(صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة)
"مليونير الحارة الرثة" Slumdog Millionaire:
هجين ثقافي معولم، في خدمة استقرار النظام العالمي
يا شعوب العالم الثالث لا تيأسوا من العولمة وتتحولوا إلى الإرهاب
د. إبراهيم علوش
في الوقت الذي أعادت فيه الأزمة المالية الدولية، التي تجلت ملامحها في صيف عام 2008، كل مصير النظام الرأسمالي العالمي والموقف الشعبي منه على بساط البحث، وفي الوقت الذي بدأت الشعوب تحتج فيه بصوت أعلى ضد الرأسمالية وصناع قرارها الكبار على هامش القمم الاقتصادية والسياسية، أتى فيلم "مليونير الحارة الرثة" Slumdog Millionaire ليعيد تسويق العولمة، وعواقبها، وجوائزها، وتجاوزاتها، لجمهور عالمي يزداد تشككاً بها ومعارضة لها، ويقل ثقةً وقناعةً بأربابها.
عنوان الفيلم يقوم على لفظةSlumdog، وهو تعبير عامي صرف. الSlum هو الحارة الفقيرة أو الرثة، وتوجد في محيط بعض الجامعات الأمريكية مثلاً أحياء كاملة تسمى Student Slums، وهي أحياء رثة يسكنها الطلاب كانت تأتي البلدية أحياناً لتغلق أجزاء منها بين الفينة والأخرى... ويوجد في الغيتو، أو المعازل التي تسكنها الأقليات العرقية في الولايات المتحدة Slums أو أحياء رثة... والقول Slumdog لا تعني كلب، بالطريقة التي نستخدمها نحن بالعربية، لأن الكلب لا يعتبر شيئاً سيئاً بالضرورة في كل الثقافات، وبالتالي، Slumdog هو الشخص القادم، أو الذي عاش وترعرع في تلك الحارات الرثة، أو القادم منها... ويدور هذا الفيلم بالذات عن شخص قادم من أحد أسوأ الحارات وأكثر رثاثةً في مدينة بومباي أو ممباي، اسمه جمال مالك، وهو شخص رأيناه في بداية الفيلم يخرج حرفياً، في طفولته، من بركة بنية لزجة وبراقة من الفضلات البشرية ليلاقي الممثل الهندي المعروف أميتاب بطشان القادم بالمروحية لزيارة الحارة... ومن تلك البركة في بداية الفيلم يتحول جمال مالك في نهاية الفيلم إلى الفائز الأول في برنامج "من سيربح المليون؟" الهندي، سوى أنها هذه المرة عشرين مليون روبية ربحها جمال مالك بالحلال، وبالصدفة بالنهاية، وقضية الصدفة هذه محورية تماماً في الحبكة وفي الرسالة السياسية للفيلم، وستكون لنا عودة لها بعد فقرات.
الفيلم إذن، في عز الأزمة المالية الدولية، يعالج الغنى والفقر، وبالتحديد أكثر يداعب شبق القابلية للصعود الاجتماعي أو الهجرة الطبقية عند أوسع قطاعات الناس حول المعمورة. وهذا الموضوع، في زمن انعدام اليقين وتذبذب السوق و"الركض وراء لقمة العيش" في زمن القابلية السريعة للهبوط الاجتماعي، ليس جذاباً فحسب، بل جذاب إلى حد الموت، كما النور للفراشة.
الفيلم بريطاني، وكاتب نصه بريطاني، وكذلك منتجه وأحد مخرجيه (المخرجة الأخرى هندية)، لكن مؤلف الرواية Vikas Sawrup التي اشتقت منها قصة الفيلم هو ديبلوماسي هندي عمل في سفارات الهند في بريطانيا والولايات المتحدة وتركيا وأثيوبيا... وكذلك كل ممثليه من الهنود. الفيلم تم تصويره في الهند طبعاً، وتم إطلاقه رسمياً في الولايات المتحدة، من خلال شركات التوزيع الكبرى، في 22/1/2009، مع أنه أطلق بشكل تجريبي ومحدود في 12/11/2008 في الولايات المتحدة وغيرها. والتجريب ضروري بسبب خطورة تسويق فيلم هندي لجمهور غربي، ولو كان فيلماً خاضعاً لمقاييس الجودة الغربية... فهذا ليس فيلماً هندياً بالمعنى التقليدي.
الفيلم تكلف خمسة عشر مليوناً من الدولارات فقط، وعاد بعد شهرين فقط من إطلاقه رسمياً بأكثر من 310 مليار دولار، وهو هامش ربح مهول، لا شك بأنه جعل استديوهات هوليود الكبرى تقطر حسداً أخضر، في الوقت الذي يكلفها الفيلم الواحد عشرات الملايين بالمتوسط. والسبب ليس انخفاض الكلفة بسبب التصوير في الهند فقط، فهذا يفسر بعض الربح لو عاد الفيلم بواحد وثلاثين مليون دولار، كفيلم هوليودي فاشل. لكن التجاوب مع "مليونير الحارة الرثة"، في طول الكرة الأرضية وعرضها، من أمريكا الشمالية إلى أوروبا إلى العالم الثالث جعل عائدات الفيلم تصل مئات ملايين الدولارات خلال فترة قياسية. فالأساس هنا هو ارتفاع الطلب وليس انخفاض الكلفة. وارتفاع الطلب في مثل هذه الحالة يعني بالضرورة أن الفيلم يلامس وتراً حساساً جداً عند عشرات الملايين من مشاهديه حول العالم. وهذا الوتر ليس إلا وتر الصعود الطبقي، الفردي، في زمن الانهيار الاقتصادي... فالفيلم يتحدث عن صراع شخص فقير جداً لتحقيق ذاته فردياً، لا عن جهود جماعية لمعالجة أزمة وإفراط في الظلم الاجتماعي مثلاً.
وجمال مالك مسلم، من عائلة هندية مسلمة، وأمه تقتل في عدوان طائفي هندوسي على حي للمسلمين، وتتركه وأخوه طفلين ليربيا نفسيهما بنفسيها. الأخ يتحول إلى رجل عصابات ومجرم، أما جمال فيتحول إلى فراش في شركة اتصالات. هنا نتحدث عن خيار فردي أيضاً. والخيار دوماً فردي من هذا المنظور. والحديث موجه بالأخص إلى مليار وربع أو مليار ونصف مسلم حول الأرض بأن لا ييأسوا من العولمة (ليتحولوا إلى "الإرهاب" مثلاً)، ولكن الحديث ليس للمسلمين وحدهم طبعاً، بل لكل شعوب العالم الثالث، وحتى لشعوب الدول الغربية الغنية التي ضربتها الأزمة المالية الدولية.
ممباي تتحول تدريجياً إلى مدينة كبرى وتنشاً فيها ناطحات سحاب مكان الأحياء الرثة العائمة على أكوام القمامة... ويكبر جمال مالك وأخوه، ولا بد من زرع قصة حب في الحبكة الدرامية هنا. فبدون مثل هذه القصة قد يتحول جمال مالك إلى مجرد شخص مادي في نظر المشاهدين ويفقد بعضاً من جاذبيته، فلا بد من مشاعر مرهفة وعواطف جياشة تغلف الصعود الفجائي إلى نادي المليونيرات المغلق... لكي لا يبدو جمال مالك انتهازياً. وتأتي هذه القصة الرومانسية على شكل حنين لطفلة مسلمة أخرى اسمها لاتيكا، من نفس الحي الرث الذي قدم منه جمال، كان قد قتل أهلها أيضاً في الهجوم الطائفي الذي قتلت فيه أم جمال. وتكبر الطفلة المشردة أيضاً لتصبح جارية عند زعيم العصابة نفسها التي يعمل فيها أخو جمال... لكن لا تستنتجوا من ذلك أن للفيلم حبكة هندية مشعوطة كالعادة، بل لعبت فيه الأنامل الغربية جيداً فتحول إلى هجين ثقافي معولم، لا هو هندي ولا هو غربي، لكنه دوماً في خدمة استقرار النظام. والرسالة هنا أيضاً للمرأة أن طريق الصعود الاجتماعي يأتي من خلال الارتباط بجمال مالك، أو بمليونير الحي الرث...
وقد ترك المخرج الرقصة الهندية المألوفة، الضرورية طبعاً، لما بعد عرض أسماء المشاركين في الفيلم في النهاية.
ملاحظة: قرأت مرة في سنوات المراهقة، نقلاً عن لينين، بأنه قال بأن النظام الرأسمالي مثل سحب اليانصيب، لا يمكن أن يربحه إلا شخص واحد أو قلة من الأشخاص، لكن كل من يشتري ورقة يانصيب يدافع عن فرصته بأن يكون هذا الواحد، وهكذا تكسب الرأسمالية أنصارها بإقناعهم بالدفاع عن حقهم في أن يكونوا رأسماليين، حتى لو كانوا من المعدمين. وقد تذكرت تلك المقولة وأنا أشاهد الفيلم، لا بل أنها لم تفارقني خلال مشاهدته...
ولعل عبقرية الفيلم تكمن في الأسئلة التي كان يوجهها المعادل الهندي في الفيلم لجورج قرداحي، المشرف على برنامج من سيربح الروبيات. فكل سؤال من الأسئلة التي كانت توجه لجمال، وهي الأسئلة التي كان يعجز من سبقوه ممن شاركوا بالبرنامج عن إجابتها، فلم يربحوا الملايين، كانت تثير فيه ذكرى أليمة ومفصلية من حياته. والفيلم يتألف فعلياً من هذه اللقطات من ذاكرته، وصولاً للنجاح الفردي الكبير. العبقرية في الموضوع أن تلك الذكريات أو الأحداث الأليمة نفسها التي يفترض أن تحبط وتدمر من يتعرض لها تصبح هي نفسها السلم الذي يصعد عبره جمال مالك للثروة، والأداة التي يستخدمها لتجاوز وضعه. ففقط هو، بسبب الظروف الخاصة التي مر بها، تهيأ للإجابة على هذه الأسئلة، عملياً بجهده الفردي، لكن اجتماعياً بالصدفة، أي أن النجاح ثمرة الظروف والمقدرة الخاصين والصدفة، ولا مسؤولية أو ذنب للنظام هنا عما يحدث لمصير الأفراد الاقتصادي. الفكرة أمريكية وأنغلو-ساكسونية صرف، وهي تتركز على المسؤولية الفردية والنجاح الفردي والتميز الفردي، وعلى شطب الوعي الاجتماعي والعمل السياسي من جذوره (ما دامت القضية فردية، لا قضية إمبريالية أو استغلال أو نظام اجتماعي يقوم على المقامرة برؤوس الأموال بدلاً من الاستثمار المجدي).
وجمال مالك يتعرض لكافة أنواع العقبات والمحبطات في الطريق إلى النجاح، حتى من أخيه، ومن معد البرنامج نفسه الذي حاول أن يضلله لكي يخسر، لكنه يتجاوزها أولاً لأنه هو بالذات كانت قد هيأته الظروف بمحض الصدفة لتجاوزها، فمنحته دون أن يطلب وعلمته الإجابة على الأسئلة الصعبة دون أن يدرس، وثانياً لأنه في حالة سلام وجداني عميق مع مصيره، فهو لا يتذمر ولا يشكو، بل يفعل أقصى ما يمكنه بالأوراق التي "فتتها" له الحياة، إذا أردنا استخدام تعبير أمريكي، يتعامل مع الحياة كلعبة شدة أو كوتشينة. وفي النهاية، يطرح المعد سؤالاً على مالك لو أجابه بشكل صحيح يربح عشرين مليوناً، ولو أخطأ في إجابته، فإنه يخسر الملايين العشرة التي ربحها حتى تلك اللحظة. لكن في تلك المرة بالذات لم يكن مالك يعرف الإجابة الصحيحة، ولم تكن الحياة الصعبة التي مر بها قد علمته جوابها. فاستعان بصديق! اتصل بلاتيكا حبيبته طبعاً لكنها لم تكن تعرف الإجابة، كما أنه لم يكن يعرفها. وكان من الضروري جداً أن لا يعرف مالك أو لاتيكا الإجابة الصحيحة... فاختيار الإجابة الصحيحة هنا كان لا بد له بالضرورة أن يعتمد على الحظ، على القدر، في النهاية، وليس حتى على المقدرة الخاصة والظروف الفريدة لجمال مالك، أي أن الثروة في النهاية كان لا بد لنيلها أن يعتمد على الصدفة (وهنا ينتهي الفيلم، ويحتفل فقراء ممباي بنجاح جمال مالك، ويشعر المشاهد بالارتياح والغبطة، وفقط بعد عرض الأسماء تأتي الرقصة)...
النظام فيه مصاعد للعبور الطبقي، مع القليل من القدرات، والكثير من الحظ، ألا فلتحيا العولمة في زمن الانهيار الاقتصادي! ولننتبه جيداً أن جمال مالك حل مشكلته بلعبة يانصيب، أي بلعبة قمار، استمرت ليلتين فقط، وليس بالعمل والإنتاج... فالتمجيد هنا ليس لجمال مالك، بل لرأس المال المالي الدولي المضارب، أي للذين سببوا الأزمة المالية الدولية. التمجيد ليس حتى لرأس المال الصناعي أو التجاري، بل لفعالية النظام، ولجاذبية العولمة عند الفقراء...