(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
خمسة أصابع Five Fingers:
صراع إرادات ولعبة شطرنج ما بين معتقل ومحقق
نحن نعرف كل شيء، فإياكم ثم إياكم!
د. إبراهيم علوش
في عالم الظلال، تختلط الحقيقة بشبهتها، وينتشر اللون الرمادي فوق التضاريس. وفي الفن الذي يفترض أن يعكس الحقيقة، بطريقة إبداعية خلاقة، تصبح الرسالة الفنية أداة سياسية بيد من يملك الموارد والقدرة على التوزيع الواسع، ومن يمتلك التقنية والخبرة لينتج أجمل أداة فنية كوعاءٍ لأخبث رسالة سياسية... أو أمنية!
وفي فيلم "خمسة أصابع" Five Fingers، يعيش المشاهد في عالم الظلال منذ بداية الفيلم إلى ما بعد نهايته. لا بل أن الفيلم نفسه بقي في عالم الظلال، ليس فقط في مضمونه وموضوعه وقصته، بل كعمل سينمائي يفترض أنه أطلق على شاشات العرض في 6/6/2006 وتولت توزيعه شركة هوليودية كبرى مثل Lionsgate، سوى أنه لم يعرض إلا على أضيق نطاق في دور العرض الأمريكية أو العالمية، فلماذا؟! هل يكون السبب حساسية موضوعه الأمني يا ترى؟
خمسة أصابع فيلمٌ بقي غير معروف فعلياً، ولم يعرض عملياً على الشاشات، وتسرب إلينا ببطء عن طريق الدي في دي DVD. ويشكو كثيرٌ من الأمريكيين ممن علق عليه على الإنترنت أنهم لا يستطيعون إيجاده في محلات الفيديو في الولايات المتحدة، ويبدو أن الفيلم أكثر انتشاراً في أوروبا، رغم مشاركة اثنين من مشاهير الممثلين الأمريكيين في بطولته، أحدهما لورنس فيشبيرنLaurence Fishburne، الذي شارك بإنتاج الفيلم أيضاً، وهو نفسه الممثل الأسمر الطويل الذي لعب دور مورفيوس في ثلاثية "المصفوفة" Matrix، وما زال يشارك في مسلسل "التحقيق في المشهد الجنائي" Crime Scene Investigation على قناه سي بي أس CBS الأمريكية. بطل الفيلم الأخر هو الممثل الشاب ريان فيليبه Ryan Phillippe الذي مثل في دور أمني أيضاً عام 2007 في فيلم Breach أو "اختراق" حيث يلعب دور ضابط استخبارات أمريكي يكلف بالتجسس على رئيسه المشبوه ببيع الأسرار الأمريكية للاتحاد السوفييتي السابق، في فيلم مبني على قصة حقيقية...
المهم، رغم مشاركة هذين الممثلين المعروفين من عالم هوليود في "خمسة أصابع"، فإن كل أحداث هذا الفيلم عملياً، الذي لم ينشر شيء عن موازنته وعائداته وأرقامه في المراجع المعهودة، تجري في مصبغة في المغرب،أي في غرفة واحدة عملياً، باستثناء بعض المشاهد العابرة في هولندا وولاية لويزيانا الأمريكية... وكان يمكن أن يتم تمثيل الفيلم، كما تمكن إعادة تمثيله، على خشبة مسرح فعلياً، أو في غرفة تعذيب واحدة في سجن... فالفيلم كله عبارة عن صراع إرادات ولعبة شطرنج ما بين معتقل ومحقق، مع كل ما يتضمنه ذلك الصراع بين إرادتين فولاذيتين من توظيف للحد الأقصى من القوة العقلية والمعنوية والنفسية من قبل كل منهما. ففضلاً عن مشاهد التعذيب الوحشية، التي تأتي ضمن سياق محدد مدروس ومنهجي غير عشوائي هو سياق تكسير إرادة المعتقل "مارتيجن" (الممثل ريان فيليبه)، فإن المحقق أحمد (الممثل لورنس فيشبيرن) كان في النهاية يمارس لعبة شطرنج فرض على مارتيجن أن يلعبها معه حتى النهاية، وبهدوء بالغ، حتى خلال أقسى لحظات التعذيب...
وعلى عكس ما يذهب إليه البعض، فإن تقدير كاتب هذه السطور هو أن الفيلم لم يوزع على نطاق واسع ليس بسبب استخدامه لمشاهد التعذيب، بل لأنه يعيد تمثيل صراع المحقق والمعتقل لحد واقعي لدرجة يكشف معها الكثير من أساليب وخدع المحققين، مما يسهم بتحصين الناس ضدها...
للأسف الترجمة للعربية في النسخة التي وقعت بين يدي رديئة ورثة وتضيِّع حلقات رئيسية في الحوار/ الصراع بين المعتقل والمحقق... لكن الأفكار الرئيسية تصل.
وربما لم يكن من المفترض أن يكون هذا الفيلم للعموم، بل لكل من تسول له نفسه التفكير بدعم حركة "إرهابية" في الوطن العربي. فقصة الفيلم تدور حول شاب أوروبي هولندي هو مارتيجن يصادق فتاة مغربية في بلاده ويذهب إلى المغرب ليقيم برنامجاً غذائياً للأطفال في المناطق الفقيرة. وهو بالأساس لاعب بيانو ماهر، وهو لا يلعب البيانو الكلاسيكي، بل الجاز، مما يقربه أكثر للشباب..
مارتيجين يستقطب عبر الإنترنت شخصاً بريطانياً يعرف المغرب ليذهب معه هناك... وعند ذهابهما للمناطق الجبلية بالباص يتم اختطافهما من قبل ما يبدو أنه حركة "إرهابية" أو حركة مقاومة. يتعرض البريطاني للقتل فوراً في مستهل التحقيق من أجل إحداث صدمة لكسر عزيمة مارتيجين. وتبدأ اللعبة في تلك الغرفة. المحقق أحمد، يتهم مارتيجين بأنه من المخابرات المركزية الأمريكية، ويصر مارتيجين، وأصابعه تقطع الواحد بعد الأخر بأدوات مختلفة، وهو لاعب البيانو طبعاً، على قصته بأنه آتٍ للمغرب ليقيم برنامجاً غذائياً لمساعدة الأطفال. ترسل "الحركة الإرهابية" ممرضة اسمها عائشة لمعالجة مارتيجين وللعناية به، فيتبين بعد وهلة أنها مجرد ضابط منهم، وبعد علاجه، تبدأ هي بممارسة التعذيب عليه وتقطع أحد أصابعه بمقص تقليم الأشجار.
في الواقع يعرف أحمد الكثير الكثير عن مارتيجين، ومنه أرقام حساباته في البنك، وأن مليون دولار قد تم تحويلها إلى أحدها، وأن صديقته مغربية، واسمها سادية، أو سعدية، وأن... وأن... لكن مارتيجن يبقى مصراً على روايته: أتيت لبرنامج غذائي للأطفال في المغرب. الممرضة عائشة (الممثلة جينا توريس زوجة لورنس فيشبيرن في الحياة الواقعية) تلعب دور المحقق الناعم، أحياناً، وفي أحد حواراتها مع مارتيجين الشاب الهولندي المتحمس، يكشف لها أنه مناهض جذري للعولمة، وشارك باحتجاجات ضد البنك الدولي، وأن له علاقات مع القوى المؤيدة للقضية في أوروبا. تطلب أسماءهم، يرفض، تتهمه بالعمالة للسي أي إيه من جديد...
اختيار شاب أوروبي مناهض للعولمة ومؤيد للقضية العربية ليتعرض لتعذيب وتشكيك رهيبين من قبل عرب مسلمين يفترض أنهم يمثلون القضية يستهدف تخويف كل أجنبي تسول له نفسه التفكير بمساندة القضية العربية، أما لحركات المقاومة، فالرسالة هي ضرورة التساهل مع المتطوعين الأجانب وعدم التشكيك فيهم......
وفي النهاية يتبين أن كل شيء عكس ما يبدو في الظاهر، بعد أيام من التعذيب والحرمان، تتركز الكاميرا على وجه مارتيجين وقد نبتت لحيته، وبات يبدو عربياً أشقر بلحية وشعر منفوش، وهكذا بدأ يعترف بسبب الخديعة، وليس تحت التعذيب، بمخطط رهيب لتسميم مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية في بلدان الاتحاد الأوروبي، ليثبت ولاءه للمحققين، بعدما تهكموا على المظاهرات الاحتجاجية ضد العولمة وجدواها... يطلبون أسماء أعضاء الخلية التي ستنفذ ذلك العمل معه، يرفض. ثم يقولون له نحن نعرف تلك الأسماء، لأنهم مرتبطون بحركتنا... لا يصدق! يتفق المعتقل مارتيجين مع المحقق أحمد على أن يكتب كلٌ منهما تلك الأسماء على ورقة منفصلة وأن يتبادلاها... ماشي. لكن بدل الأسماء يكتب المحقق أحمد في ورقته: "أشكرك، أشكرك، أشكرك".
في عالم الأمن ليس أي شيء كما يبدو في الظاهر، ولا نريد أن نفسد الفيلم على مشاهديه بكشف نهايته المريعة، لكن ربما يكون القارئ اللبيب قد التقط ما يكفي من الدلائل ليتوقعها، وليس توقعها يسيراً، لكن الرسالة السياسية: نحن نعرف كل شيء! نحن نسيطر على كل خيوط اللعبة! فإياكم ثم إياكم!
نعم، هذا الفيلم أنتج عام 2006 في عز "الحرب على الإرهاب" أيام بوش قبل أن يغير أوباما اسمها، وليس مضمونها، إلى "عمليات طوارئ خارجية". الفيلم لأنصار المقاومة فقط، التي تصور هنا أيضاً كإرهاب طبعاً يستهدف المدنيين الأبرياء في المطاعم، لكن ذلك الجانب مجرد ضربة رخيصة، وليس أهم ما في الفيلم...