للتجارة العالمية، الأمر الذي جعل طرق التجارة تمثل دورا توحيديا بارزا في التكوين القومي، وارتباط انتشار التجارة العربية بانتشار الإسلام واللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن ووعاء الحضارة الشابة العقلانية المستنيرة. ولقد ظل هذا دور التجارة العربية والعالمية في التوحيد القومي العربي، حتى نجح الاستعمار الغربي في تحويل طرقها عن الوطن العربي إلى طريق الرجاء الصالح سنة 1497م، فكان ذلك واحدا من العوامل التي انتكست بازدهار القسمات العربية وجمدت نموها، فعرفت المنطقة التجزئة الاقتصادية، وأصبحت “المكوس” (الضرائب) التي تجبى عند عبور التجارة حدود الولايات والإمارات قانونا واقعيا ومقبولا بعد أن كانت من الأمور الشاذة التي لم تعرفها البلاد إلا في شكل مظالم يفرضها الطغاة من الحكام.

 

هكذا، على هذا النحو امتلكت الجماعة العربية، منذ عصر ازدهار حضارتها، أهم القسمات التي جعلت منها قومية عربية واحدة.

 

 

ثانيا: مرحلة النكسة

 

ثم نشأت في الواقع العربي وطرأت عليه مجموعة من العوامل أوقفت نمو القسمات القومية العربية، بل وهددت بعض هذه القسمات بالذبول.

 

فالخطر الصليبي الذي جاء غزوا استعماريا أوروبيا مسلحا، مولته المدن التجارية الأوروبية، وأذكت روحه ونظمته الكنيسة الكاثوليكية الأوروبية، التي فزعت من خطر العقلانية العربية الإسلامية على تسلطها آنذاك بالخرافة على مقدرات رعاياها، والذي قاده فرسان أوروبا الإقطاعية، هذا الغزو الذي تمثل في الحملات الصليبية على قلب الوطن العربي والكيانات الاستيطانية التي زرعت في فلسطين وسوريا وشمال العراق، وهددت مصر والمغرب (1096-1294م). هذا الخطر قد جعل الوطن العربي يسلم القيادة إلى أنظمة حكم عسكرية، تنحدر أصولها من أصلاب غير عربية، ولم تكن الحضارة العربية قد أصبحت ذات شأن كبير في بيئاتها وبلاطات حكمها، كما أن الخطر الداهم لم يترك لها متسعا من الوقت للاهتمام بالفكر والثقافة والحضارة؛ وأصبحت سيطرة “عسكر المماليك” الذين ظهروا في الدولة العربية منذ عهد المعتصم العباسي (179 – 227هـ/ 795-841م) أمرا مألوفا وواقعا شائعا، بل شيئا مرغوبا فيه منذ اشتد الخطر الصليبي .. فكانت السيطرة لدول مؤسسات الفروسية العسكرية التي قادت المعارك ضد الصليبيين: الدولة الزنكية (518-567 هـ/ 1127-1171م) فالأيوبية (567 – 648 هـ/ 1171-1250م) فالمماليك بحرية وبرجية (648-923 هـ/ 1250-1517م). ثم كانت السيطرة العثمانية على أغلب أجزاء الوطن العربي (923-1341هـ/1517-1922م)، الأمر الذي خلق مناخا غذى العوامل التي أضعفت نمو القسمات القومية للجماعة العربية وساعدها.

 

ولقد كان من نتائج الصراع بين الغرب والعرب خلال فترات الغزو الصليبي أن أحرزت أنظمة الحكم العسكرية انتصارات رائعة في الميدان العسكري، فانحسرت موجات الغزو الاستيطاني، بل اندحر الزحف التتري المغولي عن البلاد، الأمر الذي مد في عمر هذه الأنظمة غير العربية، لا عرقيا و لا حضاريا، على حين كانت حملات الصليبيين وهزيمتهم مناسبة اكتشفوا أثناءها وبعدها مقومات حضارة العرب وأسباب تقدمهم. فأخذت أوروبا تشهد حركات الإصلاح الديني، وتتجه إلى تراثها اليوناني بواسطة التراث العربي ومن طريقه، ثم خطت إلى عصر نهضتها، وأخذت تبني دولها القومية. ثم كانت الثورة الصناعية، الأمر الذي نقل مركز الإشعاع الحضاري من الوطن العربي إلى أوروبا.

 

وهكذا تخلفنا نحن عندما دعمت انتصاراتنا العسكرية قبضة الأنظمة غير القومية على مقدرات حياتنا، بينما فتحت هزيمة أوروبا العسكرية عيونها على سر ازدهار الحضارة العربية، فسلك الغربيون الطريق لبناء دولهم القومية، ورزحنا نحن تحت سيطرة ونير المماليك والعثمانيين، فتجمدت بعض قسماتنا القومية وأصاب الذبول بعضها الآخر، وحق لنا أن نقول عن الآثار النهائية والبعيدة المدى إلى هزيمة المنتصر وانتصار المهزوم؟! فالذين انتصروا، عسكريا، تخلفوا قوميا، ومن ثم حضاريا، والذين انهزموا، عسكريا، تفتحت عيونهم على كنوز الحضارة، فانتصروا عندما دخلوا عصر النهضة وبناء دولهم القومية من أوسع الأبواب!

 

ثالثا: عصر اليقظة القومية

 

عندما عادت أوروبا الاستعمارية إلى جولة جديدة في صراعها التاريخي الطويل ضد الشرق، وضد الوطن العربي بالذات، ومثلت حملة بونابرت الفرنسية (1798-1801م) على مصر والشام طلائع هذه الجولة الجديدة، كانت أنظمة الحكم “المملوكية – العثمانية” قد بلغت مرحلة الشيخوخة، وآذنت شمس فروسيتها العسكرية – أمام عتاد الثورة الصناعية الأوروبية الحربي – بالغروب، ففقدت مبررات سيطرتها على رعيتها العربية عندما هزمت حملة بونابرت فرسان المماليك، وانكشارية العثمانيين.

 

وعندما برزت قدرات العرب المصريين في ثوراتهم ضد جيش بونابرت، وقدرات العنصر الوطني العربي في حصار الفرنسيين عكا سنة 1799م، لاحت في الأفق بشائر عصر جديد، تعود فيه القيادة، حتى في الميدان العسكري، إلى العنصر الوطني العربي، ومن ثم تفقد فيه مؤسسات الحكم غير العربية مبررات وجودها واستبدادها بحكم البلاد، الأمر الذي فتح الطريق لعودة الروح إلى قسمات العرب القومية من جديد، فبدأت مرحلة اليقظة القومية العربية الحديثة، واتخذت من جيش مصر الوطني ودولتها الحديثة التي قاد بناءها محمد على باشا (1183-1266 هـ/1769-1849م) في النصف الأول من القرن التاسع عشر، اتخذت منها نقطة بدء تواصل بعدها مسيرتها القومية العربية التي توقفت عن السير عدة قرون.

 

فكانت الضربات التي أصابت العلاقات الإقطاعية في الريف والزراعة عندما ألغي نظام “الالتزام” و “الأوقاف”.

 

وانتهت سيطرة المؤسسة العسكرية المملوكية التي دامت عدة قرون.

 

وأنهت حملات الجيش المصري على الجيش العثماني بالشام التي أكتسبها بفتوحاته الأوروبية.

 

واتصلت أسباب العلم والحضارة بين العرب وبين أوروبا، فرأوا ثمار النهضة المؤسسة على العقلانية، والمعتزة بالخصائص القومية، وأدركوا أثر انفتاح الأوروبيين على حضارتهم وتراثهم القديم في بعث نهضتهم وبناء كيانهم الحديث، وهو الأثر الذي تجسد في “الكلاسيكيات” الفكرية الأدبية والفنية التي انتزعت روعتها الإعجاب والاحترام.

 

ومن ثم كانت الدعوة إلى العروبة والقومية العربية، فنشأت الجمعيات: فكرية، وثقافية، ثم سياسية، وتصاعدت بأهدافها وأساليب نضالها إلى أن أصبحت حركة قومية عربية، امتلكت رؤيتها الواضحة وأهدافها المحددة في بناء دولتها القوية الواحدة. امتلكت هذا الوضوح وهذا التحديد عبر طرق متعرجة مرت بها، ومن خلال ضباب فكري كثيف وقعت في أسره أحيانا … فمن حركات إصلاح ديني، ذات طابع عربي، معادية للعثمانية والتتريك، بدرجات متفاوتة – مثل: الوهابية، والسنوسية، والمهدية، مثلا – إلى تيارات متباينة رفعت شعار “الجامعة الإسلامية” ثم تمايزت مفاهيمها لمضمون هذا الشعار وأهدافه وعلاقة هذا المضمون وتلك الأهداف بالفكر القومي وهدف العرب في بناء وحدتهم القومية – مثل تيار جمال الدين الأفغاني (1838-1897م) وتيار مصطفى كامل (1874-1908م) وتيار اللامركزية في المشرق العربي … مثلا. وخلال هذه العملية النضالية المعقدة تساقطت الشوائب وانقشعت الغيوم، وواكب وضوح الرؤية العربية في المسألة القومية صلابة عود الحركة القومية العربية، وانعكس ذلك كله في الثورات والانتفاضات والجمعيات والأحزاب والأدب السياسي، والفكر والفن الذي غدا مرآة الأمة العربية المعبرة عن الطور الجديد الذي بلغته في طريقها إلى بناء دولتها والواحدة المجسدة لقوميتها الواحدة.

 

وعندما بدأت هذه اليقظة القومية في القرن التاسع عشر، كان الأدب السياسي العربي يستخدم مصطلح “الجنسية” بدلا من مصطلح “القومية”، نسبة إلى “الجنس” الذي يطلق على الجماعة من الناس. ولكن عموم هذا المصطلح الذي قد يطلق على كل الناس، قد جعل الأدب السياسي، وخاصة في حقل الدراسات القومية يستخدم مصطلح “القومية” للدلالة على هذه الظاهرة المتمثلة في الجماعة البشرية العربية التي امتلكت قسماتها القومية الواحدة والساعية إلى إغناء وإثراء المحتوى التوحيدي لهذه القسمات، والخلاص من العقبات التي تحول بينها وبين أبناء وحدتها القومية الجامعة.

 

ولقد كان شيوع مصطلح “القومية” في أدبنا السياسي الحديث، بدلا من مصطلح “الجنسية” – والأول أدق في التعبير عن الظاهرة موضوع الدراسة- إحدى علامات النضج في الحركة والدراسات القومية العربية. فهو مصطلح مشتق من مادة “قوم” التي وردت في كتاب العرب الأول: القرآن الكريم في 384 موضعا، غلبت عليها جميعا الدلالة على الجماعة المحددة بحدود والمجتمعة تحت مظلة روابط معينة والمتصفة بصفات مميزة، فهي تطلق على “المجتمع” المتميز بصفات تجمعه. و “قوم” الرجل هم شيعته وعشيرته، كما أن “قوم” كل رسول هم مجموع الأمة التي بعثه الله لهدايتها. وقوم الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذين بدأ بهم دعوته هم العرب، فهو النبي الأمي –العربي – بعثه الله سبحانه في “الأميين” – أي العرب – رسولا.

 

وكذلك استخدم الأدب السياسي العربي الحديث مصطلح “الأمة” العربية تحديدا للجماعة البشرية العربية التي تميزها، قوميا، قسماتها القومية العربية. وهو مصطلح ورد، هو الآخر، في القرآن الكريم في 64 موطنا. ومن معانيه التي رشحته إلى هذا الاستخدام الحديث: الجماعة. فالأمة هي: الجماعة. وأمة الرجل قومه، كما يقول ابن منظور في لسان العرب. فالصلة إذن بين الأمة والقوم أصيلة في تراثنا اللغوي القديم.

 

رابعا: عقبات على الطريق

 

ولقد كان مقدرا لحركة القومية العربية التي تحركت في أرجاء الوطن العربي بعد أن دقت حملة بونابرت ناقوس الخطر المؤذن بجولة جديدة في الصراع التاريخي بين العرب والغزاة، وبعد أن تداعت أركان النظم غير القومية، سواء أمام جيش بونابرت أو أمام المقاومة العربية القومية، كان مقدرا ومأمولا أن تبني الجماعة العربية دولتها القومية على أنقاض حكم المماليك والعثمانيين، لتجعل منها سفينة النجاة من الخطر الاستعماري الأوروبي الحديث.

 

ولكن عوامل كثيرة، يرجع بعضها إلى محدودية القدرة الذاتية لهذه الحركة، وما كان يمثله الإقطاع والعشائر من نفوذ أثمر ضعفا في قدراتها، وما كانت عليه أطماع الأوروبي، المسلح بثمرات الثورة الصناعية والشراهة المجنونة للاستغلال الرأسمالي، ما كانت عليه هذه من بأس وضراوة وتصميم على الحيلولة بين هذه الأمة وبين انجاز وحدتها القومية، حتى لا تفلت نهائيا من شراك الاحتلال والاستغلال – هذه العوامل، ومثلها معها، جعل الاستعمار الأوروبي الوريث لدولة آل عثمان “إمبراطورية الرجل المريض”. فبدأ استعمار فرنسا الجزائر سنة 1830م وانكلترا عدن سنة 1838م، وفرنسا تونس سنة 1881م واحتل الانكليز مصر سنة 1882 وبعدها السودان .. ثم احتلت فرنسا بقية المغرب العربي سنة 1912م. وصحب ذلك احتلال ايطاليا ليبيا … ثم جاء دور المشرق العربي في التقسيم الذي اتفق عليه الانكليز والفرنسيون بمعاهدة “سايكس بيكو” سنة 1916م، ووضعوه موضع التنفيذ عقب الحرب العالمية الأولى .. وكان وعد بلفور بإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين تجسيدا للمخطط الاستعماري الجديد.

 

وهكذا استبدلت سلطة الأتراك العثمانيين، غير العربية وغير القومية، بسلطة المستعمرين الأوروبيين من انكليز وفرنسيين وايطاليين، وازدادت حواجز التجزئة والإقليمية داخل الوطن العربي الواحد، وسهر التخطيط والتنفيذ الاستعماريان على تنمية ورعاية مقومات التجزئة ومبررات الإقليمية، حتى يضعِف من فاعلية القسمات القومية وتأثيرات عوامل التوحيد … وحتى عندما كانت السلطة الاستعمارية واحدة، والأقاليم المستعمرة متلاحمة، ومتجانسة التجانس كله، كان المستعمر ينفذ ويرعى مخطط التجزئة وينمي أسبابها، ففرنسا قد حافظت على تجزئة أقطار المغرب التي وقعت تحت نيرها – الجزائر، وتونس، والمغرب- وانكلترا فعلت الشيء ذاته، بل أمعنت في التجزئة واصطناع الكيانات في : العراق، والخليج العربي – الذي قسمت شاطئه إلى إمارات عدة – وجنوب اليمن، والأردن، وفلسطين. وكذلك صنع الفرنسيون بالمشرق فأقاموا في سوريا عدة دول للطوائف والمدن والولايات.

 

ثم كان إنشاء جامعة الدول العربية سنة 1945م، التي أراد الاستعمار، والاستعمار الانكليزي بالذات، من وراء تزكية إنشائها، أن يكرس التجزئة التي رعاها وسقى عودها، حتى أصبحت في الدويلات والدول العربية مصالح إقليمية وضيقة تعبر عنها طبقات أنانية المصالح محدودة الأفق، حمل الاستعمار ممثليها إلى السلطة في كثير من الأقاليم، ثم حملهم إلى صيغة جامعة “الدول” كي تكون بديلا عن الجامعة القومية والدولة الواحدة. وبعد ذلك أقام مستعمرته الاستيطانية –”إسرائيل”- التي استخدم في إنشائها التيار الصهيوني العنصري، وجعلها تشق وحدة أرض الأمة العربية، كي تحول بين واحد من أهم شروط القومية – وحدة الأرض- وبين التحقق والاكتمال! وحتى تمثل في ظل الاستعمار الحديث دور “مملكة أورشليم” الصليبية في الجولة السابقة من الصراع!

 

وأصبحنا على المستوى الرسمي، نجد الجماعة القومية العربية، التي يقترب تعدادها من المئة والأربعين مليونا (بلغ تعداد العرب حوالي 340 مليون نسمة عام 2008، ومن الواضح أن الأرقام المذكورة هنا بالنسبة لأعداد السكان قد تجاوزها الزمن وتحتاج إلى تحديث – إ. ع)، والتي تعيش في وطنها الواحد المحدود شرقا بالخليج العربي وغربا بالمحيط الأطلسي، وشمالا بجبال طوروس، وجنوبا بالصومال والسودان الجنوبية مع الحبشة – أصبحنا نجد هذا الوطن وهذه الأمة تتوزعها عشرون “دولة” غير فلسطين السليبة، مع تفاوت في تعداد سكان كل دولة ما بين 100000 نسمة إلى قرابة الأربعين مليونا! فالشرق العربي تبلغ مساحته 3710058 من الكيلومترات المربعة، مقسمة إلى ثلاث عشر دولة، بعضها مقسم إلى عدة إمارات، وسكانها يبلغ عددهم حوالي أربعين مليون نسمة. أما مصر والأجزاء العربية- الأفريقية فتبلغ مساحتها 9920721 من الكيلومترات المربعة، مقسمة إلى ثماني دول، يسكنها حوالي مئة مليون نسمة.

 

وهو التقسيم والتجزئة التي يجسدها الجدول الآتي (الذي يبدأ بعرب آسيا ثم عرب أفريقيا):

 

رقم الدولة عدد السكان المساحة ملاحظات

1 اتحاد الإمارات العربية 195000 83600 بالمشرق

2 الأردن 1400000 92000 بالمشرق

3 البحرين 225000 598 بالمشرق

4 اليمن الشمالي 5500000 195000 بالمشرق

5 اليمن الجنوبي 1300000 287682 بالمشرق

6 سوريا 6800000 185180 بالمشرق

7 العراق 10000000 434724 بالمشرق

8 السعودية 7500000 2149690 بالمشرق

9 عمان 750000 212400 بالمشرق

10 فلسطين 3200000 20770 بالمشرق (نأمل أن يكون الرقم المذكور هنا بالنسبة لمساحة فلسطين خطأً مطبعياً لأن مساحة فلسطين هو 27 ألف كم مربع – إ. ع)

11 قطر 110000 22014 بالمشرق

12 الكويت 650000 16000 بالمشرق

13 لبنان 2800000 10400 بالمشرق

14 تونس 5400000 164150 بالمغرب

15 الجزائر 14500000 2381741 بالمغرب

16 السودان 16600000 2505813 بالمغرب

17 الصومال 3100000 637657 بالمغرب

18 ليبيا 2000000 1759540 بالمغرب

19 مصر 36000000 1000000 بالمغرب

20 المغرب 16500000 445050 بالمغرب

21 موريتانيا 1200000 1030700 بالمغرب

المجموع 135730000 13630449

 

ولقد اجتهد الاستعمار، الذي خطط لتجزئة الوطن العربي، واجتهدت وتجتهد القوى والفئات التي وجدت وتجد في هذه التجزئة الإشباع لمطامعه الآنية والضيقة، في خلق الواقع المادي والبنى الفكرية التي تطيل في عمر التجزئة، وتجعلها عقبة حقيقية تحول دون قيام الوحدة القومية، فكان التخطيط للتنمية الاقتصادية على أساس قطري، ووضع العراقيل أمام مشاريع التكامل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة التي طرحها الفكر القومي واستطاع فرضها من حيث المبدأ حتى في إطار جهاز جامعة الدول العربية، الأمر الذي أثمر قيام المصالح القطرية المتعارضة – في أجزاء عربية – مع نظرائها في أجزاء أخرى، وما عكسته هذه المصالح الإقليمية من نزعات لا قومية حاول دعاتها استبدال الشخصية القومية العربية الواحدة بشخصيات إقليمية اصطنعوها للإقليم، واجتهدوا في اختراع المميزات والقسمات التي تستر تهافتها وهلاميتها، كما حاولت هذه النزعات اللاقومية افتعال تناقضات بين الهوية القومية العربية التي أصبحت رباطا مشتركا لأبناء الأمة العربية وبين المراحل الحضارية القديمة التي عبرتها شعوب هذه المنطقة قبل أن تنخرط في موكب العروبة وتكتمل لها عملية التعريب، مثل افتعال تناقض بين ماضي مصر الفرعوني أو القبطي وبين عروبتها الحالية، أو التناقض بين ماضي لبنان الفينيقي وبين عروبة أهله منذ دخوله ضمن إطار الدولة العربية الكبرى (نرى عبر فصول أخرى من سلسلة التثقيف القومي بأن الحاضر العربي هو استمرار طبيعي للأقوام والثقافات العربية القديمة التي تلقحت بها أرضنا العربية منذ بدء التاريخ، وأن لا تناقض بين عروبة المنطقة قبل وبعد الإسلام على الإطلاق، على العكس! – إ. ع).

 

لكن جماهير الأمة العربية قد أصبحت مالكة سلاح “وعي” قيمة وحدتها القومية وحركات سياسية ثورية وحدوية، فلم تعد حركتها في اتجاه الوحدة حركة عفوية تدفعها إليها فقط وحدة القسمات التي تكون قوميتها العربية الواحدة، بل لقد أضاف “الوعي” القومي إلى هذه العوامل إدراك هذه الجماهير أن تحقق أمانيها في التقدم الحضاري والعدل الاجتماعي والانعتاق من نير الاستعمار الجديد والاستفادة القصوى من ثرواتها وخيراتها رهن بتقدمها في طريق الوحدة القومية.

 

ومن خلال ثوراتها وانتفاضاتها الوطنية والديموقراطية، التي تتميز بمضامين اجتماعية متقدمة، وبواسطة الحركات والتنظيمات والأحزاب القومية، وحتى من خلال الأجهزة والأطر التي قامت لحماية التجزئة وتكريس الإقليمية، أخذت جماهير الأمة العربية تناضل في سبيل تجسيد وحدتها القومية في دولتها القومية الواحدة.

 

فهي تسعى لإغناء وإثراء قسماتها القومية الواحدة بالمضامين الأكثر إنسانية والأكثر استنارة والأكثر تقدما.

 

وهي تجعل فكر أمتها الموحد ووعاءها الحضاري الواحد الوارث الشرعي الذي يعتز بالتراث الحضاري الذي أبدعته شعوب هذه المنطقة قبل توحيد العروبة والتعريب لأبنائها.

 

وهي تناضل من أجل إزالة الأساس المادي للتجزئة والإقليمية، المتمثل في التجزئة والتنمية غير المكتملة، حتى تسقط انعكاساتها الفكرية مع الطبقات والفئات التي تستثمرها وتستفيد منها.

 

وهي تسعى كي تجعل من معركة تحرير فلسطين البوتقة المقدسة التي تنصهر فيها وحدتها القومية المنشودة.

 

وهكذا تتقدم المسيرة القومية العربية نحو استكمال مقومات الأمة العربية الواحدة، كي تجسد على أرض الوطن الواحد دولتها القومية الواحدة حتى تعود هذه الأمة إلى مكانها اللائق بها، فتواصل دورها التاريخي كإحدى القوى الهامة والكبرى في الساحة الدولية والمجتمع الإنساني، وحتى تسهم من جديد بعطائها الحضاري الغني، الذي يجعل من حاضرها ومستقبلها الامتداد المتطور للصفحات المشرقة التي سطرها أسلافنا في عصر النهضة والازدهار.

 

 

 

2017 الصوت العربي الحر.