(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
حول اليهود وعشاقهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار...
د. إبراهيم علوش
في هذا الزمن اليهودي، لا يخلو مفصلٌ من مفاصل السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو الترفيه، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية المهمة، من التأثير اليهودي المباشر أو غير المباشر، كما في سياسة الولايات المتحدة فيما يسمى زوراً "الشرق الأوسط" مثلاً.
لكن التأثير اليهودي لا يتمثل بالنفوذ السياسي فحسب، بمعنى تواجد ممثلين يهود في مراكز صنع القرار المهمة لتحقيق أجندة الحركة الصهيونية العالمية مثلاً. فالقضية ليست قضية تغلغل يهودي خفي فحسب، كما يظن البعض، بل تجاوزنا ذلك منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات لندخل علناً في مرحلة تهويد العالم، بمعنى تحويل البشرية إلى الولاء لليهود، وتبني الثقافة اليهودية، وتبجيل العقلية اليهودية، ومراعاة الحساسيات اليهودية، وتكريس أولوية كل شيء يهودي على ما عداه.
ليكن واضحاً أن صراعنا كشعب مع الإمبريالية العالمية، مثل صراع أي شعب من شعوب العالم الثالث مع الإمبريالية العالمية، من أمريكا اللاتينية إلى جنوب شرق آسيا، هو صراع تناحري بغض النظر عن اليهود. وليس اليهود سببه، بل يعود لبنية اقتصادية-اجتماعية محددة هي بنية الاضطهاد والاستغلال التي يقوم عليها النظام الرأسمالي في مرحلة محددة من مراحل تطوره.
والصراع بين الشرق والغرب، بالتحديد بين العرب وأوروبا، سببه جغرافي-سياسي وصراع النفوذ للسيطرة على العالم عندما كان حوض البحر الأبيض المتوسط مكان التقاء القارات القديمة الثلاث. وهو صراع سابق للإسلام بالمناسبة، فهنيبعل، القائد العربي القرطاجني زحف من تونس على روما عبر جبال الألب، وروما زحفت على قرطاج ومسحتها عن الوجود قبل الإسلام، وصراع الممالك العربية في تدمر والبتراء مع روما جزءٌ من هذا الصراع. وفتح الأندلس استمرارٌ لهذا الصراع، وكذلك غزوات الفرنجة على فلسطين وساحل بلاد الشام... وهذا صراع مستقل نسبياً عن اليهود أيضاً.
بيد أن دخول اليهود على الخط، كجماعة متماسكة ثقافياً وعابرة للحدود، أي كجماعة ذات هوية محددة عاشت في غيتوات أو معازل مدنية خاصة بها واشتغلت تاريخياً بحرف تجارية ويدوية، بعيداً عن الزراعة والجيش كبقية الجماعات، أضفى على الرأسمالية نفسها طابعها غير المنتجوالطفيلي. وبدلاً من مصانع النسيج والحديد والصلب مثلاً، صار صنع المال في النظام الرأسمالي يأتي أساساً من عمليات غير إنتاجية مثل المضاربة المالية والربا وبيع وشراء الأوراق المالية، أي صار المال يأتي من المال بدلاً من الإنتاج، وهذه تاريخياً لعبة اليهود، منذ كانت المسيحية في أوروبا تحرم الربا، والإسلام يحرمه طبعاً. ومن هنا يأتي الأساس المادي لعملية تهويد العالم.
فالرأسمالية في مرحلة تحللها تصبح يهودية، كما قال ماركس في كتيب "في المسألة اليهودية". وما الأزمة المالية الدولية التي ضربت العالم ابتداءً من الولايات المتحدة في أواخر صيف 2008 إلا أزمة هذه الرأسمالية الربوية والمضارِبة. وثمة إسلاميون كثر قد كتبوا أن المتاجرة بالأصول المشتقة، أي مبادلة المال بمال، بدلاً من مبادلته بسلع وخدمات، محرمٌ شرعاً، وسأترك الفتاوى الشرعية هنا لأهلها.
وفي عصر العولمة تصاعد النفوذ اليهودي مع صعود ثقافة التاجر اليهودي العملي عابر الحدود غير المنتمي لوطن، وتصاعد مع النفوذ اليهودي العالمي: 1) احتقار أو تهميش الحس الوطني والقومي في كل دول العالم، 2) تكريس قابلية كل شيء للبيع والشراء، من الأوطان وقطاعاتها العامة إلى الإنسان وقضاياه، ومن هنا الحديث عن "تعويض اللاجئين الفلسطينيين" كبديل للعودة مثلاً، 3) تقديس حرية البيع والشراء، ضمن الحدود وعبر الحدود، ومنه "اتفاقية منظمة التجارة العالمية" WTO التي دخلت حيز التنفيذ في 1/1/1995، 4) ازدهار ثقافة البيع والشراء، خاصة في قطاعات غير إنتاجية، ومن هنا دخول ملايين الناس العاديين حول العالم، من غير الأثرياء، في لعبة بيع وشراء الأسهم والعملات الأجنبية وما شابه، حتى تحول الأمر عند بعضهم إلى هوس يشبه الإدمان الذي يصيب المقامرين... 5) فرض "المحرقة" كديانة دنيوية تفضي إلى تقديس اليهود والتساهل مع نفوذهم العالمي وتجاوزاتهم، ومع احتلال فلسطين، وفي 1/11/2005، تبنت الأمم المتحدة، بالإجماع عملياً، يوم 27/1 من كل عام يوماً لإحياء ذكرى "المحرقة" اليهودية، أي يوماً للاحتفال بالنفوذ اليهودي العالمي.
مشكلتنا مع الغرب لم تبدأ مع اليهود، ولم تبدأ مع الرأسمالية وتحولها إلى إمبريالية، لكن اليهود اليوم ليسوا مجرد أداة من أدوات الإمبريالية العالمية، كقاعدة في فلسطين ضد وحدة الأمة العربية مثلاً، بل بات اليهود جزءاً عضوياً من الطبقة الرأسمالية العالمية، وهي تسير باتجاه التحول إلى طبقة واحدة عابرة للقوميات، على غرار التاجر اليهودي العملي تماماً، بلا وطن.
اليهود باتوا شريكاً في النظام الدولي الجديد، لا مجرد أداة من أدواته، والحركة الصهيونية العالمية لا تشتغل فقط بحماية مصالح "إسرائيل"، بل تتمم "إسرائيلُ" النفوذَ اليهودي العالمي. واليهود كأقلية، لا يتعرضون للاضطهاد والاستغلال والتهميش، بل العكس تماماً هو الصحيح إذ أنهم هم الذين يمارسون الاضطهاد والاستغلال والتهميش على غيرهم. وهم في الولايات المتحدة مثلاً أكثر بما لا يقاس من نسبتهم العددية بين السكان في أروقة الدولة، خاصة مجلسي النواب والشيوخ، وفي الإعلام والثقافة وهوليود، وفي البنوك والمؤسسات المالية والاستثمارية... ومن يظن أن النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة يرتبط فقط باللوبي اليهودي في واشنطن، دون النظر في جغرافية التغلغل اليهودي في الطبقة الحاكمة الأمريكية ووزنه فيها، هو نفس الشخص السطحي الذي يتفوه باقتراحات مثل: "يجب أن نشكل لوبي عربي منافس للوبي اليهودي في واشنطن"!!
في مثل هذا الزمن اليهودي، وبالأخص، في ضوء الممارسات اليهودية في فلسطين قديماً وحديثاً، ليس هناك ما هو أشد غرابةً، وأكثر إثارة للاستخفاف والسخرية، من عربي أو فلسطيني متعاطف مع اليهود، يحنو عليهم، ويخاف أن يصيبهم أحد بسوء، لا بل يغضب وتثور حميته لو ضربهم أحدٌ بوردة! ليس هناك أسخف وأقل حياء من عربي تثور إنسانيته لأن أخر تهجم على اليهود بالقول أو بالفعل!! وليس هناك أتفه من عربي لا يغضب لكل ما تتعرض له أمتنا، ثم يغضب ويجن جنونه لأن أخر أبدى سروراً لمقتل يهود!! وليس هناك من هو أكثر تلبساً بعوارض الدونية والشعور بالنقص تجاه الغرب واليهود من عربي "يمارس إنسانيته" بقمع من يتهجم على اليهود من أبناء أمته المسحوقة والمضَطهَدة!!
وقد بات لدينا نوعٌ من العرب والفلسطينيين ممن تم تزييف وعيه وتغيير مشاعره وقلب مفاهيمه رأساً على عقب، ليس فقط ليتعاطف مع اليهود، بل ليدافع عنهم إزاء بني جنسه، بينما الوضع الطبيعي هو العكس طبعاً. ولنتذكر أن اليهود ليسوا مجرد طرف في الصراع، بل طغمة عالمية مهيمنة... وأن الأمة العربية هي الأمة المجزأة والمحتلة والمقموعة الخ...
وتجد من يدافع عن اليهود بخطاب إسلامي مزيف، والقرآن الكريم وسيرة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام (في بنو قريظة والنضير وقينقاع مثلاً) واضحان في الموقف من اليهود، ناهيك عما فعله اليهود في فلسطين وغير فلسطين في القرنين الأخيرين، فنحن لا نتحدث عن اعتداء على أبرياء هنا.
وهناك من يدافع عن اليهود بخطاب يساري مزيف، وما هو اليسار في النهاية إن لم يقف مع المضطَهَد والمسحوق والمستغَل ضد الظالم والمستغِل والمضطهِد؟! وإذا كانت هناك مظالم وقعت ضد اليهود، كما زعموا، في روسيا وبولندا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فقد انقلب الوضع الآن، وبات اليهود لا يمارسون المظالم فحسب، بل يشاركون في إدارة أكبر إمبراطورية للمظالم في التاريخ من خلال موقعهم في ملكية وإدارة رأس المال المالي في النظام الدولي الجديد.
الغريب أن تجد إسلاميين ويساريين، مزعومين في الحالتين، ومعهم بعض الليبراليين العرب، يختلفون على كل شيء إلا على محبة اليهود! ويختلفون على كل شيء إلا على مهاجمة من يسمونهم "الفاشيين" و"الظلاميين" الذين يحضون على كراهية اليهود! والغريب أكثر أن ترى ليبراليين ويساريين مزعومين يتبجحون بالدفاع عن الحريات والحقوق ثم يبيحون لأنفسهم أن يشنوا حملات ضد من يعادي اليهود، دون أن يسمحوا بالرد عليهم عبر منابرهم التي شنوا منها تلك الحملات التي تصل لحدود البذاءة أحياناً! وأن تراهم يتسامحون مع "خطاب إسلامي" يتصدى للدفاع عن اليهود، ولمهاجمة من يعاديهم، في الوقت الذي يبدون فيه أكبر قدر من التعصب وضيق الصدر إزاء من يعادون اليهود من كل الخلفيات الفكرية والعقائدية.
فكأن "الدفاع عن اليهود" بات من ثوابت هؤلاء... وهنا لا بد أن نقدم نصيحة أخيرة لمن لم يفقد ضميره من هؤلاء: حتى لو لم يعجبكم موقفنا من اليهود، لا يليق بكم أن تتصدوا للدفاع عنهم بهذا الشكل في الوقت الذي يمارس فيه اليهود أبشع الممارسات ضدنا كأمة، وفي الوقت الذي يتقدم فيه اليهود صفوف ممثلي النظام الدولي الجديد! فإن ذلك لا ينم فقط عن ضياع البوصلة وانحرافها، بل ينم عن فقدان الولاء والانتماء للأمة، وانعدام الكرامة الوطنية، والقدرة على الشعور مع أبناء الأمة. في مثل هذا الظرف، فإن السكوت من ذهب، ومجرد التعبير عن تعاطفكم مع اليهود فضيحة معنوية بحد ذاتها.
أما من فقدوا الضمير من العرب المدافعين عن اليهود، فلهم أن يعتبروا هذه المادة دفعة على الحساب.